المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (رواية)(صَبِيٌ من النيل الأزرق)


منتصر
07-09-2009, 03:19 PM
صَبِيٌ من النيل الأزرق
ملحمة الحياة والحب والأسى في السودان المُستَعمَر 1883-1950م

تأليف : G.balamoan
ترجمة : مصطفى المأمون الشيخ محمد

منتصر
07-09-2009, 03:19 PM
مقدمة الترجمة



بسم الله الرحمن الرحيم


في البداية أود أن أقول: أن القصد من هذه الترجمة ليس النشر التجاري، إنما لخدمة دائرة محصورة من الأصدقاء والأقارب.النسخة التي بين يديك يا صديقي يوجد منها خمسة نسخ فقط. لعل ذلك يقلل من وزر أنني لم أستأذن المؤلف في ترجمة روايته.
الشيء الثاني الذي أود أن أنوه به هو : أن هذه الترجمة مليئة بالأخطاء اللغوية والنحوية ، لأنها أتت من شخص غير متخصص وقليل الخبرة والتجربة في هذا المجال . لذا فأنني أطلب من القارئ الصفح عندما تصدمه أحد هذه الغلطات .

الرواية والترجمة :

تقع الرواية في أربعمائة وتسع وثلاثون صفحة من الحجم الصغير ( الجيب) . مقسمة إلى خمسين فصلا ، أبقيت عليها كما هي ، ولكنني اختصرت بعض الأحداث والشروحات والاستطرادات ، كما يلي :

1 – اختصرت إفاضة الراوي عن تجاربه الجنسية وتفاصيلها وأبقيت على ما يحفظ للرواية تماسكها.
2 – اختصرت كثيرا من وصف صور الدمار الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية في المدن الأوربية.

3 – اختصرت الوصف الجغرافي والطبيعي للسودان ،من مناخ ونباتات وحيوان.
4 - أشرت فقط للطقوس والممارسات السودانية *ولم أتبع الراوي في شرحها .لأن الراوي يستهدف في كتابته القارئ الأجنبي و أنا استهدف في ترجمتي القارئ السوداني .

شكر :

أشكر كل من أطلع على مسودة هذا العمل أو جزء منه واستفدت من رأيه . وأخص بالشكر الأخ بخيت الأمين الذي تابع هذا العمل من البداية وحتى آخر صفحة ، وقدم نصائحه وتشجيعه ، وأسهم إسهاما مقدرا فيه ، لأن كثيرا من نصائحه وتصويباته وجدت طريقها إلى متن هذا السفر ، فله مني جزيل الشكر.




مصطفى المأمون الشيخ
الدمام
28 مايو 2002م

منتصر
07-09-2009, 03:20 PM
مقدمة المؤلف


كان وراء الفكرة الأولى لهذا الكتاب ، صديقي الشاعر عزيز اندراوس . كتبنا معاً الخطوط العريضة للأحداث التي ستتناولها الرواية وكان ذلك بين عامي 1976-1977 م .
عندما كنت محاضراً أولاً في جامعة ميدجوري في بلاد البرنو بنيجريا بين عامي 1977-1980 م ، أخذت هذه الرواية تتخلق في مائة وخمسون صفحة . ثم قمت بتوسيع الفصول وكتابة ستة فصول إضافية .
في عام 1986م قمت بكتابة ونسخ هذه الرواية اكثر من سبعة مرات . الكثيرون لا يدركون صعوبة الكتابة بلغة أجنبية . لقد بدأت لي اللغة الإنجليزية عصية عند كتابة هذه الرواية التي اتحمل كل الأخطاء الواردة فيها .
هذا الكتاب قد يكون أول رواية تاريخية طويلة باللغة الإنجليزية لكاتب سوداني .هذه الرواية عن الحياة والحب والأسى في السودان المستعمر ( 1883-1950م ) . هذه المساهمة قصد منها إثراء المكتبة الافريقية الفقيرة .
" صبي من النيل الأزرق" رواية من وحي خيالي وليس من الضرورة أن يقال عنها : انها سيرة ذاتية . اهمية استلهام احداثها من الواقع أكبر من أن تكون تجربة شخصية للراوي . لذلك ارجو الا يفهم بأن الأسماء الواردة في هذه الرواية تعود إلى شخص أو اشخاص حقيقيين . هذه الرواية هي صورة لمجتمع أدغمت في قصة شخص .


جورجيوس بلامون
المسالمة – ام درمان
اغسطس 1986م

منتصر
07-09-2009, 03:21 PM
(1)


مولد الطفل فأل المطر


في يوم سبت من شهر سبتمبر عام 1918 م شعرت وردة زوجة أيوب بآلام المخاض ، كان الناس قبل ذلك العام يسعدون بمقدم كل مولود جديد - ولكن بسبب الجفاف والقحط الذي أصاب البلاد خلال العامين السابقين – أصبح الناس يقابلون هذه المناسبة ببعض الإهمال .
لم تذق وردة الطعام طوال هذا اليوم .وتمر الساعات بطيئة ومؤلمة ،حتى جاء المساء ليُسمَع أنينها في أنحاء مدينة ود مدني .جذب ذاك الأنين كثيرا" من السكان و لكن كانت كل حيلتهم التشجيع والدعاء .
اقترحت القابلة عمل قطع بالسكين وسحب الجنين باليد حفاظا" على صحة الأم ، ولكن وردة - على ما بها من ألم - أبت ذلك في إصرار، مفضلة حياة الجنين على حياتها .بعد ذلك توالت محاولات العاجزين .البعض لم يملك إلا الدعاء وآخرين قاموا بمسح جسمها بزيت السمسم وغيرهم حاولوا مساعدتها على السير .
وسط هذه المعمعة والأنين والألم واليأس ،لم يشعر الحضور إلا بغزال كبير يقف وسط الحوش -كأنه جاء يستقصي الخبر ويشارك في المحاولات اليائسة – وجم الحضور برؤية الغزال في وقفته الوديعة واستطاعت إحدى النساء الخروج من هذا الوجوم وصاحت : ( الكرامة .. الكرامة .. الكرامة جاءت بكرعينها يا ناس ) . ولفت هذا الصياح الرجال بالقسم الآخر من الحوش .أغلق أحدهم الباب بخفة وأمسك بالغزال وذبحه في الحال .طلب من وردة التحامل على نفسها والتعدي فوق الغزال المذبوح وسط صيحات أمها خالدة المفعمة بالتفاؤل : ( هيا يا وردة .. عدي ، لقد أرسلها الله لنا لتكون فداء" لك و لمولودك ) .فقامت وردة تقاوم إعيائها لتعدي فوق الذبيحة وهي تنظر متضرعة إلى تباشير الفجر اللائح على الأفق في منظر تتفطر له القلوب، و جو تتجاذبه المشاعر ما بين الدم المسفوح والدمع المدفوق .. ما بين اليأس والأمل .وقفت وردة على رجلين مفراكتين ،وقد بلغ الألم منها ما بلغ .لم تعد قادرة على الصراخ ،لم تعد قادرة حتى على التألم. ودخلت الأم خالدة في نوبة بكاء كأنها تنوب عن أبنتها .
ما إن أُخذت وردة إلى داخل الغرفة الطينية حتى تبدل الكون !! السحب تتراكم ‍‍‍‍.. الرعد يدوي و العبادي يشيل والجميع في دهشة ،أفعمت القلوب _ رغم الخوف - بالحياة والتزم الجميع الصمت .حتى وردة كأنها استعاضت عن صراخها بصراخ الكون وعن تضرعها بصلاة الكون .
توالت الأحداث عاصفة :النوافذ تزداد اهتزازا .. السماء تزداد لمعانا وصاعقة تضرب شجرة اللالوب وسط الحوش فتحيلها إلى كتلة حمراء ملتهبة .
جاء الفرج عند بزوغ الفجر . ففي اللحظة التي كانت فيها وردة تضع مولودها – أرسلت السماء رحمتها مطرا يزيل رماد السنين المتراكم . جاء الفرج وسط معزوفة كونية لا تتكرر كثيرا ، المطر ينزل ،المؤذن يؤذن لصلاة الفجر ، جرس الكنيسة الأرثوذكسية يرن لصلاة الأحد ،الديك يصيح بإعلان يوم جديد ،وردة تصرخ بإعلان مولود جديد والأم خالدة تزغرد بإعلان نهاية المأساة .
بعد أن أُضجعت وردة على سريرها ، غسلت بالماء الدافئ ،ومسح جسمها بزيت السمسم . نودي على أيوب ليرى زوجته والمولود .ما أن رأى أيوب وجه وردة الممتق كالوردة الذابلة، ارتاع وأسرع الخطى ليطلب العون من الإدارة الإنجليزية .ما لبث أن عاد وبصحبته طبيب إنجليزي _ في الأصل طبيب بيطري _ .جاء الطبيب بصحبة زوجته الممرضة .
بدأ الزوجان على الفور في عملهم ومحاولة إيقاف النزيف وتطهير الجرح .وأشاروا في كبرياء استعماري إلى انه لولا استدعاءهم لكانت وردة في عالم آخر .وصرخت الممرضة بنفس الكبرياء :(أوقفوا هذا الجهل ، إنكم تقسون على أنفسكم أكثر مما يجب .لا تحاولوا خياطة الخفاض مرة أخرى ولا تضعوا الجردق (ملح صخري ) علي المهبل وعليكم تنظيف الجرح بهذا المطهر والقطن).
في اليوم السابع ذبح خروفان للسماية والكرامة .قدمت الفتة للضيوف وسط بهجة الجميع بالطعام والمطر ،التي يعتقد البعض أن المولود قد جلبها معه وكان من محاسن الصدف أن ذلك العام كان عام خير وفير أعقب سنين القحط السابقة ..

منتصر
07-09-2009, 03:22 PM
(2)


تسمية المولود

هذا الطفل فأل المطر هو أنا ، وهذه الفتة التي قدمت في اليوم السابع هو يوم( السماية) ، وقد سميت (صوص) في جو طقوسي بين دقات النوبة وقرع الطبول وزغاريد النساء .
بعد الأكل قدمت المشروبات كالشاي والقهوة والشربوت والمريسة والتي ساهم في جلبها بعض الجيران . رائحة الصندل و الشب واللبان تفوح من جميع أركان المنزل ،خاصة من غرفة وردة وصوص حيث يرقدان على برش مصنوع من سعف الدوم .. استمرت الاحتفالات :وضع المولود على طست من نحاس ، ثم جيء بعلب وزجاج وأواني فارغة وبدأ الضرب عليها مصحوبا بالتهليل والهتاف والزغاريد ، بمشاركة العشرات من النساء والأطفال – يستبعد الرجال من هذه الطقوس - ولك أن تتخيل المعزوفة الخارجة من هذا الخليط من الأصوات مجتمعة .
أخذ المولود في مهده النحاسي إلى النيل ،تتبعه أمه على حمار .والبقية راجلين حاملين المباخر وقارعين الأواني. عند النيل تقف إحدى النساء -ممن فقدن الأمل في الإنجاب - لتعدي فوق مهد الطفل الوليد سبع مرات معتقدة أن ذلك سيجلب لها الحظ لتحمل وتلد بينما تقوم أحدهن بمساعدة الأم بغسل وجهها وقدميها بماء النيل ويتم غسل المولود كذلك .هذه العادات قد تكون فرعونية وهو ما يشبه طقس التعميد في زماننا هذا .
نسبة لما عانته وردة عند الولادة لم يدر ثدييها حليبا، ولكن معزة خلوية مع سخلها تقف أمام باب الحوش ، كأنها جاءت خصيصا لهذا الغرض ! أخذت حبوبة الشول المولود ليرضع مباشرة من ثدي المعزة ويبدو أن المعزة قد قررت المكوث معهم فصارت تخرج إلى المراعي المخضرة خارج المدينة وتعود لحوش أيوب عند المغيب .
لاحظت حبوبة الشول الفعل التطوعي للمعزة وهطول الأمطار غير المتوقع وكمية الهدايا الواصلة من الجيران والأغراب ، تأملت حبوبة كل ذلك مما جعلها تعتقد اعتقادا جازما بأن هذا الطفل مرسل من عند الله وكل من يقف في طريقه فسوف يصيبه البلاء ( هذا الطفل إذا لم يولد حيا كنا سنهلك جميعا ولن تكون هناك أمطارا ).
هز الذين حول حبوبة الشول رؤوسهم موافقين على كل ما قالت لاعتقادهم فيها .
نثرت حبوبة ام الشول حبات الودع و هي في مكانها المعتاد تحت إحدى شجرات اللالوب ،بعد أن مسحت الرمل بيدها اليسرى ( لذلك سميت الشول ) ثم بدأت في قراءة مستقبل الطفل صوص مستدلة بالأوضاع المختلفة لحبات الودع .
- سوف يكون لهذا الطفل حياة مليئة بالتحديات ، قد تصل إلى مرحلة المخاطر .سوف يعاني في حياته الكثير كما عانى هو وأمه عند الولادة .سوف يتمتع بصحة جيدة ويصير عاملا ماهرا و.سوف يكسب الكثير ويسعد الذين حوله .من يحاول أذيته فسوف يرتد إليه سهمه . كل الذين يعرفهم سوف يحاولون مساعدته لأنه لا يضمر حقدا لأحد وسوف يعيش طويلا بتوفيق الله ..

منتصر
07-09-2009, 03:23 PM
(3)



الجد الأكبر مكوجي



بعد عدة سنوات عرفت من أنا ،وكيف ولدت في كنف عائلة مختلطة الأصول أيما اختلاط :–
أخبرت أولا عن جدي الأكبر الاسكتلندي ذو العيون الزرق والشعر الأحمر الذي سماه السودانيون مكوجي .

على بعد ثلاثة آلاف ميل من القاهرة ، على طول نهر النيل تجاه البحيرات العظمى .في أرض تسقيها الإمطار طول العام ، ارض ذات حيوانات وطيور برية .يعيش محاربون أشداء ، قوم من عدة أعراق هم من السودانيين الرافضين لدفع الضرائب .
في عام 1883 م قاد الكولونيل هكس – الضابط البريطاني المتقاعد من المستعمرة الهندية –ألف وخمسمائة مسلحا مصريا" ،إضافة إلى خمسمائة رجلا من الإنجليز والاسكتلنديين ،ضد مانعي الضرائب من الأهالي. توغل هكس - ربما عن طريق الخطأ - داخل منطقة السافنا ،في موسم جفاف وقحط شديدين، فتناولهم الأهالي وهم في حالة عطش وجوع وإعياء . فاكتملت مأساتهم ما بين جريح وقتيل وأسير وكان بين القتلى القائد هكس نفسه .
اجتمع مجلس حكماء الأهالي ليبت في مصير الأسرى . أطلق سراح المصريين ليبحثوا عن نجاتهم بأنفسهم وتبقى نحو ثلاثمائة بريطانيا من ذوي العيون الزرق والشعور الحمراء والشقراء وقد رحب بهم كمواطنين جدد وقرر تزويجهم من بنات الأهالي بعد ختانهم واعتناقهم الإسلام .
تفاصيل وجزيئات القصة المدونة والشفهية -كما سمعتها من أحياء تلك الفترة – تبرز الجانب المشرق من الصورة مما يجعلها أقرب إلى الدعاية ، أما في الغرب فإن إبادة حملة عسكرية أثناء أو قبل الدولة المهدية يعتبر ضد المزاج العام في العالم المتحضر .
اختار زعيم المنطقة أحد الشباب لابنته ، ولأنها ابنة الزعيم فقد اختار لها شابا طويلا يبلغ طوله ستة أقدام ورشيقا يبلغ وزنه تسعون كيلوجراما ، له عينان زرقاوان وشعر احمر وأسنان جميلة بيضاء ، مفتول العضلات ، لطيف المزاج يسمى ماكدونالز .
ضحك الزعيم عند ذكر الاسم قائلا :
- أنت ماكدونالز وآخر ماكيرسون وثالث ماكينجتون ! هناك عدة ماكات وسطكم ، لقد تكلمنا عن هذه الأسماء واستملحنا رنينها ولكنها ثقيلة على لساننا .أنا من ناحيتي قررت أن أدعوك باسم مكوجي ، وبما انك اعتنقت الإسلام فسوف يكون اسمك حمدنا الله مكوجي .
بدأت حياة مكوجي مع صهره الزعيم في إيجاد لغة مشتركة للتفاهم ،وسرعان ما بدأ مكوجي في التقاط كلمة من هنا وكلمة من هناك وهو باسم الوجه مما اكسبه حب واحترام الجميع .
تم تزويج مكوجي من فاطمة بنت الزعيم ذات الأربعة عشر ربيعا .ظل مكوجي طوال الأسابيع الأولى لا يدري ماذا يفعل بهذه الصبية اليافعة ذات الجسم النحيل .خلال هذه الأسابيع كانت عيون نسيبه تلاحقه في صمت ،و أخيرا صارحه بأنه من العيب ألا تظهر ثمار الزواج حتى الآن ! .بعد ظهور الحمل فوجئ مكوجي بنفور فاطمة من ممارسة الجنس وهذا ما حيره وغماه .
لاحظ الزعيم الغم البادئ على وجه مكوجي وفهم الأمر وصارح مكوجي قائلا : ( يا بني .. إن غاية ما ترجوه الزوجة من الرجل هو الحمل ، فإذا تم فإن اهتمامها بما عداه سيقل فما عليك إلا الزواج من أخرى ،فاطمة بنتي تعرف ذلك وتقدره ).
كان مكوجي يعتقد بأنه سيعيش مختلفا" بعض الشيء عن هؤلاء القوم ،ولكنه هاهو الآن يرى نفسه مدفوعا ،ليسلك دروبا كما يسلكها المواطن الأصلي .حاول أن يستدعي حياته هناك في اسكتلندا ،حيث عاش مع أبيه وأمه طوال حياته ،، نعم كانت علاقتهما لا تخلو من المنغصات ،ولكنهم كانوا قادرين دائما" على تسوية هذه الخلافات كان أبوه يقول له ضاحكا : (على الفراش .. يمكن أن تسوى كل الأمور) .
رفض مكوجي اقتراح الزعيم ، و في قمة حماسه للرفض استشهد بمقطع من الإنجيل ولكن الزعيم قاطعه قائلا : مهلا .. مهلا . لا تقل على الله ما لم يقله ، هل مر عليك إدانة أو اتهام بالزنا ضد أحد الأنبياء ممن مارس العلاقة الزوجية مع أكثر من امرأة .وعلى رأسهم إبراهيم الخليل أبو الأنبياء ؟ إن الشريعة الربانية والطبيعة البشرية تجوز ذلك فقد يبتلى الزوجان بعدم الإنجاب أو مرض الزوجة … أستمر الزعيم في خطبته مستلهما حججه من الكتب السماوية ومن فلسفة الحياة و ظل مكوجي مذهولا من براعة الشيخ في إيراد حججه وترتيب أفكاره .أخيرا لم يملك إلا الرضوخ لبراعة الحجة أولا ولأنها صادرة من الزعيم ثانيا ، وقد تكون صادفت هوى في نفسه ثالثا.
اجتمع مجلس الحكماء وبت في الأمر : على أن تقوم زوجته فاطمة باختيار الزوجة الثانية و تقوم أمها بإبلاغها بهذا القرار .
اختارت فاطمة صديقتها نفيسة ذات الأربعة عشر ربيعا زوجة ثانية لمكوجي و كان المهر بقرتين وعشرة من بنات الماعز .
لم يمكث مكوجي إلا قليلا حتى برهن على فحولته ،وهو الآن فخور وسط الأهالي بأنه زوج لزوجتين حبليين ،لا يستطيع أن يمارس رغبته مع أيٍ منهما ،حتى بعد سنة من وضع الحمل. وعلى حسب العادة يجب عليه الزواج مرة ثالثة .
دون أي تمنع !وكأنه قد استمرأ هذه العادة ،وافق مكوجي على الزواج من البنت عائشة بعد مباركة فاطمة ونفيسة ومن ورائهما مجلس الحكماء .
لو كان مكوجي لا يستطيع أن يطعم عائلته ، فإنه وعلى حسب العرف سوف يمنع من الزواج الثالث . ولن يجد من يعطيه ابنته زوجة له ،وسوف يعترض مجلس الحكماء على هذا الزواج .ولكن مكوجي كان يعد من الأثرياء .إضافة لكونه نسيب الزعيم فانه قد استطاع أن ينمي ثروته ويكتسب كل يوم مكانة جديدة في المجتمع حتى وصل إلى عضوية مجلس الحكماء بالإضافة لإمامته للصلاة .
أهدت فاطمة لمكوجي باكورة إنتاجها ابن ذكرا سمي خالد .وهذا يعد من المناسبات السعيدة عندما يكون المولود البكر ذكرا فهو (جمل الشيل ) و(حامل اسم أبيه ) و ( غطاء لإخوانه ) .خوفا من العين ، أعدت لخالد عددا من الاحجبة والتمائم – وسوف يأكل طعامه بعيدا عن أعين الغرباء وقد يلبس ملابس البنات للسبب نفسه .إما الزوجة الثانية نفيسة فقد أنجبت له بنتا سميت موزة .
مضت الحياة سعيدة بمكوجي مع عائلته ظانا انه استطاع أن يتخطى كل العقبات وليس هناك ما يمنعه أن يتواءم مع مجتمعه الجديد ذو الثقافة الإفريقية … حتى جاء ذلك اليوم الذي أخبرته فيه زوجته نفيسة بوجوب خفاض البنت موزة ؛ انتفض كالملدوغ ،تزلزل كيانه زلزالا عظيما واظلمت الدنيا في عينيه .صرخ مستحضرا ثقافته السلتية بقوة … لا ..لا إلا هذا .. لن ارضخ .. لن اقدم ابنتي ضحية لهذه العادة البربرية .. لقد رأيت بعيني معاناة زوجَتيَّ في الفراش وعند الولادة .
عاش مكوجي في محنة واختبار حقيقيين . شعر مكوجي بتفهم الزعيم وبعض أعضاء مجلس الحكماء ولكن الزعيم نفسه مع تفهمه لن يستطيع الوقوف في وجه هذه العادات المتأصلة .
إنها من اصعب أيام حياة هذا الرجل ، لقد عجز أن يحمي فلذة كبده من هذا التشويه القاسي ، ما أصعب الشعور بالعجز والضعف .
أخذت خطوات مكوجي تبتعد من القرية ،هربا من سماع صراخ ابنته .وعندما خلا إلى نفسه فاض به الحنين الى وطنه وعائلته وأصدقائه والضباب والرياح الباردة والبحر . وأخذت الدموع تنحدر على خديه ولكنه سرعان ما كفكف وحمد الله إن أحدا من أهل القرية لم يره لأن البكاء هنا للنساء فقط .

منتصر
07-09-2009, 03:24 PM
عادة ما يستغرق وصول الأخبار من أم درمان- عاصمة الدولة المهدية - إلى ود مدني أسبوعا كاملا ويتلقطها الناس هنا من أفواه المسافرين .
في أحد أيام عام 1885 م وصل أحد أنصار المهدي على ظهر جمل ونزل ضيفا" على مكوجي وكما جرت العادة لا بد للضيف أن يحكي لمضيفه أخبار رحلته ، البلاد التي قدم منها و التي مر بها .تحلق أعضاء مجلس الأعيان بالضيف في منزل مكوجي لسماع الأخبار .. وبدأ الضيف يحكي: (أرسلت الحكومة البريطانية شخصا يدعى شارلس جورج غردون ليكون حاكما عاما على السودان ، نصحه مهدينا إلى التسليم والإيمان بالمهدية ولكنه رفض .مما جعلنا نحاصر الخرطوم .قطعنا أسلاك التليفون والتلغراف بين الخرطوم والقاهرة واحكمنا الحصار تماما . هذا الغردون العنيد ومعه ثمانية آلاف جندي شبه عاري إضافة لسكان المدينة البالغ عددهم عشرون ألف نسمة يعانون من مجاعة ساحقة ، فقد فرغت مستودعات الحبوب وأي حيوان يؤكل لحمه فقد أكل وجثث الموتى المتعفنة ملقاة على قارعة الطريق ..لا تجد من يسترها .)
في عام 1884م طالب الشعب البريطاني الملكة فكتوريا بضرورة إرسال مساعدات عاجلة لغردون ، فكافح الجنرال هيربيرت استوارت في فك الحصار عن الخرطوم من غير جدوى .فقد تم أٍسره مع بعض جنوده بواسطة الأنصار .ثم ارسل الجنرال ويلسي مع ثمانمائة بارجة حربية محملة بالجنود البريطانيين والمصريين ولكنه وصل بعد فوات الأوان لان الأنصار قد اقتحموا الخرطوم كالإعصار وقتلوا غردون خلافا لوصية المهدي واجبر الناجون على اعتناق الإسلام وأطلقوا ليسعوا في الأرض من اجل رزقهم .
وفي نفس العام (1884) قررت بريطانيا إخلاء السودان وصار المهدي حاكما مطلقا لرقعة تزيد مساحتها عن أوربا الغربية .

منتصر
07-09-2009, 03:26 PM
ضربت حزام السافنا في السودان والحبشة موجة من الجفاف ،امتدت عدة سنوات. فأهلكت الزرع والضرع فضاقت فسحة الأمل واتسعت رقعة المقابر . أتى الناس على كل مخزونهم من الحبوب ونفقت حيواناتهم واصبح الناس لا يقوون على المشي من الضعف والهزال. وانتشرت الأوبئة الفتاكة وقد تخلل هذه الفترة موسمين مطيرين ولكن الجراد والآفات الزراعية الأخرى قضت على الزرع وقتلت الفرحة .
عند فقدان الأمل -وبدافع غريزة البقاء وحفظ النوع -زحف الكثيرون على طول النيل الأزرق في اتجاه سنجة والرصيرص ، يملؤهم اليأس وكأنهم يمشون وراء السراب .وكان من بين الزاحفين مكوجي وعائلته المكونة من زوجاته الثلاث وأطفاله الأربعة الباقين على قيد الحياة - من مجموع أطفاله البالغ عددهم خمسة عشر طفلا .
حتى عام 1894 م- .لم يكن مكوجي يتخيل يوما من الأيام انه سوف يشتري طعاما من أحد دعك من أن يبحث عنه ولا يجده .
ولكن .. ماذا حدث للأرض والناس ؟
في عام 1885م صار الخليفة عبد الله التعايشي حاكما للسودان خلفا للمهدي ، ولتكوين جيش موالي ولسلامته الشخصية استدعى أهله قبائل غرب السودان للعيش معه في أم درمان .وأعلن الجهاد إكمالا لرسالة المهدي ،متناسيا حاجة الناس والجند للإنتاج من اجل طعامهم .لذلك ولأسباب اقتصادية واجتماعية أخرى سقطت الدولة المهدية بسهولة كما يسقط صفق الشجر في موسم الخريف .
قاد كتشنر جيشه لاستعادة السودان في معركة كرري في الثاني سبتمبر عام 1898م فخلف الدراويش السذج { هكذا أوردها الكاتب –المترجم} آلاف القتلى والجرحى والأسرى وخسر كتشنر ثمانية وأربعون جنديا" ما بين قتيل وجريح وقد وصفها رئيس الوزراء الشاب وينستون تشرشل حينذاك بالانتصار العظيم للحضارة .


***
كثيرا ما أحاول أن أتخيل أفكار الجد مكوجي :عندما نظر هو وعائلته إلى فرقة القرب الاسكتلندية والنافخين الجبليين داخل تنور اتهم القصيرة وهم يزرعون أم درمان مشيا . لقد جذب صوت الموسيقى الناس من كل حدب وصوب .ليروا شيئا غريبا يبعث مناخا جديدا في مكان تعس .
في صباح اليوم التالي ذهب مكوجي إلى معسكر الجيش البريطاني ،حيث قابل هناك ضابطا اسكتلنديا وفي نبرة اسكتلندية صميمة قال مكوجي : ( يا سيدي .. أنا اندرو ماكدونالز اصلي من كروفتامي ، أنا وعائلتي نعاني الجوع ). ثم أضاف في تلعثم خجل : ( كحال كل الناس ..فهل نجد عندكم بعض الطعام والملابس القديمة).همس الضابط الغازي في استغراب : ( يا الهي !! هل أرى عفريتا؟ ) .ولثوان معدودة بدأت كأنها دهرا نظر كل رجل للآخر في اندهاش تام .بدأ هذا الاندهاش والصمت كأنه انتقل إلى كل ما يحيط بهم حتى ألسنتهم امتدت ثم لجمت أمام وجوههم ، وحدت بينهم الدهشة مع اختلاف هيئتهم الخارجية فالضابط تجري الدماء في عروقه أما مكوجي فلا يختلف عن الهياكل الآدمية التي تزحف في أزقة أم درمان .
كُسر الصمت عندما مد الضابط بلفافة من التبغ إلى مكوجي ،الذي أسرع إلى دسها في طيّات ما كان يعرف بثيابه .
- ( كم عددكم ؟ ) سأل الضابط.
- (أنا وزوجاتي الثلاث وأطفالي الأربعة بالإضافة إلى سبعة من المعارف ) أجاب مكوجي .
أحضر الضابط طردا مليئا بالطعام ، وصرة ملابس مستعملة خلعت من ضحايا المعركة وما زالت روائح الدم الآدمي تفوح منها . إضافة إلى ذلك وضع أمامه طبقا مليئا بالخضار واللحم مع الخبز ، ليذوق مكوجي الطعام الاسكتلندي لأول مرة منذ عشرين عاما . لم يمكث مكوجي بعد الأكل إلا دقائق معدودة ، حتى استغرق في النوم كأنه قد سهر دهرا . أيقظ بعد أربعة ساعات ليجد أمامه إبريقا من الشاي مع الحليب ، وقد ذهل الضابط من كمية السكر التي طلبها مكوجي مع كوب الشاي الواحد . وكذلك قدم له البسكويت الذي نسي طعمه . لم يمكث مكوجي بعد الشاي إلا قليلا حتى تحلق حوله آخرون من عسكريين ومدنيين وبدأ مكوجي يحكي لهم قصته . قبل غروب شمس ذلك اليوم رجع مكوجي لعائلته رجوع المنتصرين حاملا معه ما لم يخطر على عقل أحد منهم ، فأكلوا ولبسوا وشكروا الله ولم ينسوا أن يثنوا على رجلهم الأحمر مكوجي .
في اليوم التالي صحب مكوجي عشيرته وذهب للمعسكر ،حيث أطعموا .وعرض على مكوجي العودة إلى بلاده ولكنه فضل البقاء مع عائلته قائلا : (لم يتبق لي في الحياة إلا أياما معدودة .حتى لو رغبت في السفر فصحتي لا تسمح ) .
منح مكوجي ثورا ومحراثا واستقطعت له ارض على النيل الأزرق بالقرب من مدينة ود مدني وقد قدر الله أن يرحل مكوجي من هذه الدنيا بعد شهر من هذا .

منتصر
07-09-2009, 03:26 PM
(4)



خالد و خالدة


جدي خالد مكوجي -رغم صغر سنه -فقد عركته الأيام الصعبة والتجارب المرة .تسلم زمام قيادة العائلة بعد والده وهو مسلح بهذه التجارب وبخطاب تعريف من قائد الحامية للإدارة الاستعمارية لتسهيل معاملاته . لقد زوِج خالد قبل وفاة والده من فتاة صغيرة وجدت هائمة على وجهها في أزقة أم درمان .وقد أطلقوا عليها اسم خالدة . كغيرها من ناس ذلك الزمان فقد كانت تشكو من سوء التغذية .كان شعرها القليل القذر يقف كأنه أعواد قزَت على رأسها . الوجه قذر لم يبلله ماء إلا العرق والدموع ، الجسم عار إلا من خرق تستر أجزاء قد سترتها أمنا حواء من قبل بورق التوت . لا أحد يعرف لها أهلا ولا أقارب ، آواها مكوجي وفاطمة كأنهم يأوون معزة ضالة .
استطاع خالد مكوجي وبمساعدة الثور والمحراث وخطاب التوصية إن يجتاز كثيرا" من المحن والصعاب التي فتكت بالناس في ذلك العصر .
بعد أن مكث خالد مع خالدة عامين ولم ينجب طفلا ،وبدأت نساء العائلة بما فيهم خالدة نفسها في البحث عن زوجة ثانية له. وبعد البحث عثرت خالدة على فتاة في سنها لا جذور لها تدعى الشول وقد ربطت أواصر الصداقة بين خالدة و الشول طوال حياتهما وكما سنرى في الفصول القادمة فقد لعبت الشول دورا هاما في حياة الراوي ..
أقلق التأخر في الإنجاب خالد مما جعله يبدي قلقه هذا للمفتش الإنجليزي ،الذي اخضع خالد لفحص بواسطة طبيب في الجيش البريطاني .بين الفحص إن خالد مصاب بمرض من الأمراض التناسلية مما أخضعه هو وزوجتيه لفترة علاجية .وبعد عام من بداية العلاج رزق خالد وخالدة بنتهما وردة وبعد ذلك صارت تهدي له مولودا كل عامين ولكن لم يعش منهم سوى وردة وجاد الرب ، أمَا الشول فقد أنجبت له ابنا واحدا يسمى لبيب وعن لبيب هذا سوف نسمع الكثير في الفصول القادمة.
بمعيار ذلك الزمان والمكان يعتبر خالد من الأثرياء وكان هذا من العوامل التي ساعدت في نمو مكانته الاجتماعية إضافة لعلاقته مع الإدارة الإنجليزية . فالتف الناس حول خالد طلبا للمشورة والمساعدة .
في صباح إحدى الأيام وجدت فاطمة أم خالد ميتة في سريرها وفي الأسبوع التالي فتكت الملاريا بأخته موزة وهذا ما ادخل خالد في دوامة من الحزن.وعادت إلى ذهنه أيام المحن والصعاب التي عاناها مع والده في السابق. وبينما هو في قمة حزنه واسفه إذا بالملاريا اللعينة تعض في جسده .التف حوله الناس وزاره المفتش الإنجليزي بصحبة طبيب المنطقة الإنجليزي ولكن المنية أنشبت أظفارها وقدر له أن يلحق بوالدته بعد شهرين ليدفن بالقرب من والده في جنازة لم تشهد مدينة ود مدني مثيلا لها من قبل .
كانت وفاة خالد في نهاية عام 1912م وبوفاته انهد ذلك البيت الكبير الى وحدة تعيسة من الأيتام والأرامل تتكون من اثني عشر أنثى وولدين .
في عام 1914م شهد إقليم السافنا فترة جفاف أخرى أثرت على آلاف السكان وهو ما اقلق السلطة الاستعمارية فقامت برفع الضرائب وتوزيع الغلال على السكان . رغم الحالة المزرية للسكان فقد شهدت المنطقة موجات من الهجرات الجماعية من الكنغو وبلاد غرب أفريقيا الأخرى ، لا زال هناك في السودان طعاما لمن يملكون المال ولكن القليل منهم يملكون وباستمرار ارتفاع الأسعار صار حتى الذي يملك مالا يعد من الجائعين .
لم يتبق لعشيرة مكوجي حيلة للعيش غير أن تلجا للمفتش الإنجليزي متسلحة بخطاب التعريف القديم . منحهم المفتش الإنجليزي مبلغا ضئيلا من المال وطلب منهم الحضور إلى المركز في صباح الغد ، ليعطيهم بعض الملابس ويقدمهم للبعثة التبشيرية بقيادة مستر ومسز هورن التي وعدت بوضع البنات الأربعة في مدرسة الراهبات بأم درمان - أول مدرسة للبنات في تاريخ السودان -.وكذلك الاعتناء ببقية أفراد العائلة وقد قابلت عائلة خالد هذا الإحسان بالفرح حتى البكاء وتقبيل أيادي محسنيهم .بعد فترة قليلة قبل الأولاد بكلية غردون التذكارية التي كانت تعادل المرحلة المتوسطة في ذلك العهد .حيث يدرس فيها اللغتين العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم العامة .بعد خمس سنوات التحق لبيب وجاد الرب كمترجمين بمؤسسات الحكومة حيث عمل جاد الرب بإدارة مشروع الجزيرة . بعد أربعة سنوات تحولت البنات إلى آنسات لطيفات يجدن القراءة والكتابة باللغتين العربية والإنجليزية وتعلمن بعض المهارات المنزلية مثل الحياكة وعمل الخبز والكيك والبسكويت ، وبما أنهن قد نُصِّرنَ فقد تعلمن إنشاد التراتيل والعزف على البيانو.
تبلغ وردة الآن من العمر ستة عشر ربيعا ، وقد رتبت لها البعثة التبشيرية مع خالدة و الشول لتزوج لأيوب وهو شاب من الأقباط المواليد في القضارف ويعمل في سكك حديد السودان وهو يعول ثلاثة أشخاص من عائلته التي لها بعض المعرفة بعائلة مكوجي .
في حفل بهيج بساحة الكنيسة حضره رهط من المبشرين والضباط الإنجليز وبعض السودانيين الذين لا زالوا يذكرون مكوجي وعشيرته ، تم زواج وردة وأيوب والدي الراوي .

منتصر
07-09-2009, 03:27 PM
(5)



أيوب و وردة


يبلغ أيوب من العمر ثلاثون عاما عند زواجه . كان رجلا طويلا نحيلا ولكنه قويا ،لين الجانب كريما مسالما.كان قنوعا – أقصى أمانيه المادية أن يكون له دخل يمكنه من شراء زجاجة كاملة من الويسكي ماركة جون ووكر _كان غير متدين وليس له أصدقاء ويخشى رؤساءه في العمل .كان اباه وجده من قادة المجتمع القبطي ، لهم مساهماتهم في بناء كنيسة صغيرة محاطة بثلاث أشجار دوم بالقرب من مكان الكنيسة القبطية الحالية على النيل الأزرق.في عام 1883 م كان والداه ضمن ثلاثة آلاف آخرين قد هربوا إلى أسوان واسنا والأقصر . انجب والداه أربعة عشر طفلا ،لم يبق منهم على قيد الحياة غير أيوب وشقيقته مريم . كان أيوب آخر العنقود وقد ولد في مكان ما بين عطبرة و إسناء ما بين عامي 1884-1888م. فصل من كلية غردون لتدني مستواه الدراسي .
كنت يومها ابن ستة سنوات(1924م) عندما خلع جميع أسنانه بكماشة دون استعمال أي مخدر وذلك لعلاج مرض الازمة الذي يلازمه وبقيت الازمة وخسر أسنانه.
وردة في ذلك الوقت كانت تبلغ من العمر ستة عشر ربيعا . كانت بيضاء ذات شعر أسود ، شديدة التدين ،فقد أخذت ديانتها الجديدة بإخلاص . حبوبة خالدة وحبوبة الشول بقيتا على إسلامهما ولم يجبرا على تغييره ، بل إن الإرسالية كانت تشجعهما على صيام رمضان وتجلب لهما الأضحية في الأعياد .كان لوردة صديقان هما مستر ومسز هورن .كانت أما حنونا وزوجة مخلصة.


**


اخذ أيوب زوجته ومعها الحبوبات وبقية أفراد العائلة من الإرسالية إلى بيتهم المهجور في ود مدني .أمَا أخوات وردة الأصغر ملكة ،سارة وعائدة فقد بقين في الإرسالية .
المنزل الذي بناه خالد على أنقاض منزل مكوجي على نمط المنازل السودانية في منطقة السافنا يحتوي على أربعة غرف مع المنافع إضافة لملحق الضيوف وله حوش مزروب تبلغ مساحته اكثر من ألفي مترا مربعا.
بدأت الحياة تدب في البيت فقد تم شراء شاتين وعدد من الدجاج وبدأت حبوبة خالدة تصنع الكسرة وبقية الأعمال المنزلية مقسمة بين الجميع .
بعد عام واحد من الزواج أنجبت وردة شقيقي الأكبر وقد كانت كلها ولادات عسيرة لقلة العناية الصحية ولانتشار ممارسة الخفاض للأنثى (هنا يستطرد الراوي في شرح عملية الخفاض وطريقة الحبل البدائية للتوليد). فقد كانت نساء الأسر في ذلك الزمن يستنكفن من معاودة المستشفيات _ على قلتها _ وجل المعاودات من المومسات أو الجواري السابقات.


**

لمدة عامين سارت الحياة بأيوب وعائلته بيسر وسلام في ود مدني ، كان أيوب يسافر بالقطار شرقا حتى بورتسودان وغربا حتى الأبيض وشمالا مرورا بالخرطوم إلى حلفا . كان يغيب فترة تبلغ الأسبوعين .
في عام 1918م رجع أيوب من إحدى سفراته مهموما مغموما فقد تسلم خطابا ينذره بالاستغناء عن خدمته في مدة أقصاها شهران . كانت رد وردة التي لا تميل إلى تصديق الأخبار السيئة :
-لماذا هل ستتوقف القطارات إلى الأبد؟
- قد يقل عدد القطارات . كما تعلمين هناك عدة مئات قد فصلوا العام الماضي وجلهم من المصريين وقد عادوا إلى مصر ونحن ليس لنا شيئا هناك ، أفٍّ.. هذا كله من السياسة عديمة الجدوى والمظاهرات المعادية للإنجليز في مصر والسودان .
- لقد خفضوا راتبك ثلاث مرات خلال الثلاثة أعوام السابقة . هم يدفعون لك جنيهين في الشهر مقابل ستون ساعة عمل في الأسبوع.
- يبدوا أن المهدية ارحم ، هؤلاء الإنجليز يودون أن يخدمهم الناس دون مقابل . لقد كتبت لهم خطابا مذكرا إياهم إخلاصي في العمل وخلو سجلي من الغياب حتى في نوبات المرض .. آه يا للهول كيف يمكنني أن أتدبر أمور عائلتي !؟
- لقد نصحتك أن توفر لليوم الأسود ، نعم كان يمكننا أن نوفر شلنين أو ثلاثة كل شهر بالرغم من إن عددنا سبعة أفراد ..
ثم انفجرت باكية:

وقفت العجوزان تستمعان للأخبار السيئة في صمت .يمتلكهن شعور قاتل بأنهن اصبحن عبئا لعائلة لا تكاد تتدبر أمر معيشتها ،بالرغم من أن لهن معاشا من اسكتلندا يبلغ اثني عشر شلنا قام بتدبيره لهن مستر هورن .
لقد خيمت روح التشاؤم على كل أركان المنزل حتى ليخيل إليك إنها من كثافتها أن قد طالت زريبة الغنم و قن الدجاج .
ولما طال الصمت لملم أيوب بعضه ثم دخل غرفة نومه .حيث لحقت به وردة وهي تحمل إناء" به زيت مطيَب لتمسح له جسمه وتخفف عنه بكلام متفائل .
بدأت الحبوبات بتهيئة مكان الجبنة (القهوة) ودعي أيوب من مخدعه لينضم إليهن .عندما باشرت حبوبة الشول رمي الودع ( حبات صغيرة من الصدف ترمى على الأرض لقراءة الطالع – المترجم ) صمت الجميع في اهتمام وترقب. قطعت حبوبة الصمت بزغرودة فرح معلنة أن أيوب سوف يعاد تعيينه ولكنه سوف ينقل الى مكان بعيد !! هلل الجميع بالفرح وتبادلوا التهاني مع أيوب لأنهم يؤمنون بتنبؤات حبوبة إيمانا قاطعا .
حبوبة الشول بالرغم من تقدمها في السن لكنها كانت امرأة نشطة ،تتمتع بحاسة ممتازة للسمع والملاحظة ، تسير من اول ود مدني الى آخرها في ساعة وتعود بنفس الطريق جامعة معها أخبار المدينة ،لتكون موضوع الونسة في قعدة الجبنة .وقد عمت شهرتها المدينة بصدق قراءتها للطالع مما جلب لها دخلا أسبوعيا يبلغ الشلنين .


**

وكما تنبأت الحبوبة ، فقد أعيد الوالد إلى وظيفته .ولدهشتنا فقد تم نقله إلى الشلال في صعيد مصر في وظيفة أمين مستودع .سافر الوالد لوحده على أن نلحق به بعد تجهيز المقر .سافر الوالد إلى الخرطوم ومنها استغل قطار وادي حلفا ومن هناك الى الشلال عبر الباخرة النيلية .تبلغ الرحلة في ذلك الوقت ستة أيام لقطع مسافة ألف ميلا .
بعد شهرين التحقنا به ، وقد صحبنا في رحلتنا الخال جاد الرب. كما التحقت بنا والدة أيوب الجدة ايرين . أول يوم من وصولنا صادف منح الوالد علاوة شهرية قدرها عشر شلنات واخذ أيوب يقفز من الفرح وهو يقبلني قائلا : يا لك من ولد ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.

منتصر
07-09-2009, 03:28 PM
يبلغ عدد سكان الشلال حوالي مائتين نسمة ويوجد بها دكانين ومقهى .السفر من الشلال إلى أسوان مجانا على قطار اكسبريس السودان الذي يربط الشلال بالقاهرة مرتين في الأسبوع .لقد قام كتشنر بإعادة بناء هذا الخط في عام 1893م والخط السابق قد بني عام 1870م بواسطة الحكومة المصرية .أهم شخصية في الشلال قاطبة هو المدير الإنجليزي الذي يعيش مع عائلته في منزل فخم ذو حديقة وارفة في مكان منعزل بعيدا عن بقية المنازل. وهم لا يزورون ولا يزارون .
يعيشون الشلاليون في حوالي عشرين بيتا من الآجر مسقوفة بالعشب اليابس وهي باردة في الصيف دافئة في الشتاء .بعض الشلاليين يعيشون في الكهوف . هناك حوالي عشر عائلات سودانية تسكن في قطاطي من الطوب الأحمر (القطية بيت دائري الشكل ذو سقف مخروطي – المترجم ) .لقد اشترينا أثاثنا المتواضع من أسوان . كانت منازل هيئة السكة حديد مسقوفة بالحديد الصلب مما يجعلها حارة في الصيف باردة في الشتاء ، مما جعل الوالد يعدل في السقف بأن لبّسه من اسفل بالعشب اليابس بتكلفة قدرها ثلاثة جنيهات للغرفتين ، وقام بالكتابة إلى المدير الإنجليزي بواسطة رئيسه المباشر لاسترداد المبلغ .ولدهشة الجميع فقد وافق المدير الإنجليزي على هذا الطلب.و أمر أن تعدل بقية المنازل العشر على هذا النسق .للتعبير عن شكرهم قرر الولد وزملاؤه أن يقدموا له هدية عبارة عن قفص من الدجاج .ولكن المدير رفضها قائلا لمندوبهم : ( إنني اقدر شعوركم ولكن هديتكم مرفوضة .حتى لا تكون هناك شبهة للرشوة .أرجو ألا يتكرر هذا مستقبلا ) . لقد حكى وزملاؤه هذه القصة مرات ومرات بل وصارت تحكى في الشلال وأسوان عدة شهور .
كانت الشلال قرية نظيفة ،قليلة الذباب بصورة ملحوظة ،ذلك لأنها تقع ضمن دائرة الإدارة الإنجليزية ، بعيدا عن الحكومة المصرية . قضيت خمسة سنوات من عمري في هذه المدينة .والدتي وردة رغم شعورها بالوحدة هنا فأنها تفضل الشلال على أسوان ، وتبغض بلدة اسنا الواقعة على بعد ستين ميلا شمالا حيث تعيش عمتي و عائلتها بعد طردهم من السودان .والدتي كإفريقية قحة تكره الأماكن المزدحمة ولكن والدي يحب المدن .
من مدينة الشلال يمكنك أن ترى و تستوعب السياسة الإنجليزية تجاه وجود المصريين بالسودان .منها تجنيد الإدارة البريطانية كتائب العاملين المصريين للعمل الإلزامي في السودان بمقابل شلنا واحد للعمل عشر ساعات في اليوم ، في خطوط السكة حديد ومشروع الجزيرة .كان شغف المصريين بالتنظير السياسي أعطى الإنجليز سببا لفصل السودان عن مصر خلال ثورة 1919م المصرية. الإبعادات الأولى للمصريين من السودان خلال عامي 1917 و 1925 لم تلفت نظر المراقبين اعتقادا منهم أنها عمالة زائدة .لكنه كان ضمن خطة سرية لإبعاد المصريين و إحلال السودانيين . ازدادت وتيرة الإبعادات بعد اغتيال سردار الجيش الإنجليزي بواسطة أحد هؤلاء المبعدين ، فقد ابعد الجيش المصري بأكمله مع مجموعة الموظفين المصريين بالرغم أن السودان يحكم على حساب دافع الضرائب المصري .ففي الفترة بين عامي 1882م و1926 أنفقت مصر اكثر من اثنين وخمسون مليون جنيه على السودان البريطاني .



**

توفي شقيقي الأكبر في عيد الكريسماس في عام 1919م بسبب لدغة ثعبان ، كانت وفاته مأساة وفاجعة للأسرة .مكثت أمي بعد ولادتي خمسة سنين دون أن تنجب ، وهذا ما جعل الأسرة شديدة القلق علي خاصة إذا مرضت أو تأخرت عودتي إلى البيت . كنت اذهب للجبال وازور أصدقائي من الأطفال وعائلاتهم في الكهوف .وقد لاحظ والدي منذ صغري عزيمتي التي لا تفتر ووفائي وحبي لأصدقائي .كنت أمكث معهم طوال اليوم ،حتى يأتي أحد الوالدين لأخذي إلى البيت .من هواياتي الأخرى اصطياد الحشرات ! وقد كاد أن يغمى على والدتي عندما دخلت عليهم يوما وأنا احمل عقربا سامة في يدي . في عامي السادس حبلت أمي وعمَ الخبر المفرح أنحاء الشلال .رغبت أمي أن يكون الوضع في المنزل الكبير بود مدني (منزل مكوجي 1884م ) حيث ولدنا أنا وهي ،وكانت الجدة ايرين ترغب أن يكون الوضع في إسنا ولكن أمي وردة رفضت بشدة لكراهيتها لاسنا ، ولكنها تحججت بأنها لم تر والدتها منذ خمسة سنوات . تطور الجدال بين أمي وجدتي حتى تدخل أبي وصفع أمي التي ما إن بدأت في الصراخ والعويل ،حتى امتلأ المنزل بالشلاليين من الرجال والنساء .عمّ خبر الخلاف كل الشلال وتدخل الأجاويد وعلى رأسهم دهب الشلالي الذي يحفظ القرآن ويعرف أجزاء من الإنجيل . ولتأثير دهب على الآخرين فقد رجح الأجاويد كفة وردة في أن تذهب وتضع مولودها في ودمدني .وبعد شهر من مجلس الأجاويد قمنا أنا و أمي برحلة العودة إلى ود مدني بصحبة الخال جاد الرب الذي جاء خصيصا ليصطحبنا . بعد ثلاثة شهور وضعت وردة أخي رمسيس الذي عمد في اليوم السابع بواسطة القس هورن – الذي نقل ليعمل بالإرسالية بود مدني _.بعد عدة شهور جاءنا أيوب في إجازته ومعه أخبار سارة ، وهي نقله إلى عطبرة وزيادة راتبه عشر شلنات أخرى . في ذلك الوقت (عام1926 م) كان راتبه خمسة جنيهات يدفع منها سبعة شلنات للإيجار ( يشمل الماء وتفريغ المراحيض ) فاتورة الكهرباء تكلف شلنين وخمسة شلنات تخصم للمعاش وكذلك يرسل منها خمسة عشر شلنا لوالدته في إسنا .
باع أيوب بعض متاعنا في الشلال وشحن الباقي إلى عطبرة وقام بإكمال التأثيث من ورشة السكة حديد بأقساط شهرية .
بعد اكتمال التأثيث أرسل لنا لنلتحق به في (السرايا ) كما أطلق على بيته الحكومي الصغير الأنيق في عطبرة . قد عمَ الأسرة جوٌ من السرور والتفاؤل ، في هذا الجو قرر أيوب أن يختن أنجاله في احتفال بهيج قدم فيه الأكل والمشروبات بأنواعها ( وقد برع أيوب في صناعة خمرته بنفسه ) .
أول من ابتكر ختان الذكور هم الفراعنة القدماء قبل عهد سيدنا موسى ولذلك على كل الأقباط ختان أنجالهم ولا يسمح بالزواج من نساء الأقباط لغير المختونين ولا زالت هذه العادة تمارس في المجتمع القبطي .


**

في عطبرة أرسلت إلى مدرسة الراهبات الكاثوليكية الرومانية التي تبعد مسيرة عشرة دقائق من منزلنا وقد كانت من أسعد أيام حياتي حيث الزهور والأشجار الوارفة وتماثيل السيدة مريم العذراء والقديسين وصليبا كبيرا عليه مجسم المسيح مصلوبا . كنت لا أفتر من السؤال في ذلك الزمن للراهبة الشابة التي كانت مسؤولة عن صفنا ، مثل :
- يا حرام لماذا صلب السيد المسيح ؟ عندما شكني دبوس صغير فإنني بكيت من الألم فكيف تحمل السيد المسيح هذا المسمار الكبير ؟

- الناس الأشرار يستطيعون عمل كثيرٍ من الشر والله سوف يغضب عليهم ويرسلهم إلى جهنم .

-هؤلاء الأشرار سوف يحرقون بالنار . لقد شويت جرادة حية ثم آكلتها فهل يأكل
الرب هؤلاء الأشرار .؟

وبعد تردد ،ردت :

-لا .. فإن الرب لا يأكل شيئا ، لأنه لا يحتاج للطعام مثل المخلوقات الأخرى . والآن كفي كلاما و اكمل رسمك.

وفي مرات أخرى تكون الأسئلة مثل :
-لماذا لا يملك أخي رمسيس أجنحة كالملائكة ووالدتي تناديه ب يا ملاكي العزيز .
أو مثل :
-لماذا ليس لديك أطفال مثل أمي أو مثل السيدة العذراء .
وكنت أقول لها دائما :
-أنت جميلة وتفوح منك رائحة حلوة دعيني أشم رائحتك.
ثم اقفز و أتعلق برقبتها وأنا أدس انفي في أجزاء جسمها
كنت دائما العب مع البنات بل واقبلهم كما يقبل أبي أمي .وكانت من أمتع الأيام يوم زيارة حديقة الحيوان في حوش الأب تومازينو فقد كانت تحتوي على أنواع من القردة وتمساحين صغيرين وغزلان وأنواع من لأسماك و الحمام والطيور الأخرى . لقد عُلِّمنا منذ صغرنا حب الحيوانات وأنها تشعر بالألم كما نشعر نحن . كما تعلمنا مبادئ العزف على البيانو والأرغن إضافة للتراتيل الكنسية . أحضر والدي يوما جروا سماه جون ووكر ويسكي فلقد كان شغلي الشاغل ، كنت أنظفه وأطعمه بل وأقبله في فمه في غفلة من الأهل .

منتصر
07-09-2009, 03:28 PM
(6)

الامتحانات والتماسيح – 1930م


بعد عامين في مدرسة الراهبات . و كان عمري حينئذ تسع سنوات (1927م) ، نقلت إلى
مدرسة الأقباط الأولية لأقضي بها ثلاثة سنوات ،ثم أجلس بعدها امتحان الشهادة الابتدائية بالخرطوم ،فإذا نجحت فالوالد مخطط أن يرسلني إلى مصر للالتحاق بالمدارس الثانوية – التي لا توجد في السودان في ذلك الوقت – وبعدها لجامعة فؤاد الأول لدراسة الطب . ولكن كان رأي والدتي أن أدرس في كلية غردون التذكارية ( مدرسة ثانوية ذات مستوى ممتاز) .
قبل ثلاثة أيام من الامتحانات حجز لنا بالقطار المتوجه إلى الخرطوم عربة من الدرجة الرابعة بصحبة أحد المدرسين .حيث نزلنا بفندق رويال الواقع على تقاطع شارع فكتوريا (القصر الآن) وشارع كتشنر (الجمهورية الآن) .بالرغم أن الكثيرين منا لهم أقرباء في الخرطوم ولكنا نزلنا كلنا في ذلك الفندق حتى نتمكن من المراجعة الجماعية بإشراف نجيب أفندي الأستاذ المرافق . كان على كل طالب أن يمتحن في جلسة تمتد ساعتين في سبعة مواد هي الإنشاء العربية، الأدب العربي، الإملاء ، القواعد والنحو ، التعبير الإنجليزي ،الترجمة ، الرياضيات ، المعلومات العامة والرسم .إضافة إلى امتحانين شفهيين.يقتضي النظام أن ينجح التلميذ في جميع المواد من أوَل مرة .
الخرطوم في ذلك الوقت كانت عبارة عن حديقة جميلة . خططها اللورد غردون في شكل العلم البريطاني . الشوارع نظيفة ومتسعة -يبلغ عرضها خمسون مترا أحيانا"- تصطف على جانبيها الأشجار الوارفة . شارع فكتوريا أجملها على الإطلاق ، يبدأ من قصر الحاكم العام ( القصر الجمهوري الآن) حيث التمثال البرونزي لغردون راكبا جملا وهو يشير ناحية الجنوب .تحف حول التمثال حديقة غناء ( وهو ما يعرف الآن بحديقة الشهداء).يمتد هذا الشارع إلى محطة السكة حديد.كانت هناك ثلاثة مباني فقط جنوب مدارس كمبوني ،أولها معمل استاك الطبي والثاني مدرسة كتشنر الطبية والثالث مستشفى الخرطوم الملكي .المبنيين الأولين بنيا على نفقة المحسن العراقي أحمد بيه هاشم البغدادي ،أما المستشفى فقد بنيت على نفقة الحكومة المصرية .كل المدينة جميلة وبهية وخضراء مثل الحي السكني الإنجليزي بعطبرة ( حي السودنة الآن ) .
أخذنا مدرسنا لنرى ملتقى النيلين الأزرق والأبيض كما قمنا بزيارة قبة المهدي وبيت الخليفة بأم درمان مستقلين الترام مقابل قرشٍ لكل راكب .سرنا في شوارع أم درمان إلى سوقها وهي كذلك مدينة نظيفة ولكن عدد أشجارها أقلَ من الخرطوم و عطبرة .
بعد شهر من نهاية الامتحان وصلت النتائج من القاهرة .قد حزت على الدرجة العليا في كل المواد ما عدا قواعد اللغة العربية التي رسبت فيها بمقدار درجتين، مما يتوجب على أن اجلس لامتحان ملحق في جميع المواد. مرة ثانية أعدنا رحلتنا إلى الخرطوم ومعي اثني عشر تلميذا ولكن روحنا المعنوية لم تكن مثل ما كانت في الرحلة الأولى .بعد شهر وصلت النتيجة وكنت أيضا من الخائبين .
لم استطع تحمل الصدمة خاصة بعدما علمت انه لا سبيل لمواصلة دراستي غير أن أعيد السنة الدراسية .رغم محاولة والدي والمدرسين التخفيف عني ولكن عقلي لم يستطيع أن يستوعب إعادة عام بأكمله بسبب مادة سخيفة مثل قواعد اللغة العربية .
من ضمن أصدقائي في المدرسة والذين يتوجب عليهم إعادة العام الدراسي عزيز ومجيد ووهيب ، لقد قررت مع أصدقائي الخائبين أن نواصل التدرب على السباحة على النيل مدفوعين لتخفيف هذا الإحباط،. اخترنا منطقة المقرن مكان التقاء نهر عطبرة مع النيل الرئيسي ،حيث التيار القوي وخاصة في شهر أغسطس ذروة موسم الفيضان.
في أحد الأيام و أثناء انهماكنا في السباحة ، إذ بأصوات من إحدى المراكب تصرخ فينا وتدعونا أن نحترس من التمساح . التفت ورائي ورأيت التمساح عيانا بيانا .تركت نفسي تندفع شمالا مع التيار القوي وسبحت بكل ما أملك وما لا أملك من قوى حتى وجدت نفسي قرب الشاطئ حيث لمحت شجرة ،لا أدري من أين جاءتني كل هذه القوة لأقفز وأتعلَق في إحدى فروعها .
لقد وصلت اليابسة وأنا غير مصدق..! هل أنا حي ؟ أم ميت ؟ أو إني أحلم ؟ على اليابسة أفرغت جوفي من الماء وأنا في غاية الإعياء . رقدت على الرمل لمدة ساعة ثم بدأت المشي عاريا" نحو المدينة . تلفت حولي وعلمت أنني على بعد أربعة أو خمسة كيلومترات شمال عطبرة بالقرب من جنينة كركور .فجاءة جال بخاطري مصير أصدقائي يا ترى ماذا فعل بهم التمساح ؟ بعد مسيرة ميلين انشقت الأرض عن إبراهيم الكناري بائع اللبن .تشهد إبراهيم وتحوقل عندما رآني ورأي حالتي ا .شعرت بالخجل من عريِ بعد أن رأيت إبراهيم ،فهو أول إنسان أقابله . قذف لي إبراهيم بثوب كلون الأرض قائلا : ( استر نفسك يا حلبي يا شيطان واركب خلفي ).في الطريق حكيت لإبراهيم حكايتي طالبا منه حمايتي من غضب الوالد .قال إبراهيم غاضبا: (يالك من حلبي إبليس ،هل تعتقد أن أيوب يصرف عليك كل هذه السنين ثم تذهب وتعرض نفسك للخطر قبل أن ترد دَينَك لن أحميك منه وإذا لم يضربك ، سوف أضربك بنفسي ).
لقد وصلت أخبار مغامراتنا لعائلاتنا والشرطة . عندما دخلت البيت بصحبة إبراهيم ،وجدناه مليئا بالنساء -لأن الرجال والصبيان لقد ذهبوا للمقرن – موقع الحدث . دخلت بيتنا وأنا غير مصدق . عندما رأتني مجموعة النسوة انفجرن بزغاريد الفرح ، ولكن يبدو أن لأمي أسلوبا" آخر للتعبير عن فرحتها ! تقدمت نحوي وهي تنظر إليَ خلف غيمة من الدموع ولهول المفاجأة صفعتني على خدي الأيمن ثم أردفت على الخد الأيسر ثم على الخد الأيمن مرة أخرى حتى تمكنت النسوة من الإمساك بها .
بعد ساعتين من وصولنا عاد والدي من البيت مصحوبا بعسكري من الشرطة ، إلى مركز الشرطة للتحري. استأذن أبي من العسكري وأخذني من يدي إلى أحد الغرف .وهناك انهال عليَ ضربا بالسوط ولم ينقذني منه إلا إبراهيم الكناري حين اقتحم الغرفة واقتلع أبي من هناك اقتلاعا".
في طريقنا إلى مركز الشرطة علمنا أن التمساح قد قتل بواسطة أحد العساكر المتخصصين وإنه معروض الآن بالمركز.
لم أتحمل سيل الضرب وكثرة الزم واللوم ،وجريت صوب النيل مهددا برمي نفسي فيه وجرى خلفي رهط من الرجال والصبيان وحالوا بيني وبين النيل . أخذني إبراهيم الكناري و طيَب خاطري .. ودلَك جسمي وضمَخني بزيت السمسم لترتاح أعصابي ويخف توتري وتترطب آثار الضرب على جسدي .
في مساء نفس اليوم شعرت وردة الحبلى في شهرها السابع بآلام مبرحة .استدعيت القابلة التي شخصت الحالة بحالة ولادة مبكرة .-ي قابلة قانونية أخذت دورة تدريبية بمدرسة القابلات بأم درمان عام 1921م -.قبل منتصف الليل كانت لنا أخت تسمى خالدة تيمنا بجدتها .

منتصر
07-09-2009, 03:29 PM
(7)


عطبرة وعشش فلاتة في الثلاثينات



حتى عام 1897م لم تكن هناك مدينة تسمى عطبرة . كانت هناك أكواخ كئيبة يسكنها نحو مائة نسمة ، تسمى الداخلة . بنهاية شهر يونيو 1898م انبثقت من هذا المكان أهميته ،أولا كمستودع صغير ثم إلى قلعة ثم إلى معسكر حصين ليقف في طريق الثورة المهدية .
في أيامنا تلك كان خط السكة حديد من المحطة الى شمال المدينة ثم من المحطة حتى الجسر على نهر عطبرة المفضي إلى الدامر ،هذا الخط يقسم مدينة عطبرة إلى قسمين :عطبرة البلد شرق الخط وعطبرة سكة حديد غرب الخط. كل الورش ومكاتب الرئاسة والمنازل بما فيها المنطقة السكنية للإنجليز ، كلها تقع غرب الخط وتمتد حتى منطقة المقرن .تمتد أكواخ المهاجرين من غرب إفريقيا على طول ضفتي نهر عطبرةإلى الجنوب الغربي والشرقي للمدينة وهو ما يعرف بعشش فلاتة وهي تحتل منطقة زراعية خصبة بفعل الطمي الذي يحمله نهر عطبرة في موسم الفيضان . بلغ تعدادهم في العشرينات والثلاثينات حوالي عشرة آلاف نسمة ، يسكنون أكواخا قبيحة في بؤرة أمراض من كل شاكلة ولون .هم أصحاب مهارات متدنية وظهور قوية وتجدهم ميالون لتعلم اللغة العربية كما يتميزون بحماسهم الديني وهو ما يجعلهم يشعرون كأنهم من أهل البلد .تزاوج بعضهم مع أهل المدينة وامتلأت بهم المدارس وورش تدريب السكة حديد .صار الناجحون منهم يخرجون من العشش للعيش في أجزاء أخرى من المدينة .


**
إنه لمنتهى السخف أن تعيد كل الامتحانات وتحرز نفس النتيجة . زاد التقارب بيني وبين أصدقائي الثلاثة ووحدت بيننا المحن والمصائب .صرنا لا نفترق وتجدنا نهيم على وجهنا في المدينة في جميع الاتجاهات .فجاءة خطر لي خاطر :
- تعالوا نذهب للعشش .
ورد وهيب ساخرا" :
- العشش !! ماذا نفعل مع هؤلاء العميان المجزومين.؟
وقال عزيز :
- دعنا نذهب لنصطاد دجاج الوادي.
راقت لنا الفكرة ، من لحظتها ذهبنا حيث ترمى قصاصات الحديد والنحاس الناتجة من ورش السكة حديد، لنجمع المواد اللازمة لصنع شراكنا .سلكنا طريقنا على طول نهر عطبرة في اتجاه الجنوب الشرقي .
تنقسم العشش الى احياء طبقا للانتماء العرقي:- فهناك حي الفلاتة وحي الشلك وحي الدينكا وحي الكنغوليين . على بعد ميل نصبنا شراكنا ،وجلسنا ننتظر تحت شجرة دوم .مكثنا حوالي ساعتين دون أن نصطاد شيئا" ، فقررنا ترك الشراك منصوبة والحضور غدا" صباحا قبل موعد المدرسة لتفقدها .في صباح اليوم التالي وجدنا كل شرك قد قبض دجاجة في أوضاع مختلفة ، منها ما قبض من الجناح وآخر من الرجل وثالث من الرقبة وهذه الثالثة قام وهيب بقطع رأسها حتى تكون لحما حلالا كما قال .أخذت معي أربعة إلى منزلنا وصادفت أن كانت كلها إناث ،وضعتها مع الدجاج المنزلي ولكن ديكنا الجميل رفضهم رفضا باتا ، مما اضطرني أن أضعها في قفص منفصل . لقد كنت محظوظا أن اصطاد ديكا في مرة أخرى لأضعه معها . في أحد المرات ذهبنا للعشش بعد زيارة الحاكم العام للمدرسة ، كانت زيارة ممتعة و قصيرة وأمتع ما فيها إننا أخذنا نصف يوم إجازة لنذهب خلف دجاج الوادي . ازدادت مشاوير الصيد متعة عندما علمنا أن الصيد ممنوع على امتداد نهر عطبرة .
في ذات يوم ونحن نستظل تحت إحدى الرواكيب (مظلة من الحطب والقش ) ، طلب منا بعض الرجال أن نعلمهم اللغة العربية و مبادئ الحساب .قمت من جانبي بتسجيل عشرة أشخاص من الراغبين ، لأقوم بتعليمهم..قاموا بإحضار كتبهم وعمل سبورة وإحضار طباشير من ورش السكة حديد . كان البعض منهم يدفع نصف مليما مقابل الدرس والبعض لا يدفع شيئا . وبما أن كثير من سكان العشش من المسلمين المتحمسين الجهلة ، فقد حاول البعض منهم الفتك بي ، ولكني نجوت بواسطة المعتدلين منهم . قال أحدهم :
- هذا النصراني يجب أن يقتل ليكون حطبا لجهنم .
وقال آخر وهو يضربني :
- يجب أن نعتقله ونسلمه للشرطة حتى لا يعود إلى هنا مرة أخرى .
وهنا تدخل مسلم معتدل قائلا :
- إنكم غير مسلمين !ألا تعلمون أن هذا ضد السلام ، الذي يدعو له الإسلام .ألا تعلمون إنه ضيفنا ؟
ثم نادى عليَ :
- تعال هنا أيها النصراني أنت في حمايتي.
من يومها لم يتحرش بي أحد في العشش ، ولم أوقف زيارتي لها .ولكني أقول حقا : إنني كنت دائما مندفعا في بناء العلاقات بكل صدق وثقة في هذه الفترة المبكرة من حياتي ، وفي الأيام القادمات .وكنت أهتم بكل ما حولي من مجتمعات .توثقت علاقتي بأهل العشش ،حتى صرت أدعى إلى مناسباتهم وأشارك في حفلات الرقص التي يقيمونها في هذه المناسبات.
**
زياراتي للكنيسة في أيام الآحاد ليس تدينا ،بل لأنه قد طلب مني ذلك ، تماما مثلما يطلب من الطفل المسلم أداء الصلاة .فقد كنت غير مكترث هل أنا مؤمن حقيقي أم لا . ولكني أجاري الأطفال الآخرين..أصدقائي من العشش كانوا ملحاحين في أن أعتنق الإسلام ، وبما إني كنت أخشى بعضهم فقد صرت مسلما لأسعدهم . كل مسلم يعتقد أن من مهامه أن يدعو من هو مثلي (من الكفار) إلى الإسلام .فرح الفلاتة بإسلامي ومن ثم سمحوا لي مشاركتهم الطعام من طبق واحد ورفع بعضهم أجرتي إلى مليم كامل .- تخيل الهناء الذي أنا فيه بعد أن أتحصل بعد الدرس على ما مجموعه نصف شلن _. الفلاتة معروفون بميلهم للتوفير لعدة أسباب :بعضهم لأداء فريضة الحج ،آخرين للهجرة إلى مصر ، وبعضهم للذهاب إلى فلسطين لزيارة بيت المقدس . إن الإسلام واللغة العربية عوامل موحدة ، وقد أسهما في صهر كثير من الأجناس في بوتقة واحدة . الكنغوليين والقبائل الجنوبية بالرغم من أنهم غير مسلمين، فإنهم يجارون الآخرين في استيعاب الثقافة السودانية الإسلامية .

منتصر
07-09-2009, 03:30 PM
السير جون مافي (1926-1934م)
زيارة الحاكم العام
قبل أعياد الكريسماس من كل عام ،يقوم مفتش المركز بزيارة المدرسة .كنا نقوم بالاستعداد لهذه الزيارة قبل شهر من ميقاتها ، نجهز اللبس الموحد وهو عبارة عن قمصان ،أردية قصيرة وأحذية مع الجوارب . كلها بيضاء اللون .إضافة لتقصير الشعر والأظافر وتغيير الكراسات الممزقة والمبقعة بالحبر .والتمرن على أداء النشيد الملكي ( ربنا يحفظ جلالة الملكة) .
هذه المرة سيقوم بالزيارة سيرجون مافي بجلالة قدره . كنا نظن أن مهرجان استقبال هذا الأسطورة سيقلب المدينة رأسا على عقب .ولكن لدهشتنا ونحن وفي حجرات الدرس لمحناه يترجل من حصانه أمام بوابة المدرسة. كان في استقباله المدير وضابط المدرسة و أربعة من المدرسين .قام الحاكم بزيارة كل الصفوف ، وعند دخوله فصلنا حيَا المدرس مصافحا ، فقمنا له بالتحية .سار بين الصفوف متفقدا ، وتوقف فجاءة قربي طالبا مني أن أفتح درجي _الذي كان على غير العادة مرتبا ونظيفا خصيصا لهذه المناسبة -، نظر داخل الدرج وقال لي بإنجليزية مبسطة مع بعض الكلمات العربية :
- هل دائما تحتفظ بدرجك في حالة جيدة ؟ وهل تحتفظ دائما ببيض الدجاج الخلوي وصغار القنافذ في درجك ؟
وكادت أن تخونني شجاعتي وتصبب العرق من جسمي ولكني تمالكت نفسي وقلت :
- لا ‍سعادتك ، لا احتفظ به نظيفا ولكن هذه المرة خصيصا لزيارتك.
فضحك الحاكم بصوت عالي وضحك لضحكه الآخرين .
- هذه إجابة أمينة ، ولكن ماذا تفعل بهذه القنافذ الصغيرة ؟
- لقد وجدتها اليوم.
- هل سوف تعتني بها ؟
- إن شاء الله.
- والآن أخبرني ، هل تحب مدرستك ؟
- كنت أحبها ، ولكني رسبت في قواعد اللغة العربية مرتين بالرغم من تفوقي في باقي المواد.

منتصر
07-09-2009, 03:35 PM
(8)



أفكار عن الرب والمستقبل


هذا العام (1930م) يمضي بطيئا" . لكي نشغل وقتنا صرنا نجول جميع أنحاء المدينة وندخل في مشاجرات دامية مع أولاد الأحياء الأخرى .هذه الفترة هي بداية عهدنا بمعرفة البنات - سوف آتي على هذا لاحقا – .صرنا نبدي افتخارنا بمعرفتنا جميع الأماكن وإحاطتنا بجميع الحوادث في مدينتنا .نطوف بالحي السكني الإنجليزي ونأكل فتات لحم الخنزير المحرم لندلل على تمردنا . نعرف أشجار الغابة المحمية شجرة .. شجرة .استكشفنا الصحراء المحيطة بالمدينة .صار يطلق على عصابتنا اسم الخنازير ولكنا كنا نوقر ونحترم الكبار ، وإذا جلدنا – وهذا ما يحدث كثيرا – كنا (نأكل الجلد كالرجال) . كان لا يفوتنا العرض الموسيقي كل جمعة على ملعب كرة القدم ،الذي تقوم به فرقة موسيقى الشرطة بقيادة ضابط إنجليزي ،وتشارك كذلك فرقة القرب الاسكتلندية التي تؤدي بعض الرقصات ، هي ذات الفرقة التي تعزف في ميدان المولد شرق المدينة في موسم احتفالات المولد النبوي .
بدأنا نسمع ببعض الأطروحات التي تنادي بذهاب الإنجليز ، وتصفهم بأنهم غزاة ومستعمرين ، وكنا لا نستوعب هذا .إنهم لم يسلبونا شيئا ،لقد زرعوا الأشجار في المدن المختلفة وابتنوا المنازل لأنفسهم ولنا نحن المواطنين ، فالمنزل الذي نسكنه الآن كان في السابق لموظف إنجليزي .كثيرا من المنازل التي كان يسكنها الإنجليز تحولت إلى الموظفين السودانيين والمصريين .والأهم إن الناس آمنين على حياتهم وممتلكاتهم في كل الأوقات .حوادث السرقة قليلة ومتباعدة وتتعامل معها السلطات بصرامة من خلال جهاز شرطة منضبط . القطارات دائما نظيفة وفعالة ، ليس هناك نقص في أي سلعة أو خدمة ، وعن الخدمات الصحية حدث ولا حرج ، مفتش الصحة الإنجليزي يتفقد المرافق العامة والخاصة بذات نفسه ، المستشفيات نظيفة ، ليس هناك قاذورات ملقاة على الشوارع والكل يعرف واجبه ويعمل .


**


كان لا بد مما ليس منه بد :لقد جلسنا للامتحان وكان الفشل من نصيبنا نحن جماعة عصابة الخنازير .ولم يكن أمامي غير أن أعيد العام الدراسي للمرة الثالثة مع وعد من الوالد أن تكون هذه آخر مرة ، وإذا فشلت فسوف ألحق بمدرسة الهندسة التابعة للسكة حديد .
لقد صليت كثيرا قبل الامتحان وأثناءه طالبا من الرب التيسير لنيل الشهادة الابتدائية . كنت موقنا أن الرب يسمعني لأني كنت أصلي في هدأت الليل و سكون الفجر ، ولكن الرب رفض أن يمد لي يد المساعدة للمرة الثالثة .كانت فكرتي عن الربوبية غامضة ، وازدادت غموضا بعد الامتحانات . فقد اعتراني خوف ووسواس قاهر من الرب والشيطان .صرت أخاف المكوث وحدي نهارا وأعيش في إعصار من الكوابيس ليلا.
في إحدى المرات وفي حصة الديانة تفوهت بكلام غير لائق في حق الرب ، أمام مدرسنا نجيب أفندي .الذي زجرني قائلا :
- إن الرب سوف يعاقبك أشد العقاب،لتفوهك بمثل هذا الكلام.
- نعم يا أستاذ ، أعلم أن الرب يفلح في العقاب فقط .
حبس تلاميذ الفصل أنفاسهم لجرأتي ، وكان صوت الجرس معلنا نهاية الحصة بمثابة نجدة ، ولكن إلى حين.
بقولي ذلك فقد كنت أردد كالببغاء ما سمعته من العم فانوس في نكاته عن الرب التي يغيظ بها المتدينين .
سرت أقوالي في أنحاء المدرسة ليسمع بها المدرسون وتلاميذ الصفوف الأخرى .في صباح اليوم التالي تم جلدي أمام زملائي في الطابور الصباحي .
بعد عدة أيام وكنت بصحبة والدي والعم فانوس .قابلنا نجيب أفندي في سوق المدينة .أعاد نجيب أفندي على والدي خترفاتي ، فما كان من المعلم انطنيوس صاحب البقالة أن قال :
- هذا إبليس !! هذا هو الشيطان بعينه !! ولكن الذنب عليك أنت يا فانوس بإفساد هذا العفريت.
فقال أبي مدافعا" :
- الذنب ذنب القاهرة .
فقال العم فانوس كأنه يؤكد على كلام الوالد :
- معك حق . الذنب دائما" ذنب القاهرة .
قال ذلك بطريقة توحي بمعنى سياسي لم أعيه يومها . ثم أردف :
- حتى في مصر مستوى التعليم ، بل مستوى كل شيء في الحضيض.
أحيانا أشعر بفرح داخلي عندما يدعونني إبليسا ،ولكنني أوقفت ترديد مثل هذا الكلام حتى لا أزعج الكبار .
بدأت اقضي بعض الوقت في العمل بحديقة المنزل ،زرعت بعض النباتات وكنت أجلب لها الماء من ماسورة الشارع .ولكن كلما يبدأ زرعي في النمو تأتي إحدى بنات الماعز وتعيث فيه فسادا".فما كان مني إلا أن دعوت عزيزا" ووهيبا و مجيدا لمساعدتي على ذبح هذه المعزة ،وقد قمنا بمهمتنا كما يقوم بها أي جزار شاطر.تقاسمنا اللحم بالتساوي وأكلنا المرارة وأم فتفت وكان أسعد يوم في حياة كلبنا جون ووكر .
بعد الظهر افتضح أمرنا وهدد عثمان محمد سعيد صاحب العنزة بتبليغ السلطات ، ولكن تدخل الأجاويد وعلى رأسهم إبراهيم الكناري بائع اللبن وجارنا علي .وعندما طلب عثمان عشرة شلنات تعويضا ، زجره إبراهيم الكناري قائلا :
- إنك لست بجعلي حقيقي ، كيف تطلب تعويضا !!؟ هذه فعلة تكارين !! إذا كنت تود تعويضا" فأذهب لسيدك حكمدار الشرطة ليحكم لك بذلك .
كانت مصيبة عثمان أن يوصف بأنه تكروني أكبر بأضعاف من مصيبته في عنزه .
اعتذر الوالد لعثمان طالبا منه أن يأخذ اللحم ، ولكن هنا ظهر إشكال شرعي لعدم التأكد من أن الذبح تم على الطريقة الإسلامية . وبينما هم في جدالهم هذا فإذا بمجموعة من المتسولين التكارين تحيط بهم من كل جانب .فما كان من عثمان إلا أن دفع لهم اللحم وغادر المكان خاسرا" كل شيء ، المعزة ،العشرة شلنات واللحم في سبيل أن يبرهن أنه ليس بتكروني وأنه جعليُ صميم .
وهذه الحادثة جلبت لي عدوا" جديدا" ابن عثمان الذي كمن لي في الغابة وكانت معركة مشهودة .


**

منتصر
07-09-2009, 03:37 PM
(10)



صوص يبدأ رحلاته



بينما نحن جلوس لوجبة الغذاء ، أعلني أبي :
- أسمع يا ولدي ، بعد يومين سوف يسافر عمك ديمتري مع عائلته في إجازته السنوية إلى مصر ، ويرغب في أن تنضم إليهم ، و سوف يقيمون في الأقصر وأنت ستقضي شهرا مع جدتك وعمتك في إسنا .
لن أستطيع أن أصف لكم فرحتي بهذا الخبر فمنذ مدة لم أسمع أخبارا سارة .
جهزت أمي وردة زادا يكفي ثلاثة أشخاص لأيام الرحلة الأربعة.و في المحطة كانت وصية أمي الوحيدة لي :
- لا تلتحق بأي مدرسة هناك .
ثم قالت محذرة للعم ديمتري :
- ابني أمانة في عنقك ،( يرجع معاك الحجل بالرجل) ، أيوب يفكر أن يلحقه بإحدى المدارس هناك وإذا حدث هذا فسوف أشكوكم لدى المفتش الإنجليزي وأذهب لأعيش مع عائلتي في ود مدني
ثم التفتت لعائدة زوجة ديمتري قائلة :
- عائدة ، إنك أمٌ وتقدرين مشاعري فأنت مسؤولة عن إرجاع ابني لي سالما .
ولم تهدأ وردة إلا بعد أخذ تطمينات غليظة من الزوجين .

عندما تحرك القطار ( هنا يسمى الإكسبريس المصري ) تجاذبني شعوران مختلفان : شعور بفرح حقيقي بالسفر وشعور بحزن دفين بمفارقة منزلنا وأهله لأول مرة.
بعد أربعة أيام وصلنا إسنا . استغرقت الرحلة من عطبرة إلى وادي حلفا ما يقرب من اليومين .من هناك أخذنا باخرة نيلية إلى الشلال ومنها بالقطار ( وهنا يسمى اكسبريس السودان) إلى اسنا .
لم أزر اسنا من قبل لذلك شعرت ببعض الغربة ، بالرغم من حفاوة استقبال الأقارب بالمحطة ،وإمطاري بوابل من القبلات .وشملوني برعايتهم ومشاعرهم الصادقة .
أخذنا من المحطة عربة كارو يجرها حصانان .عبرنا مع عربتنا على إحدى العبارات إلى الضفة الأخرى حيث مدينة اسنا . الطريق مظلم ( ليست هناك كهرباء) ومليء بالحيوانات من كل صنف ونوع .في الظلام يجد السائق في سيره ويده لا تفتر من جلد الحصانين بسوط طوله ثلاثة أمتار
قلت للسائق : .
- لا تضرب هذا الحيوان المسكين ، إننا لا نفعل ذلك في السودان .
- إنه ممنوع هنا أيضا ولكن حيواناتنا لا تعمل إلاَ بالضرب .


في ذلك الزمن ( الثلاثينات ) كانت إسنا أكبر من عطبرة بعشرة أضعاف ،ولكنها وكمعظم البلاد المصرية لا يمكن مقارنتها بالسودان بأي حال من الأحوال . أول ما لفت نظري الروائح النتنة والقاذورات حيثما ذهبت . معظم المنازل من غير مراحيض ويقضون حاجتهم في قارعة الطريق متسترين بالليل والظلام . الذباب في كل أنحاء العالم يرتاح ليلا إلاَ في إسنا فإنه ينشط ليلا ونهارا * أعمدة الغبار معلقة بين السماء والأرض في كل الأوقات كأن ذرات التراب ، مهاجرة إلى السماء احتجاجا على قاذورات الأرض . الأسِرَة مملوءة بالبق وبسببه يكون النوم مستحيلا ليلا ،ونهارا بسبب الإزعاج ( وقد اشترت لي الجدة ايرين فراشا جديدا وكان يوضع تحت أشعة الشمس دوما )
كل حياتي في عطبرة لم أسمع ألا بحادثتي قتل جنائي ، أمَا هنا فواحدة كل شهر،ومعظمها من أجل الشرف أو الثأر . لقد أضحكني تعليق عمتي عندما قالت : (لماذا يقتلون ويورطون أنفسهم أمام القانون ؟! من الأفضل لهم أن يأخذونهم إلى مستشفى إسنا ، حيث الموت المؤكد دون مساءلة قانونية.) ملاحظة عمتي هذه نتاج تجارب مريرة مع هذا المستشفى . منذ إبعادهم من السودان (عام 1920) ، طيلة هذه المدة يعاني زوج عمتي انطون أفندي متَى .الذي كان لا يفتأ يعاود هذا المستشفى ليعالج جرحا ،ناتجا من طلق ناري من أحد الجنود الإنجليز بالسودان .
ذهبت عدَة مرات مع العم انطون إلى المستشفى راكبا خلفه على ظهر حمار . يمكنك أن تدل المستشفى بكل سهولة من الرائحة النتنة والصراخ والعويل.بعد الوصول تلاحظ بقايا الطعام التي جعل منها الذباب مرتعا له. الأسرة ملوثة بالدماء والبول .لقد رأيت فأرا ميتا لم يتطوع أحد لأخذ رمته بعيدا ، ورأيت أنواعا من الجروح المتقيحة لم أر مثلها في السودان . بالرغم من أن هناك أكثر من خمسة وفيات يوميا فالناس ما زالوا يراجعونها طلبا لخدماتها كأنهم يتعجلون رحيلهم .
الطبيب يبدو حزينا لعجزه في ظل النقص المريع في المعدات الطبية ، حيث لا مختبر ولا أجهزة أشعة .تأخر صرف الأجور لمنسوبي المستشفى جعل الكثير منهم يلجأ إلى الرشوة وفرض الإتاوات على المرضى وذويهم . ولقد سمعت من العم أنطوني أن بعض الجثث التي لا تطلب تباع لكبار المزارعين لدفنها في مزارعهم لتخصيب التربة . جاهد العم أنطوني في المستشفى حتى يجد غيارا لجرحه ، وقد سمعته يقول في يأس : ( الموت أرحم من هذه المهازل ) وقد توفى بعد عام من ذلك وقد حزنت عليه كثيرا .أذكر أن والدي خرج من طوره غضبا على الإنجليز عندما قال : ( الواحد يكون آمنا معهم ما دام متذللا لهم * سوف تكون نهايتنا على يد السياسة * نريد رعاة لا ذئابا ) ولم أعي في ذلك الوقت ما يعنيه.

الاسناوي الذي يعيش في كوخ والذي له منزل عادي فإنهم سيان في صغر المساحة . حيث لا حوش ولا حديقة على عكس مباني السودان . الطرق قليلة ،قصيرة وضيقة .يبلغ عرضها حوالي أربعة أمتار في أحسن الأحوال وأغلبها أزقة مغلقة ، لأنهم يبنون بيوتهم حيثما اتفق دون تدخل من السلطات . لا توجد غابات ولا أشجار إلاَ من قليل على ضفة النيل . باختصار خلال أقلَ من أسبوع شعرت بحنين جارف للسودان .

في السودان نستعمل لوقودنا الفحم وحطب الحريق والكيروسين ، أمَا هنا فيستعملون روث
البهائم والقليل منهم يستعمل الكيروسين . من المناظر التي لم أر مثلها في السودان جلوس بعض النسوة النائحات على قارعة الطريق ويعولن على أعزاء ميتين منذ زمن ويعددن محاسنهم . نسبة الوفيات عالية وخاصة وسط الأطفال. الموسيقى والرقص والغناء من المحرمات .باختصار إنها بلد ممل. الآن فهمت لماذا أمي وردة تكرهها . هذا الفقر المادي والمعنوي في حياتهم تبعه فقر في المشاعر والأحاسيس ، فولادة البنت عندهم تعتبر من الكوارث. يقول مثلهم الشعبي ( الأفضل أن يكون لك عقربان على الجدار ولا بنتان في البيت ). والبنت عندهم مهددة بالرحيل من هذه الدنيا إذا مس سمعتها أيُ قول ،حتى لو لم يكن صحيحا ودون أي تحري لحقيقة ذلك . ولقد شهدت شغبا داميا بين المسلمين والأقباط من جهة وبعض اليهود احتجاجا على طريقة الذبح اليهودية التي يعتبرونها وحشية ، ولكن أن تذبح ابنتك لمجرد بعض الأقاويل فهذا عمل بطولي .هذه هي الحالة الاجتماعية والثقافية لمنطقة شهدت أكثر الحضارات ازدهارا في تاريخ الإنسانية .
هذا الجو من الفقر لم يؤثر عليَ شخصيا من الناحية الغذائية والاحتياجات المعيشية الأخرى * فقد خصص لي الوالد مبلغ خمسة جنيهات لاحتياجاتي الشخصية .بدأت عمتي وجدتي في تنفيذ برنامج تسمين لي حتى لا يقول أهلي في السودان بأني أهملت .بدأت الحظ زيادة وزني كلما تقدمت بي أيام الإجازة وقد علقت جدتي على ذلك : ( جئتنا نحيفا كأنك تشكو من سوء التغذية وذلك بسبب الحرارة وانعدام الفواكه في عطبرة ولكني سوف أرسلك إلى أهلك بخدود في لون التفاح ).
الخضروات والفواكه هنا من النوعية الممتازة لاستعمالهم للسماد العضوي . كانت جدتي صارمة معي ، عليَ الرجوع إلى البيت قبل الغروب .لم أستطع عصيان أمرها في الالتحاق بإحدى المدارس الخاصة ذات المدرس الواحد ، وهو كذلك المالك للمدرسة .قد دفعت رسوما وقدرها ستة شلنات وهو مبلغ مضاعف بالنسبة للمصاريف العادية لأنه كما قال : ( أنت من السودان والسودانيين عندهم فلوس كثيرة) . يوجد بالمدرسة حوالي ثلاثين تلميذا .يقوم المالك بتدريس جميع المواد بطريقة مباشرة وفردية ، إذ لا توجد صفوف دراسية، ولكن كان التلاميذ المتقدمون يساعدون المتأخرين تحت إشرافه ، وقد يمكث مع أحد التلاميذ ساعة كاملة بينما ينهمك الآخرين في تمارين مختلفة . لقد كان من نصيبي ستة تلاميذ، لأساعدهم في اللغة الإنجليزية والرياضيات ولكني كنت تحت رعاية أحد الأولاد في قواعد اللغة العربية . إنها فعلا طريقة مجدية وقد قمت بتطبيقها بنجاح فيما بعد عندما سلكت سلك التدريس .اسم المدرس شكري . كان يعيش وحيدا في مدرسته التي تتحول بعض الظهر إلى مسكن ، وتتحول إحدى الطاولات إلى سرير ، ولمدرسته طلب واسع وسط أهالي اسنا لأن تلاميذه من أنجح طلاب الثانوية والجامعة . لا يوجد مدرسة ثانوية في اسناء وأقرب مدرسة ثانوية توجد في قنا على بعد خمسين ميلا شمالا . لقد قابلت شكري بعد عشرين عاما من هذا وكان فرحا بنجاحي أيما فرح .
مضت ثلاثة أسابيع من إجازتي في بطئ شديد وتبقى لي أسبوعا واحدا لأعود إلى أهلي . ولكن وصل خطاب من العم ديمتري يفيد بأنه كُلِّف ببعض العمل في وكالة السودان بالقاهرة مما يستدعيه للمكوث في مصر شهرا آخر .جن جنوني لسماع هذا الخبر ولم أصدقه ( هذه مؤامرة منكم لأبقى غصبا عني في هذه البلدة القذرة ، لقد وعد عمي ديمتري أمي ويجب أن يوفي بوعده ) . صدمت جدتي وعمتي من أقوالي وقررن إرسالي في نفس اليوم إلى الأقصر لأتدبر أمري مع عم ديمتري بنفسي وتم شحني في حافلة مع المزارعين والأغنام والبط في رحلة تستغرق أربعة ساعات لقطع ثلاثين ميلا شمالا . عندما نزلت في الأقصر وسألت عن عم ديمتري تطوع أكثر من سوداني لإيصالي له . أستغرب عم ديمتري من حضوري وعندما عرف السبب عاتبني قائلا :
- إذا كنت لا تصدقني فإنني على استعداد لأركبك القطار وتسافر لوحدك ولكني سوف أكون غاضبا
منك .
- أنا آسف يا عم ديمتري ، أرجو أن تسامحني .
- لا عليك.
- هل ممكن البقاء معكم لبعض الأيام.
- طبعا يا ابني يمكنك البقاء كما تشاء.
وقد قمت بصحبة العم ديمتري وأبناءه بزيارة الآثار ووادي الملوك مما خفف الكثير من غربتي وحنيني إلى أهلي .


**

قابلت العم ديمتري بعد أربعين عاما من هذا الزمن وكان ذلك في محطة سكة حديد القاهرة .وكان كالعهد به قارئا نهما صاحب ذهن وقاد و ملاحظات صائبة .من أقواله : ( إن الاستخفاف والجهل والتعصب الديني من ألد أعداء التراث ، بعض المعابد حولت إلى مساجد وبعضها استخدمت حجارتها لبناء مساجد أخرى . آخر من يقدر التراث هم المصريون ، فقط الأوربيون هم من يقدرونها حق قدرها ) ثم أضاف : ( أنظر ‍! إنهم الآن بفرشون البسط في فناء المحطة قبل نصف ساعة من الصلاة ويعيقون طريق اللاحقين بقطاراتهم ، إنها الهيمنة الثقافية )
هذا آخر عهدي بالعم ديمتري ، فلقد رحل لدار الخلود ومعه رحلت مرحلة هامة من تاريخ حياتي .


**

صادف رجوعي إلى إسنا ذكرى القديس الفاخوري _ وهو قديس قبطي إسناوي - العشرات من الإسناويين يحجون إلى ضريحه داخل كنيسته الواقعة على بعد عشرة أميال داخل الصحراء الغربية . تجد الناس مخيمين في الصحراء جالبين معهم نذورهم للتبرك والشفاء وقضاء الحاجيات المتنوعة وتشمل زواج البنات ، الإنجاب وقد سمعت بعضهم في دعائهم يطلبون من الله اللباس والحذاء .


**


أخيرا" وصل خطاب من العم ديمتري يحدد فيه تاريخ رجوعنا إلى السودان.قد تلقيت هذه الأخبار بفرح حقيقي ( لقد كان عمري حينها ثلاثة عشر عاما ، لذا فقد كان فرحي تلقائيا لم أراع فيه مشاعر جدتي وعمتي ).
ركبنا قطار الإكسبريس إلى الشلال في رحلة العودة .في الشلال ذكرني العم ديمتري بأنني قد عشت خمسة سنوات من طفولتي في هذه البلدة ، وأضاف : ( يستحسن أن تزور هذه المناطق كل عشرة سنوات ) .وبالفعل لقد زرت الشلال و إسناء والأقصر في الأعوام 1939 ،1949،1969،1976و1988 وينطبق على حالها نفس وصف الرحلة الأولى مع قليل من التغيير ..!!

منتصر
07-09-2009, 03:38 PM
(11)


رحلة العودة عبر النوبة المصرية – 1931م –

توقف القطار عند محطة الشلال على بعد عشرة أميال من أسوان وميلا واحدا من الميناء النهري .حيث يجب أن نأخذ منه باخرة إلى ميناء وادي حلفا .وحدها عربات الركاب الإنجليز الفاخرة حولت إلى قرب الباخرة ، ليكونوا أول الراكبين دون المرور على الإجراءات الرسمية المتبعة . أمَا نحن فعلينا الوصول إلى الباخرة مشيا بالأقدام بعد الإجراءات الرسمية والتفتيش الصحي وتفتيش التذاكر . الركاب الإنجليز لهم جزء منفصل من الباخرة له خدمات مميزة . لم أر مع العائلات الإنجليزية أطفالا في سني ،عندما تساءلت عن ذلك ، شرح لي العم ديمتري الأمر : (إنهم يتركونهم في مدارس داخلية في بريطانيا ولا يأتون إلاَ في الإجازات و أعياد الميلاد ،لأن المدارس في السودان لا تناسبهم ) . العم ديمتري يعرف الكثيرين منهم بحكم عمله كموظف حكومي بقسم شئون الموظفين .
بعد أن أخذ الركاب الإنجليز أماكنهم على متن الباخرة ، جاء دورنا لنركب .جئنا بحمَال لأخذ متاعنا . وكنت مندهشا أن يستطيع حمَال واحد حمل كل متاعنا ، وازدادت دهشتي عندما رأيته يحمل خمسين كيلوجراما على ظهره وخمسين أخرى في يده وخمسين ثالثة على ظهر حماره الهزيل . كان كل حمال يعلق بطاقة تعريف مكتوبا فيها اسمه ورقم التصديق . توجه الحمالون نحو الباخرة يتبعهم أكثر من ثلاثين عائلة سيرا على الأقدام ، ليضفوا على الميناء نوعا من الحياة لا يتوفر لها إلاَ مرتين كل أسبوع .
قال العم ديمتري عندما لاحظ فرحة العودة تطل من وجهي : ( أنا مثلك فرح بالعودة إلى السودان حيث النظام والقانون .بعكس مصر بلد الخيبة والقذارة .)
بينما كنت أسير مع الناس وخطواتي تتطاير فرحة بالعودة ، إذ برجلي تغوص في أحد الشقوق الطينية ويلطخ الوحل حذائي الجديد ( هدية من الجدة ايرين ) وكذلك جواربي البيضاء . كاد هذا الحادث العرضي أن يقتل الفرحة في نفسي . ومما زاد الأمر سوء" تضاحك الأولاد والبنات من حولي ، بل وتجرأ بعضهم بوصفي إنني أسير كالأعمى مما عكر عليَ صفو يومي .
القاطرة البخارية المصرية لها دوي أعلى ،ودخان أكثف من القاطرة السودانية .كما إنها أكبر حجما وأكثر سرعة ( ستون ميلا في الساعة ) كما إن الخط الحديدي أعرض من خط السودان .
دخلت مع الحمال الباخرة التي تلمع جميع أركانها من النظافة الفائقة وقد حجزت لنا قمرتان . من القمرة يمكنك مشاهدة قلعة كليوباترا ( لابد أن لها عينا تعشق الجمال عندما اختارت هذه النقطة لتبني عش المحبة الشتوي ليضمها مع عشيقها مارك انطوني ) كما حكى لنا العم ديمتري { هنا يستطرد الكاتب في سرد القصة كاملة }


***

في الشلال قدمني العم ديمتري إلى دهب الشلالي كبير الأجاويد الذي انتصر لأمي لتضع مولودها ( رمسيس ) مع أهلها في ود مدني . فرح دهب برؤيتي أشد الفرح وسألني بشوق عن أخبار والديَ ،وأخذني ليريني المنزل الذي كنا نعيش فيه قبل سبع سنوات . في طريق العودة بعد أن كرر دهب السؤال عن أحوالنا ، بدأ يحكي للعم ديمتري أخباره : لقد تزوج امرأة تكرونية توفي عنها زوجها بعد وصولهما أسوان قادمين من السودان. وأنجب منها ولدا وأضاف : ( لقد أعادت لي شبابي )


***

أطلق كتشنر على الباخرة اسما مصريا قديما ( ايبس ) ومعناها طائر المنجل وهي تعمل منذ عهد الاستعداد لاستعادة السودان (1894م) وظلت تعمل حتى عام 1976م .
لم يمض بعض الوقت حتى صار الناس كأنهم أسرة واحدة : أخذوا يتكلمون ويتوددون لبعضهم ويلعبون الورق والديمينو والشطرنج ويدخنون النارجيلة . كان معظم الركاب من موظفي حكومة السودان .
في الساعة العاشرة بدأ الركاب في الاستعداد للنوم ، الرجال يفترشون الممرات والنساء والأطفال داخل القمرات .
صحوت من النوم عطشا بعد منتصف الليل وتوجهت نحو إحدى الجرار وأخذتها إلى فمي لأشرب ، ولكن كانت الجرة مملوءة بحساء الملوخية !انسكبت الملوخية لتملأ جلبابي وجسمي . غضبت لذلك غضبا شديدا مما أيقظ الخالة عائدة وأطفالها قمت بأخذ حمام ليلي. وقامت الخالة عائدة بغسل الجلباب. تطلب هذا إنارة المصباح الكهربائي مما لفت انتباه الناس وأزعجهم . ولم أنم ليلتها من الغيظ والحرج. في الصباح انتشر الخبر وسط الركاب والكل يتسابق لرواية القصة للآخر وقد وصلت هذه القصة حتى بارجة الركاب الإنجليز .كان الكل يشير إلى : هذا هو بطل قصة الملوخية.
تمر الباخرة على بعض القرى والمدن الصغيرة مثل عنبة * أبو سنبل ، بلانة ، كلبشة وادندان .
عندما توقفنا في عنبة أسرع العم ديمتري لإحضار بعض الطعام الطازج وسبعة زجاجات من شراب العرق (العرقي) واحدة له والباقي لوالدي لأن العرقي في هذه المنطقة معروفا بجودته.
تبعد عنبة خمسون ميلا من الحدود السودانية المصرية ،وهي من مراكز النوبة المصرية المهمة ،حيث توجد بها المدرسة الابتدائية الوحيدة ومستوصفا ومركزا شرطة وسوقا للبلح .لا توجد بها كهرباء و لا مياه بالحنفيات.
في أبي سنبل هرع جميع الركاب الأوربيين للتفرج على المعبد الصخري الذي بناه رمسيس الثاني .


**


تحركت الباخرة بعد عودة المتفرجين إليها . حقا لقد كان المشهد جميلا أخَاذا ورومانطيقيا أحيانا . تظهر البيوت على الطراز النوبي على ضفتي النهر كأنها قلاع لعدم وجود نوافذ بها . إنهم يكتفون بفتحات أسفل السقف .وأمام كل منزل مسطبة مرتفعة لاجتماع العائلة مساء" . النوبي يهتم اهتماما فائقا بتزيين منزله من الداخل والخارج يشجعه على ذلك قلة الأمطار مما يبقي على الزينة الخارجية لزمن طويل.
هذه الصحراء القاحلة وهبها النيل حياة لا تتوفر لمثيلاتها من الصحاري ، غابات النخيل تسد الأفق على الضفتين حيث الأرض الخصبة المتجددة بفعل اطماء النيل منذ الأزل. حتى جاء ناصر المصري لتحقيق حلمه في بناء أسواء صرح يسمى السد العالي ، فخسرت مصر الدلتا والآثار النوبية وهذه أسواء كارثة في تاريخ مصر القديم والحديث . ومن تصاريف القدر أن هذه الكنوز النوبية النيلية دمرت بواسطة النيل الذي كان يهب لها الحياة منذ بدء الخليقة .

منتصر
07-09-2009, 03:43 PM
(12)



السفر عبر السودان الشمالي


بعد غروب شمس اليوم الثاني أعلنت صافرة الباخرة وصولنا ميناء وادي حلفا .في تلك الأيام الجميلة كان بمقدور أي زائر للمدينة أن يعرف إنه في مستعمرة بريطانية .كل شيء يبدو مختلفا عن مصر بالرغم أن وادي حلفا آنذاك كانت تابعة رسميا لمصر .
عند رسو الباخرة تعرضنا لهجمات الفريق الصحي بقيادة مفتش إنجليزي ، رشت الباخرة بالمبيدات الحشرية والمطهرات وتعرض الركاب إلى تفتيش صحي دقيق ورشت أمتعتهم بالمبيد الحشري . وبما أن الماء النظيف متوفر داخل الباخرة فقد قام الركاب بالاستحمام وتغيير ملابسهم وتعطر بعضهم قبل النزول إلى الميناء . لبست ردائي القصير الأبيض مع جوارب بيضاء طويلة وقميص أبيض ذو أكمام طويلة وجزمتي البنية الداكنة ( هدية من الجدة) تفحصت نفسي أمام المرآة معجبا بهندامي وبالطبع لم يفت هذا العم ديمتري الذي علق قائلا بأنني أبدو كالأمير أو العريس مما اربكني وأخجلني .
الرصيف نظيف، صالة الجمارك تحتوي على ستة مساطب أسمنتية ومساحة تسع لمائة راكب مع أمتعتهم. العلمان الإنجليزي والمصري يرفرفان على سارية مبنى مجاور .كان كبار رجال الإدارة الاستعمارية من إنجليز ومصريين وسودانيين في استقبال الباخرة . الكل يؤدي عمله في جد وإخلاص .على بعد مائتي متر يربض القطار الذي سوف نستغله في إكمال رحلتنا .يتكون القطار من أربعة عشر عربة ، عربتين للأمتعة ، عربتين لكل من الدرجات الأولى والثانية والثالثة ، عربة للمطبخ ، عربة للأكل * ثلاثة عربات نوم و فنطاز للماء . ستضاف إليه عربة لركاب الدرجة الرابعة في محطة أبي حمد .كانت خدمات سكك حديد السودان في أوج ازدهارها ، العربات نظيفة ،مياه الشرب متوفرة ،وكل اللمبات والمراوح تعمل بكفاءة .
وجدنا أسماءنا على باب قمرتين في إحدى عربات الدرجة الثانية ، وضعنا خمسة من حقائبنا الصغيرة على الأرفف ، أما بقية الحقائب والطرود فمكانه عربة الأمتعة الملحقة بالقطار .بعد ذلك اصطحبنا العم ديمتري في جولة سياحية وتسويقية في المدينة مخلفين متاعنا في القطار ،دون خوف من السرقات لندرة اللصوص في منطقة النوبة .يبدو أن العم ديمتري يعرف الكثيرين من التجار وموظفي السكة حديد بحلفا ، فهم يحيونه باسمه ويتبادلون معه الأخبار .لقد لفت نظري شغف عم ديمتري بالأخبار مثله مثل والدي وغيرهم من رجال ذلك الزمن .الاستماع والسرد للأخبار بتفاصيلها كانت سمة ذلك المجتمع ، ومن لم يفعل ذلك فهو شخص عدواني وأناني .في بلدي في ذلك الزمن يِرق الفاصل بين الخصوصيات والعموميات ، الكل يدلي برأيه في خصوصيات الغير، الكل يود أن يعرف ،والكل يود أن يشارك أو يساعد حتى لو لم يطلب منه ذلك . في ذلك الزمن لا جرائد ولا إذاعة وبالطبع لا تلفاز وحتى بعد وجود هذه الوسائط فما زال البحث عن الأخبار عند الزوجة والطفل والجار هي ديدن الجميع .
يحتل السوق المنطقة بين خط السكة حديد وحي التوفيقية .تصطف الدكاكين في أربعة صفوف بينها ثلاثة شوارع ضيقة ،وهو مزدحم بالبائعين والمتسوقين ، المقاهي تحتل جميع الأركان وهناك حوانيت الحرفيين ومصنعا للصابون ذو نوعية ممتازة تضاهي الصابون الإنجليزي .يشمل السوق جميع النشاطات السلعية ولكن كان أكبرها سوق البلح .بالقرب منه يوجد فندق ومطعم وخمارة تبيع الخمور الإفرنجية والبلدية المصنوعة من التمر بدرجات متفاوتة من التركيز مثل العرقي و الشربوت والدكاي . وهناك سينما تقدم عروضها في العراء مرتين كل أسبوع.توجد مدرستان ابتدائيتان للبنين أحدهما للمسلمين والثانية للأقباط، ويوجد مسجد وكنيسة قبطية. كسمة غالبية مدن السودان تحيط بالمدينة أكواخ الفلاتة و مهاجري غرب إفريقيا وجنوب غرب السودان ومن وسط هؤلاء تختار المجموعات النوبية (البصاولة ، العليقات ،المحس ،الكنوز ،الحعافرة ) زوجتهم الثانية أو الثالثة وعندما جاء عام 1956م ذاب كل هؤلاء المهاجرين في الهوية النوبية .البصاولة هم أكبر المجموعات في وادي حلفا وهم بمثابة الصعيدي المتمسك بتقاليد الفلاح المصري ، لذا تجد المواشي والدواجن تزحم منازلهم و تعيش معهم .لذلك عندما تمر بحي البصاولة تزكم أنفك رائحة الحيوانات .أمضينا حوالي الساعة في تجوالنا وبعد أن جمع العم ديمتري الأخبار اشترى لنا بعض الطعام إضافة للطعام المجهز من الأقصر واسنا .
تحرك القطار من حلفا قبل منتصف النهار وتوقف بعد مسيرة خمسة كيلومترات في سندة حلفا دغيم حيث تقع في الضفة المقابلة مدينة بوهين التاريخية . توقف القطار في دغيم أقلَ من خمسة دقائق لأخذ بعض الركاب ليواصل مسيرته بأقصى سرعة (50كلم/الساعة) . كنت أقف خلف الشباك لأرى المنظر الخارجي .. رمال ..رمال .. ثم حجارة صغيرة .. ثم حجارة كبيرة ثم رمال ..رمال .
هذا الخط بني عام 1884م وتم استجلاب ثلاثة آلاف وستمائة من الفلاحين المصريين للعمل فيه ليلا ونهارا في شمس تدير الرؤوس ، وقيل أن ألفا منهم لقوا حتفهم نتيجة هذا الجهد المضني .
يعتبر إقليم النوبة وحدة جغرافية منفصلة ، تفصله من أقاليم السودان الأخرى عوائق طبيعية وهي الصحراء من جميع الجهات : من الجنوب حوالي 450كلم عبر صحراء العتمور حتى أبي حمد ، من الشرق 600 كلم حتى ساحل البحر الأحمر من الغرب 250 كلم حتى عبري .
تراجعت من الشباك لأن المناظر صارت رتيبة ومتكررة . المحطات الخلوية من حلفا إلى أبي حمد لا أسماء لها وتميز بالأرقام ،تبدأ برقم واحد وتنتهي برقم عشرة وهي محطات لا يوجد بها غير رهط من عمال السكة حديد . وعندما توقف القطار في إحدى هذه المحطات هرع بعض الركاب وهم يحملون أواني الشاي لأخذ ماء مغلي من سائق القاطرة وبعضهم افترش البروش والحصير لأداء الصلاة .
بعد مغيب اليوم الثاني وصلنا محطة أبو حمد على النيل وهي شهيرة بنخيلها وليمونها والبروش والمقاطف المصنوعة من سعف النخيل والدوم .تمثل أبو حمد نقطة العودة إلى النيل الذي فارقناه قبل ثلاثين ساعة وتبقى لنا أربعة عشر ساعة للوصول إلى عطبرة .
طريقنا الآن بمحاذاة النيل على الضفة الشرقية .الأطفال وحتى الكبار يتسولون الخبز من الركاب . معظم الأطفال عراة تماما والوجوه يتعارك فيها الذباب . . الأجسام هزيلة ويمكنك عد الأضلاع وأنت جالس خلف شباك عربة القطار . من القطار يمكنك مشاهدة المشيعين وهم يحملون جنازة في إعياء وهم في طريقهم إلى المقابر التي يكبر حجمها حجم القرية بمراحل .
لقد مررت بهذه المنطقة عام 1988م ، وإذا طلب مني أن أصف المنطقة فلن أغير في وصف 1931م شيئا .

منتصر
07-09-2009, 03:44 PM
(13)


الحياة المنزلية في عطبرة


أخيرا وصلنا عطبرة رئاسة إدارة سكك حديد السودان .كان في مقابلتي والدي أيوب .لقد كنت سعيدا حقا بأن أعود إلى أهلي لأني اشتقت لهم كثيرا . أمي بقيت في المنزل لأنها وضعت لنا أخا جديدا بعد معاناة شديدة عند المخاض ، لأن الطفل جاء خارجا برجليه بدلا أن ينزلق برأسه . كانت القابلة الحاجة آمنة قليلة المعرفة بالولادات غير الطبيعية ، مما جعلهم يحملونها إلى مستشفى عطبرة حيث أنقذت بواسطة الطبيب السوري .
في تلك الأيام نجد قليلا من الناس يأخذون زوجاتهم المشرفات على الهلاك إلى المستشفيات ، ولكن والدي أيوب كان مختلفا ، إنه يؤمن بالعلم وتعليم المرأة .
عند وصولي البيت رأيت أخي الجديد يرقد على مهده كأنه صرة صغيرة وهو في حالة جيدة بالرغم من أن وزنه دون المعدل الطبيعي وقد سمي خالد تيمنا بجده خالد مكوجي .


**

في ذلك الزمن كنا شغوفين بلعب كرة القدم ، متأثرين في ذلك بالقوات البريطانية التابعة للجيش الاحتياطي في معسكرهم الذي يبعد أقل من نصف ميل من منزلنا . ولتعذر شراء كرة كالتي يلعب بها الجنود ، كنا نصنع الكرات من خرق القماش وهي كرات لا تقارن بكرات الجنود من حيث الحجم والمرونة .خطر لي في أحد الأيام أن أصنع كرة من القماش في حجم كرة الجنود ،لذا طلبت من جارنا كمال أن يقوم بسرقة أحد القطع الداخلية من أمه البدينة ولقد استجاب كمال لذلك . مما مكننا من عمل كرة مثل كرة الجنود من حيث الحجم ،ولكن من حيث المرونة فشتان ما بينهما .
رجعت منتشيا للبيت بعد اللعب بالكرة الجديدة ولم أدر بالعقوبة التي تنتظرني في البيت . لأن والدة كمال قد قالت بأني ولدا سيئا ، قد أغويت ولدها بسرقة قطعة من ملابسها .ذهبت لمنزل أم كمال والدموع في عيني وصحت بها من خارج حوش منزلهم : ( أمي لا تشتكي مثلك إذا فقدت مثل هذه القطعة من الملابس ،وأعلمي أن قطعتك قديمة وبها خرمين وذات رائحة نتنة ،لأنك لا تنظفينها .لقد اخترنا ملابسك لأنك سمينة مثل الجاموسة )وكادت المرأة أن تجن من الغضب . وقد كانت النتيجة أن تم جلدي من قبل زوجها في صباح اليوم التالي .
في أحد الأيام توقف أحد الضباط الإنجليز ليتفرج علينا ونحن نلعب بجورب أم كمال . وقد فرحنا بوجود متفرج في مقام ضابط إنجليزي وطمعنا أن يدعونا إلى المعسكر لنلعب بكرتهم، ولكن الضابط مكث لدقائق ثم انصرف لشأنه .
في يوم الكريسماس لعام 1931م كنت مع والدي عند دكان لورنزيتو عندما قابلنا نفس الضابط، سأل الضابط أبي :
- هذا ابنك ؟
- نعم !! خير !!! هل أساء السلوك ؟
- لا ، لم يفعل شيئا .
ثم أردف :
- هل يمكنني أن اهدي له كرة قدم إنجليزية بمناسبة أعياد الكريسماس.
- هذا كرم منك ، مثل هذه الكرة تكلف كثيرا.

وأخيرا لقد امتلكت بل قل لقد امتلكنا كرة حقيقية .


**

وجاء موعدي مع امتحان الشهادة الابتدائية للمرة الثالثة ،ولكن هذه المرة كانت لي خطة جريئة وواضحة : اتفقت مع صديقي توفيق الحلفاوي على الغش ، امرر له أجوبة الرياضيات والإنجليزي وبدوره يمرر لي أجوبة قواعد اللغة العربية . كان من حظي أني كنت أجلس خلف توفيق مباشرة. مررت له أجوبة الرياضيات ولكن في اليوم التالي خانت توفيق شجاعته في أن يمرر لي إجابات قواعد اللغة العربية ، فجن جنوني وقمت بطعنه بريشة القلم حتى أدمى قميصه مما جعله يميل يسارا ومميلا ورقته يمينا مما مكنني من نقل جميع الأجوبة .
لقد اربكني و أغضبني ارتباك توفيق لأنه كاد أن يفشل خطتي للنجاح ، ولكني كنت عند وعدي عندما مررت له أجوبة امتحان اللغة الإنجليزية في اليوم التالي.
عند ظهور النتيجة أحرزنا أنا وتوفيق المرتبة الأولى على كل الإقليم وسط دهشة الأهل والمدرسين(لم يتهمنا أحد بالغش ولم نكشف سرنا لأحد ) .نتيجة هذا التفوق فقد حزنا على منحة دراسية من وزارة المعارف المصرية . ولكن كبر سننا (عامين فوق سن القبول للثانوي ) حال دون ذلك . إضافة لاعتراض الوالدة بحجة انه لا أقارب لنا بالقاهرة ، بالرغم من أن الحكومة المصرية ستدفع لنا عشرة جنيهات مصرية كمنحة شهرية وهو مبلغ كبير بمقياس الثلاثينات .


**.


للاحتفال بنجاحنا الدراماتيكي انضممنا إلى مجموعة من أترابنا للتجوال في منطقة السكن الإنجليزي وحدائقه الغناء المتنوعة الأشجار والزهور .كان لهم ملاعبهم الخاصة مثل حوض السباحة وميدان الجولف والكريكت وكذلك لهم ناديهم وكنيستهم الخاصة .
شوارع الحي هادئة تحفها الظلال ، الشوارع خالية وإذا صدف ورأينا أحد نساء أو أطفال الإنجليز، فإننا نقف نبحلق فيهم مشدوهين كأنهم آتين من كوكب آخر . بالرغم من جرأتنا وصغر سننا (حوالي 14 عاما) فإننا كن لا نلجأ للتخريب أو السرقة .


**

كانت هناك سيارتان فقط في مدينة عطبرة وكلاهما تعمل كسيارات أجرة ، ولكن بعد أن احترقت إحداهما وشوت السائق داخلها ، نفر الناس من استعمال الأخرى وبارت تجارة المالك .و اختفت السيارة من طرقات المدينة .
لم يحدث أن رأيت مدير عام سكك حديد السودان يركب سيارة . كنت أقابله في طريقي إلى المدرسة إما ذاهبا إلى مكتبه مشيا أو راكبادراجة هوائية . بقية العاملين يذهبون إلى عملهم مشيا او يستغلون قطار المدينة المحلي الذي يأخذهم من منطقة القيقر إلى أعمالهم ذهابا وإيابا وفي فسحة الفطور .
لندرة منافذ الترفيه في المدينة ، تجد الناس يجلسون جماعات أمام المنازل للأنس وتبادل الأخبار والنميمة حتى الساعة الثامنة .ثم يدخلون بيوتهم لتناول العشاء ومن ثم الذهاب للنوم ليصحون مبكرين لأعمالهم .
كان من النادر أن نغلق أبوابنا، فالسرقات نادرة الحدوث. أذكر انه في صباح أحد الأيام افتقدنا سرير والدي الذي يرقد فيه في فترة القيلولة تحت الشجرة أمام المنزل .رافقت الوالد لمركز الشرطة للإبلاغ عن الحادث. وهناك جرى الحوار الآتي بين والدي والمسؤول المناوب بمركز الشرطة .
- جئت أبلغكم سرقة سريري ، انه سرير مستعمل ولكن كلفني خمسة شلنات ، فمتى تردوه لي ؟
- سنحاول جهدنا . أولا سنطلب من الشاويش عمل التحري اللازم ، لا نستطيع أن نعدك برده ، وننصحك بشراء سرير آخر !!
- لم آتي إليك لتنصحني بشراء سرير بديل !! افرض أنه قد حصل عجز في خزنة السكة حديد التي في عهدتي وهي تحتوي على ما يزيد عن مائة جنيه ، هل ستعتقلني بتهمة السرقة أم سترد المبلغ من عندك ؟
وبعد ثلاثة أيام عدنا للمركز وتساءل الوالد بحدة :
- هل وجدتم سريري ؟
- لا ، ليس بعد.
- مضت ثلاثة أيام ولا أثر للسرير ؟ انه لأمر مخيف.
توجهنا من مركز الشرطة صوب مكتب الوالد . دلف الوالد إلى مكتبه ومكثت أنا على أريكة إسمنتية خارج المكتب . بعد ساعة رأيت قمندان الشرطة الإنجليزي و مستر كومنز مأمور الحركة بالسكة حديد يدخلون على الوالد في مكتبه .بعد خروجهم نفحني مستر كومنز مبلغ شلنين وقد كان في السابق يعطيني قرشا يتيما ، أظنه أراد أن يتعاطف مع الوالد في محنته .
انتشر خبر السرير ليس في عطبرة سكة حديد فقط ، بل صار مثار حديث سكان عطبرة البلد : (انه خسارة كبيرة)( لقد ذهب عهد الأمن والأمان) (سوف نغلق منازلنا بعد هذا) (ثلاثة أيام وحكومة جلالة الملكة لا تستطيع رد سرير !!!).وهكذا استمر اللغط والنقاش في مجالس عطبرة بقسميها .
في اليوم التالي جاء إلى منزلنا شرطي بصحبة رجل فارع الطول يحمل سريرا على رأسه .
- هل هذا سريركم يا سيدة ؟
ردت والدتي والسرور يغمرها
- نعم إنه بعينه
أمر الشرطي الرجل بوضع السرير في المكان الذي أخذه منه تحت ظل الشجرة أمام المنزل .
ولم تمض إلا ساعة واكتظ البيت بالمهنيين ) : حمدا لله على السلامة)( مبروك)(مال حلال لا يضيع) ( ربنا جعل لك فيه نصيب ) ( الآن اطمأنينا . كنا نظن أن المهدية قد عادت ثانية )
كان أبي وسط الرجال و أمي وسط النساء يردون على هذه المجاملات ويوزعون الحلوى والمشروبات على المهنئين.


**



لا زال يستحضرني ذلك العطف والحنان الذي كان يحيط به أبي أمي . فقد كان يشفق عليها من العمل المنزلي المضني . كانت طباخة ماهرة ومدبرة منزل حريفة ، تخبز الرغيف كل أسبوع وأحيانا تصنع الكسرة وفي أيام المناسبات تصنع الحلوى والكيك والبسكويت .لقد تعلمت ذلك منذ صباها الباكر في مدرسة الإرسالية و أضافت له من خبرة جيرانها المصريين. قبل أن تأتي نورا لتعمل وتعيش معنا ، كانت أمي تقوم بغسل ملابسنا بالماء المغلي مع الصابون الإسناوي وتقوم بكيها بعد تجفيفها . تنظف المنزل وتشرف على استحمامنا وقد كنت ساعدها الأيمن في كل ذلك ، لقد تعلمت الخدمة المنزلية منها . في بعض أيام الجمع والآحاد كان الوالد يقوم بطبخ السمك وهو الطبق المحبب لديه وتكون هي في زيارة أصدقاءها القليلين في حي القيقر أو تزور الإرسالية لتشبع هوايتها في الموسيقى والتراتيل الكنسية . كانت تقوم كل صباح بدعك ظهر الوالد بصابون الفنيك والليفة وهو يفعل نفس الشيء معها . كان يشتري لها العطر الذي تفضله ويعطيها الفلوس لشراء احتياجاتنا من إحدى الدلاليات . كان لأمي ماكينة خياطة سنجر تخيط بها لنا وللجيران .لم يكن لوالدي إجازة أسبوعية مثل بقية خلق الله ، فقد كان بائع التذاكر الوحيد (التذكرجي ) بمحطة عطبرة ، بالإضافة لذلك فقد كان يقوم بصرف المرتبات الشهرية للعاملين ويمتد عمله أحيانا إلى منتصف الليل طبقا لجدول مسير القطارات، لأن جامعي التذاكر بالقطارات (الكمسارية) يتخلصون من عهدتهم عنده قبل الالتحاق بقطار آخر . كان في أيام المرض يغادر المنزل وهو لا يكاد يأخذ نفسه بسبب داء الربو الذي لازمه منذ الصبا ، بالرغم من ذلك فإن راتبه لا يتجاوز السبعة جنيهات يصرفها كلها على احتياجاتنا ولا ينوله منها سوى عشرة شلنات لمقابلة شراء البيرة الاسكتلندية والتبغ .كانت أمي تعلق على ذلك قائلة : ( مسكين أبوكم !! بالرغم من عمله المضني ، لا ينال من راتبه إلا القليل ).

منتصر
07-09-2009, 03:45 PM
(14)



محاباة وتمييز



كان في كل السودان مدرستان قبطيتان للمرحلة الثانوية - وهو أمر طبيعي نسبة لصغر الشريحة القبطية في هذا البلد- إحدى هذه المدارس في عطبرة والأخرى في الخرطوم .تستوعب المدرسة حوالي ثلاثين تلميذا كل عام . مدرسة عطبرة التي التحقت بها ، بها فصلان فقط . الفصل الأول وبه عشرون تلميذا والثاني به اثني عشر تلميذا مع احتمال عدم قبول أي تلميذ في العام القادم ،ذلك للأزمة المالية التي تمر بها المدرسة ، فالرسوم التي يدفعها التلاميذ غير كافية وليس هناك مورد آخر ولا دعم حكومي ولا مانحين أغنياء . كنا ندرس مادة العلوم العامة في الفصل لخلو المختبرات من المواد اللازمة وكان مدرس العلوم الوحيد يجوب مخازن السكة حديد متسولا بعض المواد . كانت الإدارة البريطانية تقف في وجه أي دعم قد تمنحه الحكومة المصرية لهاتين المدرستين . لقد سمعت من العم ديمتري أن الحكومة المصرية تدفع للإدارة البريطانية مبلغا سنويا يصل المائة وخمسون ألف جنيها لتصرف للخدمات الصحية والتعليمية للسودانيين ،ولكن المدارس القبطية لا ينالها من هذا الفيض قيض ، بحجة أن السودانيون هم فقط قبائل الشمال المسلمة أو قبائل الجنوب غير المسلمة . الفئة الأولى منهم هي التي يحق لها الاستفادة من المدارس الحكومية ،أما الفئة الثانية فقد تولت أمور التعليم فيها البعثات التبشيرية. و أضاف العم ديمتري : ( هذه عنصرية محضة ضد المواليد بأعراقهم ودياناتهم المختلفة ).
في عام 1933م كان هناك حوالي 720 تلميذا في مدارس الحكومة الابتدائية البالغ عددها اثني عشر مدرسة في كل المديريات الشمالية الست . يقبل من هؤلاء مائة تلميذ لكلية غردون التذكارية .في عام 1935م أنشئ معهد إعداد المعلمين بالدويم .
ليست المعايير الدراسية وحدها هي الفيصل للقبول للكلية ، بل أن الأمر يتوقف على توصية مفتش المركز . يتمتع هؤلاء المحظوظون بحياة مدرسية مرفهة من أكل ولبس وسكن ومختبرات ومكتبات وملاعب رياضية. أعرف من ضمن المحظوظين العطبراويين مجموعة من أبناء مهاجري غرب أفريقيا الجدد الذين يسكنون منطقة العشش ،وقد حرمت أنا السوداني لأني صنفت كمصري من قبل المفتش الإنجليزي الذي يؤدي واجبه في تنفيذ سياسات عليا .
لا زلت أذكر أحداث ذلك اليوم وكأنها قد حدثت بالأمس . إنه إحدى أيام عام 1934م ، أخذني الوالد لمقابلة المفتش الإنجليزي مستر جولدبيرج . كان المفتش يستمع للوالد بتبرم بيّن وهو يرجوه إصدار توصية لقبولي بكلية غردون مثل غيري من السودانيين ، ولكنه قاطع والدي في نفاذ صبر قائلا : ( السوداني يجب أن يكون مسلما أسودا ذو شلوخ قبلية ) ثم أضاف : ( إياك أن تفتح هذا الموضوع مرة أخرى وإلا سوف أرحلك إلى مصر ) ثم صرخ في عربية مكسرة : ( امشي برَة ) .
خرجنا من عنده والشعور بالضآلة والانكسار يملأ جوانحنا.من يومها بدأت كراهية والدي السلبية لكل الإنجليز. خيم الحزن والأسى على المنزل وكان وقع ذلك ثقيلا خاصة على أمي وردة ، التي لا تعرف لها وطنا غير السودان .
ليس أمامي غير الاستمرار في الدراسة بمدرسة الأقباط ويستمر معي دائي القديم الذي يسمى قواعد اللغة العربية.لحل هذه المشكلة طلب الوالد من مدرس المادة أن يتعهدني لساعة إضافية بعد الدوام المدرسي مقابل عشرة شلنات شهريا .هذه الساعة الإضافية تحتم علي السير لمسافة أربعة كيلومترات خمسة مرات في الأسبوع إلى منزل المعلم في الطرف الجنوبي من المدينة .
مدرس اللغة العربية مسلم ملتزم وقومي متحمس .كان يقول لي أن اتجاهاتك معكوسة : كان يجب أن ترسب في الإنجليزي وتتفوق في اللغة العربية ، وكان يقول في تعجب : ( كيف أحرز هذا الولد المرتبة الأولى في الامتحان !! ؟ إنها معجزة ! اسأل الله أن تتكرر المعجزة ) .
هذا الأزهري كغيره من الأزهريين يجهل كل علوم الدنيا ، ما عدا تخصصه كما أنه لا يعرف أي لغة أجنبية .
كانت أمي تصلي لنجاحي كل صباح ، وكان أبي يضع كل يوم أحد شلنا كاملا في طبق النذورات تضرعا للرب . بنهاية العام الدراسي تكررت المعجزة !! واستجاب الله لصلاة أمي!! وتقبل صدقات أبي !! فقد تبادلت الغش مع توفيق ونجحنا ثانية وأرحنا الجميع ..


**


معظم سكان المدينة يعتقدون بأن الفلاتة سكان العشش يستطيعون فعل أشياء خارقة بفعل السحر . في مرة من المرات وعندما كان عمري خمسة عشر عاما ، أعطيت أحدهم شلنا كاملا مقابل نوع من العروق قيل أن له تأثيرا قويا ،ولكن لم يحقق غرضي .عندما احتججت للساحر قال لي : (الفلوس القليلة تأتي بنتائج ضئيلة) ، فما كان مني إلا أن أعطيته شلنا آخر ولكن دون فائدة وتلك كانت آخر مرة الجأ فيها لساحر .عندما أسررت لخادمتنا نورا بخسارتي هذه ، ضحكت وقالت : ( أراهن بأنك كنت تنوي رمي فتاة في حبالك .) وصارت تستجوبني ولم تصدق أن العرق كان لقواعد اللغة العربية والفرنسية !! .

منتصر
07-09-2009, 03:45 PM
(15)



استكشاف الصحراء



بالنسبة لي فإن استكشاف الصحراء هو مشروعي الخاص ، بعيدا عن الحياة والدين والربح والخسارة .لا يستطيع الآخرون أن يفهموا لماذا أسير كل هذه المسافات في الصحراء وعلى ضفتي الأتبراوي . فقد أحببت هذه الأماكن الموحشة بسكانها البؤساء الذين حاولت الانتماء إليهم ولكني رُفِضت . لقد كانت تتملكني روحا قلقة تكاد لا تهدأ وهو ما يعد في أعين والديَ نوعا من الضياع عديم الفائدة .
في أحد الأيام قصدت إحدى المخيمات الواقعة على بعد عدة كيلومترات غربي عطبرة المقرن، و الذي علمت بوجوده من العم ديمتري وهي كما قال إحدى المحميات الطبيعية ولا يعيش فيها غير بدو الكبابيش وحراس الغابات المحمية . لقد سألت العم ديمتري في إحدى المرات : (كيف يمكن للمرء أن يدرس ويصير خبير غابات؟) ،فأجاب : (أن هذا النوع من الدراسة لا يوجد إلا في أوربا .)
لم أجد من أصدقائي من يرافقني في رحلتي إلى المعسكر المذكور .في أحد أيام الآحاد قررت تنفيذ الرحلة بمفردي ، فعبرت إلى الضفة الغربية على متن أحد المراكب ، ثم توجهت صوب الغرب .ما إن بدأت المسير حتى أوقفني عسكري هوساوي ، والذي تعجب من رحلتي غير المعهودة بالنسبة له ، ولكنه سمح لي بالمسير شرط أن أعود إليهم قبل المغيب . عندما توغلت في المسير لمسافة ميلين بدأت الأشجار في التناقص ولم يكن أمامي إلا السراب وبعض شجيرات الدوم .وبدأ يدب في نفسي الضجر والسأم . وكلما تقدمت نحو الصحراء تكاد الحرارة تأكل قدمي والألم يعصف بساقي وقبعتي لا تقيني لفح رياح السموم ، والذباب اتخذ ظهري وسيلة مجانية في رحلة صحراوية .ثم بدأت قدماي تغرزان في الرمضاء وأخيرا وصلت وأنا في غاية الإعياء والتعب
- السلام عليكم.
- و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
وقبل أن يكملوا السلام ودون انتظار أي دعوة تهالكت على برش من سعف الدوم .ومكثت هناك زهاء الساعة دون أن انطق بكلمة ودون أن يكلمني أحد تقديرا لحالتي . بعد ذلك أحضرت أحد النساء إناء من القرع مملوء بلبن النوق وطلب مني أن أشرب منه ببطء . عندما قدر زعيم البدو إنني قد ارتحت ، ابتدر الحوار قائلا :
_ اهلا وسهلا ، حمدا لله على السلامة . هل تجشمت كل هذا التعب لتزورنا ؟
أجبت باقتضاب :
- نعم .
- أهلا وسهلا ، لابد أنك عانيت الكثير في سبيل الوصول إلينا .
وبعد فترة من الصمت أضاف:
- لقد دفعنا ما علينا من الضرائب ، ألست أنت مندوب الحكومة ؟
ثم أضاف بعد أن تمعن في وجهي :
- لكنك تبدو صغير السن.
ودون انتظار لرد مني سأل في حزم :
- ما هي مهمتك ؟
- أنا لست مندوبا حكوميا ولا علاقة لي بالضرائب . جئت لأزوركم . إنني دائما ما ازور المناطق حول المدينة .
ثم سألت في استعطاف :
- ألا تريدني أن أزوركم ؟
- يا سبحان الله !! هذا منطق جديد !!ّ
صمت الشيخ وبعد أن فكر مليا قال :
- إنك لست بلص ولا تبدو شريرا !! ثم ماذا بعد زيارتنا ؟
- سوف أعود إلى بيتي الذي يقع في حي السكة حديد . أبي يعمل تذكرجي بالمحطة وانه لا يعطي تذاكر مجانا
ثم أضفت وأنا ابتسم :
- يعني مافي بقشيش.
- هذا صحيح فان الحكومة لا تترك مليما يخصها.
وهكذا كلما استمر الحوار كلما تلاشت الشكوك حول شخصي ومهمتي . تكلمنا عن شتى المواضيع ، عن قطعان الماشية و الإبل وقوافل الجمال إلى مصر (الدبوكة).
تمعنت في وجه الشيخ كانت تبدو عليه سيماء السلطة والقيادة ، له أنف طويل معقوف قليلا ولحية وشارب رماديين وشعر حليق و أسنان بيضاء وعيون سوداء وبشرة نحاسية وساقين نحيلين .

منتصر
07-09-2009, 03:46 PM
(16)



حقائق الحياة


على بعد أربعة أمتار شمال منزلنا وشرق المستشفى ، كان هناك حديقة و إشلاق لسكن شرطة السكة حديد. استيقظنا يوما لنجد كل أفراد الشرطة قد رحّلوا من ذلك المكان ، لتحل محلهم مجموعة من الفتيات من جنسيات مختلفة ، مصرية ،غرب إفريقية ،عربية وحبشية . الجنود الإنجليز يسيرون كل هذه المسافة من معسكرهم في منطقة القيقر فرادى وجماعات ، يجلسون على كنبات إسمنتية في الهواء الطلق أو تحت مظلة من الاسبستوس بنيت خصيصا لهم ، ينتظرون هناك هنيهة ثم يدخلون الواحد تلو الآخر إلى واحدة من تلك الغرف حيث تستقبله فتاة بابتسامة و تودعه بأخرى . قد أنشئ مستوصف أمام هذا المجمع وعلى كل جندي المرور عليه أولا ثم يواصل طريقه لهدفه .
أخبرت أحد أصدقاء الفصل بما رأيت ،وما لبث أن انتشر الخبر في المدرسة .جاءني كبار التلاميذ لمزيد من التفاصيل . بعد نهاية اليوم الدراسي رافقني عدد منهم وتجمعنا حول المكان نبحلق في الجنود والفتيات حتى تم مطاردتنا من قبل أحد رجال السواري.
قد كان عمري حينئذ خمسة عشر عاما وكنت جاهلا بحقائق الحياة ..همس لي عزيز -وقد صار من الأولاد الكبار : (إذا أحضرت ثلاثة أو أربعة شلنات سوف آخذك إلى فتاة رائعة لتعلمك ) . كنت وقتها أملك شلنين واستطعت أن آخذ شلنا من والدي ليصطحبني عزيز لجزء من المدينة لم أزره من قبل وقد كنت احسب أنني اعرف كل أنحاء مدينتي .
هناك عدة فتيات داخل المنزل الذي قصدناه . صديقة عزيز كانت صغيرة الجسم يلمع جسمها الأسود من النظافة ويفوح منها عطر الياسمين . نظرت الفتاة نحوي بعين خبيرة ثم قالت لعزيز : (يالك من شيطان !! الولد ما زال صغيرا ولكن يا لجماله وبياضه ) .وقالت أخرى : ( انظري لشعره الحريري وعيونه الواسعة وفمه الشهي ) . كظمت غيظي لأن مثل هذا الوصف يقال للبنات . قدم لنا فطورا وليمونادة وبعد ذلك أعد المكان لعمل الجبنة ورويدا رويدا زال القلق وتماسكت واندمجت في الحديث معهم .
أخذت فاطمة _ صديقة عزيز _ بيدي إلى غرفة في ركن قصي من الحوش . الغرفة نظيفة ومفروشة بالرمل و يفوح منها رائحة البخور .على أحد الجدر صورة ملك وملكة بريطانيا وفي الجدار المقابل صورة العائلة الملكية المصرية وفي جدار ثالث صور لنجمات السينما . في هذه الغرفة أخذت درسي الأول عن حقائق الحياة . وعند خروجنا في نهاية الزيارة أعطت فاطمة عزيز شلنا و أرجعت لي شلنين إكراما للزيارة الأولى.
في طريق عودتنا قابلنا مجيد في السوق ، وزف له عزيز النبأ الذي أفرحه .من عزيز ومجيد أخذت ثقافتي الجنسية المغلوطة وخاصة حول كيفية حدوث الحمل : ( يجب أن يمارس الزوجان الجنس كل يوم لمدة ساعتين على الأقلو لمدة ثلاثين يوما مبتدئين بعد ظهور الهلال وبعد الممارسة يجب على الزوجين الاستحمام بصابون الفنيك . ومن أهم الشروط يجب ألا يراهم أحدا وهم في ذلك الوضع ) .
قضيت الأربعة أسابيع التالية وأنا أفكر في فاطمة وخلال هذه الفترة كنت أبذل جهدي لتوفير المبلغ المطلوب .
ما إن اكتمل المبلغ حتى طرت طيرا إلى منزل فاطمة حيث استقبلت بحفاوة . كانت فاطمة تكوي بعض الملابس ، فنهضت لأمسك المكواة من يدها وابدأ في الملابس الذي أجيده واحبه ، لأني أقوم بمساعدة أمي في كي ملابس جميع أفراد الأسرة . وكانت النتيجة أن كسبت شلنين من فاطمة وبقية البنات وطلبوا مني الحضور يوم الأحد القادم لأجد الملابس جاهزة للكي مقابل قرشا للقطعة الواحدة . كان مكسب هذا اليوم عظيما ردت لي فاطمة مبلغ الثلاث شلنات إضافة إلى أجرة الكي ليصير معي خمسة شلنات . إذن لن تواجهني مشكلة يوم الأحد القادم .
في إحدى الأمسيات توقف قطار مملوء بالجنود الإنجليز في محطة عطبرة.تقدمت مجموعة منهم نحوي وخاطبني أحدهم ولكني لم أميز من قولهم غير كلمتي : بنت .. قيرل .. أشرت للمجمع الكائن في مكان القشلاق وقلت : ( بيت قزاز .. بيت قزاز ) لكنهم لم يفهموا قولي ، فأخذت أحدهم من يده وتبعنا الباقون وعندما وصلنا إلى المجمع (بيت القزاز كما صار يعرف) ضحكوا وطبطبوا على رأسي وأعطاني كل واحد منهم شلنين . بعد قضاء مأربهم عدنا جميعا إلى المحطة . طلبوا مني الانتظار وعاد أحدهم يحمل قفصا من داخل العربة ودفعه لي . كان القفص مملوءا بالمعلبات والبسكويت وحتى السجائر. حملت القفص على رأسي وأنا أسرع الخطى نحو بيتنا القريب من المحطة.
بالمعلبات أنواع من الطعام كنا نراها لأول مرة. اثانسيوس صاحب البقالة والقسيس القبطي أفتوا بأنه طعام نجس ، بالرغم أن الوالد والأعمام ديمتري وفانوس قد استطيبوه وقالوا : ( مادام نافعا للأوربيين فإنه بنفس القدر نافعا لنا ) وكان ذلك يعتبر قمة الثورية . في أحد الأيام أخذت بعض العلب إلى شيخ غيث عندما ذهبت له في منزله لأخذ درس قواعد اللغة العربية .لكن الشيخ أعطاني محاضرة عن الإثم الناتج من أكل الطعام الحرام بالرغم من أنني لم آخذ معي شيئا من معلبات لحم الخنزير . المسلمون وكثير من الأقباط كانوا يعتقدون بحرمة الطعام المعلب .
استطعت أن أبيع من هذا القفص ما قيمته ستة شلنات ليفصل لي بها الترزي الكنغولي أبو بكر قميصا من البوبلين الأبيض ذو أكمام طويلة .في يوم الأحد التالي أخذت معي بعض المعلبات لمنزل فاطمة وعندما أخبرتها بأنني أخذت الجنود الإنجليز لبيت القزاز ، قالت : ( يالك من قواد شاطر !! لقد تعلمت سريعا !! ) . وضحكنا جميعا .

منتصر
07-09-2009, 03:47 PM
(17)



جراد ، جنس وأجاويد

من مآسي السودان، الغزو السنوي لجيوش الجراد الذي كانت أسرابه في السماء تحجب ضوء الشمس مثل السحب الداكنة .وعندما يحط على مكان يجعله قاعا صفصفا . لقد رأيت فروع الأشجار تتمايل ثم تنكسر ثقلا من الجرادا .
كنا نجمع الجراد في أكياس وتقوم أمي وخادمتنا الفلاتية نورا بقليه وشيه . وقد تصل حصيلتهما في اليوم حوالي عشرة كيلوجرامات. ينشر الجراد بعد الشواء والقلي على برش في فناء المنزل ،حتى ينشف بفعل حرارة الشمس. ثم يسحن مع قليل من البهارات لمنع النمل من الاقتراب منه ثم يعبأ في صفيحة كروسين فارغة أو قربة من جلد الماعز . تضيف أمي مسحوق الجراد إلى طبخاتها المختلفة وخاصة البامية والملوخية ( مثل مرق الدجاج في أيامنا هذه ) وكان من الأطباق المحببة لنا .


**


عملت فخا من الصندوق فوق سقف منزلنا لاصطياد الحمام الخلوي ، ولأنني أريده سالما ، كان علي أن أصعد لسقف المنزل عدة مرات في اليوم لأتفقد الفخ . في إحدى المرات ومن موقعي على سقف منزلنا رأيت ،جارنا علي يمارس الجنس مع جاريته أمينة . - لعلي زوجتين سارة وجميلة وكانتا دائمتي الشجار والنتيجة أن سافرت سارة لبيت أهلها في كريمة تبرما من مضايقة جميلة لها – بالطبع راعني المنظر الذي كنت قد شاهدته من قبل بين الحيوانات، خاصة عندما يصحبني والدي مع معزتنا بلحة لمزرعة إبراهيم لتلقيحها .
بعد يومين قابلت أمينة في الغابة الجديدة .كانت هناك لتجمع حطب الحريق والجراد ،وكنت أنا في نفس المهمة.أخذت في الاقتراب منها وأخبرتها بما رأيت .ثم قلت في غرور : ( أنا أفعل ذلك أفضل منه ) فما كان منها أن قذفتني بغصن الشوك في وجهي قائلة : ( إنني أفعل شيئا حلالا إنني جاريته .إياك أن تكرر ذلك وإلا سوف أخبر علي الذي لن يهدأ له بال إلا بقتلك ) . وبدأنا الشجار ولكنها أخيرا ازعنت لرغبتي ومكنتني من نفسها . في طريق العودة كانت أمينة تقول لي : ( إنني الآن حامل منك . يالك من إبليس ، من علمك هذا ؟) لقد غمني أول الأمر كلامها عن الحمل، ولكنني بعد استدعيت ثقافتي الجنسية المستقاة من عزيز ومجيد اطمأننت وقلت لنفسي : ( إننا لم نفعل ذلك إلا مرة واحدة وفي النهار فكيف يحدث الحمل . أكيد تلك دعابة منها .)


**

في إحدى الأيام وأنا أملأ الماء من ماسورة الشارع . جاءتني أمينة وهي تحمل متاعها في قفة وأخبرتني أن عليا قد طردها من البيت . تأسفت لذلك وأعطيتها ما معي من النقود .
بعد أيام قليلة من ذهاب أمينة حضر ستة أشخاص بصحبة صديق والد علي لمقابلته نادى صديق على والدي وعلمنا أن هؤلاء أجاويد جاءوا ليصلحوا بين على وزوجاته .
في ذلك الزمن كان الناس لا يذهبون للسلطات الرسمية إلا بعد نفاد كل الجهد الأهلي .رحب والدي بالضيوف وأرسلني لأبلغ أمي بوجودهم ._ لقد كان من العيب أن تحصي عدد الضيوف _
واستمر الحوار لمدة يومين وبعدها توصل الجميع لعدة قرارات منها :
أن ترجع أمينة لتعيش في بيت علي بعد أن اعترف بأبوته للجنين وأن يعتقها ويتزوجها إذا ولدت له مولودا ذكرا ..وأن تعود سارة من كريمة بعد كسوتها ترضية لها .كذلك أقر الأجاويد أن تبقى جميلة في بيت أبيها لمدة ستة شهور عقابا لها .
جيء بأمينة إلى منزلنا وقامت والدتي ونورا باصطحابها إلى منزل علي . ولدت أمينة ولدا ذكرا ولكن ولدهشة الناس رفضت أمينة أن تكون حرة بل فضلت أن تكون جارية لعلي ولكن ابنها سيكون حرا طالما أن أباه حر وهذه عادات وتقاليد مجتمعنا .

منتصر
07-09-2009, 03:47 PM
(18)


أنا و إبراهيم

لقد كنت شاهدا على دراما بيت علي ، وكنت الشخص الأكثر معرفة بجوانب كل الموضوع ،و إنني أملك من أسرار بيت علي لو أفصحت عنها لأودت بي إلى المهالك .
كانت جميلة هي الخاسرة من قرارات جماعة الأجاويد. لذا يبدو أنها تريد تعويض خسارتها بخيانة علي ‍‍‍‍‍، فقد رأيتها وهي بين أحضان إبراهيم الكناري . كانت جميلة تتخلص من أمينة بإرسالها للغابة ليخلو لها الجو مع إبراهيم . كنت أنا أحيانا أفضل اللحاق بأمينة وأحيانا أخرى أفضل الصعود على سقف منزلنا للتفرج على مسلسل إبراهيم وجميلة .
في أحد المرات لمحني إبراهيم وأنا أبحلق في المنظر فما كان مني إلا إن هرولت نازلا من السقف .نادى علي إبراهيم وهو يحاول أن يجعل صوته عاديا . لقد خمنت السبب ، وما أن اقتربت منه حتى بادرته :


- سرك في بئر.
رد إبراهيم في هدوء :
- أيٌ سر ؟
- لقد رأيتكما معا .
- رأيتنا..‍‍‍‍‍‍‍.‍‍‍‍‍‍‍!! ماذا تقصد ؟
- أنت وجميلة .
- أين كنت ؟
- واقفا على السطح أنصب شراكي.
- لا .. لا .. أنت واهم.
- أنا متأكد . منذ شهور وأنا أراقبكما .ولم أخبر أحدا .
- يالك من ولد رائع !! أنت شخص يستحق الثقة . تعال معي لأكافئك بقليل من السمن والزبد
.

قفزت خلفه على الحمار . ساق إبراهيم حماره صوب قريته ولكنه كان يميل قليلا.. قليلا.. نحو اليمين حيث الصحراء وتعمقنا خلف الصحراء حوالي أربعة كيلومترات . ترجل إبراهيم من حماره خلف أحد تلال الرمال ، وهنا بدأت الشكوك تراودني ولكن لعلاقة إبراهيم بعائلتنا استبعدت كل الشكوك .
طلب مني إبراهيم ناهرا أن أترجل . وما أن وطئت قدماي رمل الصحراء الملتهب ، حتى سل إبراهيم سكينه أمام وجهي قائلا :
- لقد سعيت إلى حتفك بظفرك . الآن احفر قبرك بيديك .
نظرت لإبراهيم وأنكرت عيناي منظره !! كانت عضلات وجه ترتجف !! لا بد انه يعني ما يقول .. ولأول مرة في حياتي أشعر بالخطر من إبراهيم .لو سئلت في تلك اللحظة ماذا أتمنى؟ لقلت جرعة ماء ثم الموت !!
قلت بصوت آت من حنجرة جافة :
-
إنني أترجاك يا إبراهيم .. ارحمني .. أنت تعلم مَعَزَّتك عندي ، ولهذا لم أخبر أحدا . لا أحد البتة يعلم بهذا الأمر ، كما قلت لك من قبل إن سرك في بئر .
- إنك تكذب .لابد انك أخبرت بعض الأولاد ، الآن أخبرني ، من من الناس أخبرت ؟
- أقسم بالله العظيم لم أخبر أحدا.
- هيا استمر في الحفر لأنتهي من أمرك سريعا
.

بدأت في البكاء وأنا أزيح الرمل من القبر الموعود ولم أستطيع أن أحفر أكثر من قدم أو قدمين . وفي لحظة يأس حاولت الهرب ولكن هيهات ، لقد تعثرت رجلي تحت عصا إبراهيم التي رماها نحوي كأنه يصطاد غزالا.
قال إبراهيم بوعيد أشد:

- لن تفلت من يدي .أخبرني من غيرك يعرف ؟
قلت بين دموعي :
اقسم لك بالله ألف مرة : لا أحد .. لا أحد
- إذا أخبرتني قد أعفو عنك . ألا تريد أن تعيش ؟
- أرجوك صدقني ،، لقد أقسمت لك.
- كيف أعرف أنك تقول الحق ؟
- يجب أن تصدقني ، إنني لم أخبر أيٍ كان .. لا إنسان ولا حيوان حتى كلبنا جون ووكر لا يعرف .
ثم أضفت :
- أنت وجميلة أصدقائي ، فلماذا أكشف سركما ؟ وهو أمر لا يهمني في شيء، ولا يهم غيري ، إنه أمر يخصكما وحدكما .
- ولكن ، لماذا كنت تتجسس علينا كل هذه المدة ؟
- هذا فضول مني .لقد مضت ستة شهور منذ أن رايتكما أوَل مرة، فهل سمعت ما يدل على كشف السر ؟ وحتى إذا سمعت ، فأنا لست المصدر.
- هيا.. هيا احفر
- إذا عفوت عني ، سوف أكون عينا لك وآتيك بأي كلام يقال في هذا الموضوع .
- لماذا جئت لتخبرني ؟
- لأنك رأيتني.
- سوف أصدِقك ، ولكن إذا سمعت أي كلام من أي جهة ، فسوف أحاسبك أنت . ويومها لن ينفعك قسمك الكاذب
.

لم أصدق بأني نجوت من الموت ، فقد كان إبراهيم يرغي ويزبد من الغضب . وأخيرا عاد لإبراهيم وجهه الذي أعرفه منذ وعيت الحياة . صحبني إبراهيم إلى القرية ليعطيني اللبن والزبد .
سرنا نحو حلة كنور وأنا أخُر في عرقي والشمس ترسل لهيبها من فوقنا ومن تحتنا . عند وصولنا إلى بيت إبراهيم ،و ما إن رأيت الزير (جرة الماء) تحت أحد الأشجار حتى هرولت نحوه ،ولكن إبراهيم أوقفني محذرا : (لا تشرب كمية من الماء البارد دفعة واحدة ولا تصبه على رأسك ) .وقدم لي بدلا عنه قرعة مملوءة بالروب هذا هو إبراهيم الذي أعرفه .. إنسان مفعم بالعطف والأبوة .
زودني إبراهيم بالزبد والحليب و اردفني على الحمار مع ابنه ليوصلني وهو في طريقه ليسد نوبته المسائية بمصلحة السكة حديد .وفي الطريق راودني ابن إبراهيم عن نفسي وتحولت مراودته إلى تهديد ، فما كان مني إلا أن أوقعته من على ظهر الحمار وأغتاظ من ذلك وضربني على رأسي بعصاه التي يسوق بها الحمار ، ركب حماره وتركني في الطريق لأكمل رحلة ثلاثة أميال مشيا في هجير تتصدع منه الأحجار وتنوء من تحته الرمال .


**


وصلت بيتنا وأنا في غاية التعب والإعياء ولم استطع أن أنام ليلتها .أخذت أعيد شريط هذا اليوم العاصف.في صبيحة اليوم الثاني لم استطع الذهاب إلى المدرسة لأنني أصبحت والحمى تعض في جسدي. في المساء ساءت حالتي وتجمع الأهل والجيران حولي وهم في غاية القلق . ذهب والدي لمقابلة الطبيب الإنجليزي وعاد بدواء للملاريا وأقراص أسبرين.في صباح اليوم التالي دخلت في غيبوبة وبدأت الوالدة ونساء الحي في النواح علي، وإن بعض المتسرعين أرسلوا للقسيس ليستعد لقرع جرس الكنيسة إعلانا للنبأ ودعوة لحضور القداس .
انتشر خبر مرضي في جميع أنحاء عطبرة سكة حديد وجزء من عطبرة البلد حتى وصل لأذن الطبيب الإنجليزي ، فجاء إلى منزلنا بصحبة زوجته كبيرة الممرضات بالمستشفى . بعد الفحص أعلن الطبيب أن الولد يعاني من ضربة شمس حادة وإصابة بالرأس لا يعرف لها مصدر .أمر الطبيب بنقلي من الغرفة إلى فناء الحوش وكتب وصفته وأمر أن توضع رجلي في الماء البارد .


**


في اليوم الخامس قال إبراهيم أن عينا شريرة قد أصابت الولد ولا بد من عمل رقية له. أخذني إبراهيم إلى إحدى الغرف وأغلق نوافذها بعد أن أخلاها من الناس .ثم قام بحرق بعض البخرات مع لبان البخور واللبان المر وقام بوضع المبخر تحت طيات ملابسي حتى يصل الدخان إلى جميع أجزاء جسدي . أثناء ذلك كان إبراهيم يتكلم كلاما طيبا وأكد على صداقتنا وأخبرني بأنه قام بجلد إبنه عقابا على تصرفه معي .
بعد البخور قام إبراهيم برسم علامة الصليب على كل أجزاء جسدي .إبراهيم مسلم ملتزم ولكن رسم الصليب من الممارسات الطقوسية على طول النيل الشمالي ومنها رسم صليب من الكحل للمولود الجديد وهذا من جراء التأثر بالثقافة المسيحية التي سادت المنطقة في السابق وأسست لها ممالك ( علوة والمقرة) قبل ظهور السلطنة الزرقاء. إنني أصدقكم القول إذا قلت لكم إنني شعرت بالتحسن بعد رقية إبراهيم .
أخذ إبراهيم شيئا محروقا من المبخر ليريه الناس خارج الغرفة قائلا : ( هذه هي العين الشريرة التي أصابته ، لقد أخرجتها ) . قابل الناس كلام إبراهيم بالفرح والثناء عليه وعلى مقدراته.
بعد أربعة أسابيع تماثلت للشفاء تماما وقام الأهل بعمل كرامة ( الكرامة وليمة لمناسبة سعيدة ).

منتصر
07-09-2009, 03:48 PM
(19)



عطالة



في إحدى أيام ينائر عام 1934م قدم إلى مدرستنا من القاهرة خمسة من مفتشي التعليم . في أحد أيام الزيارة دعيت إلى مكتب المدير جرجس أفندي بطرس فوجدت هناك مجموعة المفتشين ومعهم المدير وبعض المدرسين منهم الشيخ غيث مدرس اللغة العربية ووجدت أمامهم كراساتي وتقاريري المدرسية . ابتدرني أحدهم قائلا : ( إنك من المواليد ويحق لك الالتحاق بكلية غردون التذكارية .) .بعدما حكيت لهم حادثة مقابلتي أنا والوالد للمفتش الإنجليزي ، استغربوا الأمر وعلق شيخ غيث قائلا : ( فرِق تسد)
في الجمعة التالية ألقى الشيخ غيث في مسجد المدينة الواقع قرب ميدان الموالد خطبة شهيرة رحّل بعدها إلى مصر مع المفتشين الخمسة ومدير المدرسة .


**


بعد ثلاثة أسابيع من سفر الناظر جرجس وشيخ غيث ، حضر البديل لهم من أقباط مصر ولكنهم كانو الشر بعينه !! لقد عانيت من معاملتهم ما عانيت .خاصة مدرس العربي عبده أفندي ، لقد صحت فيه عندما فاض بي الكيل قائلا : ( إن الشيخ غيث والناظر جرجس لا يفعلان مثلكما ، لقد أصبحت هذه المدرسة لا تطاق ) ثم قفزت من الشباك مهرولا إلى منزلنا وكان هذا آخر عهدي بمدرسة الأقباط بعطبرة .


**


بدأت البحث عن عمل منذ صباح اليوم التالي من تركي للدراسة . لقد حفيت قدمانا أنا وعزيز _الذي هجر الدراسة بدوره – في سبيل البحث عن عمل . وأخيرا جاء الفرج بإيجاد وظيفة في استراحة السكة حديد التابعة لمصلحة المرطبات وهي عبارة عن فندق ذي مبنى أنيق ، يختفي خلف الأشجار في الحي الإنجليزي وكل نزلاءه من الإنجليز .
استلمت الوظيفة وأخذت التعليمات السخيفة من السيدة الاسكتلندية المسئولة عن الاستراحة : لا تصافح ، لا تطلب بقشيشا ،التزم بزي العمل ، استحم ثلاثة مرات في اليوم و… و… .
أبديت الموافقة والرضوخ لكل التعليمات .أعطيت وجبة إفطار لا يزال طعمها الشهي عالقا بفمي . ولكن بعد ساعتين أخبرت بأنه قد صُرِف النظر عن تعييني لأن المطلوب للوظيفة ولدا أسودا !! هكذا تقول اللوائح !!
وقد شاء القدر أن أعاني التفرقة في العمل كما عانيتها من قبل في الدراسة .
صرت عصبي المزاج ، كثير المشاكسة في البيت وفي الشارع . لقد فَتَّ عدم العمل أعصابي ومزاجي _ لا يقدر معاناة عدم العمل إلا من ذاقه _ أكثرت من صلواتي وذهابي للكنيسة من أجل العمل . كنت تجدني أحيانا مثال المؤمن المتدين ثم انقلب إلى متشكك . في أحد الأيام أعطاني الوالد قرشا لأضعه في طبق النذورات ولكن بدلا من ذلك أدخلت يدي في الطبق وأخذت شلنا كاملا وكاد عزيز أن يموت من الهلع عندما رآني أفعل ذلك ولكنني طمأنته متفلسفا : (هذا مال الرب وهو القائل لئن شكرتم لأزيدنكم ) . وفي المرة القادمة وضع عزيز قرشين في الطبق ولكن أخذ بدلا منهما شلنين .

منتصر
07-09-2009, 03:50 PM
(20)



نورة


سوف أعود بكم إلى أربع سنوات مضت لأحكي لكم قصة نورة خادمتنا المنزلية :-
في أحد الأمسيات من تلك السنة حضر شحاذ طاعن في السن ، ضرير العين إلى منزلنا ، تقوده بنته ذات الستة عشر ربيعا . عندما داهمهم الظلام أمام منزلنا سمحنا لهم بأن يقضوا الليل في سرير أبي الموضوع أمام المنزل. صحونا صباح اليوم الثاني وبلغنا أن ذلك الرجل قد توفاه الله ، تاركا إرثا مقدرا بعشرة جنيهات وهي ثروة بمعيار ذلك الزمن . آوينا الفتاة في منزلنا حتى نجد لها حلا . في ذلك الوقت كانت أسرتنا المكونة من ولدين وبنتين ، أسرة تنمو وتزداد متطلباتها، ورغم ذلك لم يتردد الوالد لحظة في استضافة نورة .ولما لم يسأل عنها أحد استمرت نورة تعمل معنا كخادمة منزلية وقد تعلمت فن تدبير المنزل من أمي وردة .
فارقتنا نورة إلى مصر بصحبة زوجها المصري عباس وهو عامل مصري أبعد إلى مصر وقد قام العم فانوس بتدبير هذه الزيجة لها . ولم ينسى الوالد عند الوداع أن يدس لها مبلغ العشرة جنيهات وهو المبلغ الذي وجد مع والدها عندما حضرته الوفاة.

منتصر
07-09-2009, 03:50 PM
(21)


الأعمام


دعني أكتب لكم قليلا عن الأعمام ديمتري وفانوس لتأثيرهم الكبير على حياتي :-
ديمتري هو زوج خالتي عائدة ، ولد في مكان ما.. في يوما ما.. في السودان _ كان الناس في تلك الأيام وإلى قريب من هذا الزمن لا يهتمون باستخراج شهادات الميلاد _ تلقى تعليمه في كلية غردون وعين مترجما بمكتب السكرتير الإداري . كان فرحا بهذه الوظيفة لأنها تتيح له الاطلاع على كثير من المعلومات التي تشبع رغبته الطامحة إلى المعرفة .كانت علاقته مع كبار الموظفين الإنجليز تتيح له استعارة بعض الكتب والدوريات ، ولكن لم يتم هناءه بهذه الوظيفة فقد تم نقله إلى وظيفة أخرى بعطبرة ، حيث وجد في مكتبة النادي المصري مرتعا خصبا لإشباع نهمه للمعرفة .تولى سكرتارية النادي وفي عهده عرفت عطبرة النشاط المسرحي .كان يشاغب السلطات الإنجليزية في مسرحياته مما تسبب في إبعاده إلى مصر. لكنه احتج على ذلك بأنه سوداني وطالب بتعويض قدره مائة جنيه ، إضافة لمعاش شهري ثابت . ترك زوجته عائدة في السودان ومعها مبلغ المائة جنيه وغادر إلى الأقصر حيث مكث بعض الوقت ومنها للقاهرة حيث التحق بوظيفة مع وكالة السودان بالقاهرة التي كانت في حاجة إلى مترجم ممتاز . صار يحضر للسودان في مهمات تتعلق بعمل وكالة السودان .ثم استقر أخيرا في عطبرة . كان معتدا برأيه ، لا يكتمه حتى مع رجال الإدارة الإنجليزية .أذكر أنه عندما كان رئيسا للجنة المدرسة القبطية قد رفض طلبين للإدارة الإنجليزية يتعلق الأول بقبول أبناء الفلاتة بالمدرسة والثاني بدفع رواتب أعلى لبدلاء للمعلمين المبعدين .
ولد العم فانوس في اسناء وهو كذلك ليس له شهادة ميلاد وكذلك تخرج من كلية غردون ثم ابتعث لمصر لدراسة المحاسبة ليكون محاسبا للمؤسسة الزراعية السودانية التي يتبع لها مشروع الجزيرة .

منتصر
07-09-2009, 03:51 PM
(22)




صبي خبَّاز



أخيرا وجدت وظيفة في مخبز إفرنجي براتب وقدره جنيها واحدا في الشهر مقابل العمل أربعة عشرة ساعة في اليوم ، إضافة لذلك كنت أمنح رغيفا يوميا ، كما كان يسمح لي بأكل رغيف من الخبز الذي لا تنطبق عليه مواصفات البيع وكان صاحب المطعم الإغريقي يسمح لي بأخذ الخبز الناشف .
يبدأ العمل في المخبز في الخامسة صباحا . كنت أقوم بحصر كل الإنتاج وآخذ منه ألف رغيفا في سلة كبيرة (قفة) وأضعها على دراجة هوائية لأبدأ التوصيل للمنازل . كان عليَ أن أخدم أكثر من مائة شخص جلَهم من الإنجليز . فقد كنت وزميلي زكي نعمل خمسة رحلات في اليوم ،لنوزع آلاف الأرغف .كنا نبيع لكل من يستوقفنا في الطريق بسعر قرشا لكل قطعة .كان السودانيون يتكالبون على الخبز الأبيض – وهو الأغلى سعرا – بينما الإنجليز يفضلون الخبز الأسمر.هناك مخبزان آخران في المدينة ،شروط العمل فيهما تكاد تكون متطابقة. وكذلك نوعية الخبز ، ولكن مخبز مخدومنا الإغريقي يزيد عليهم بعمل الخبز الأسمر لمقابلة طلب الإنجليز .
كنت أعود لبيتنا حوالي الساعة السابعة مساء لأتناول عشائي ثم أذهب للنوم لأصحو قبل الخامسة للذهاب لعملي ، لذا كنت نادرا ما أرى اخوتي أو أحدا من أصدقائي عدا كلبنا جون ووكر الذي يتبعني إلى عملي ذهابا وإيابا .
احتفالا بأول راتب ذهبت مع الوالد إلى البقالة الإفرنجية لشراء زجاجة بيرة فاخرة بمبلغ خمسة شلنات . بعد العودة للبيت وبينما نحن نتناول طعامنا في صمت كسره صوت أمي وردة وهي تجهش بالبكاء : ( صبي خبَاز !!! ، أبني أنا .. صبي خبَاز !! ) ثم نفضت يدها من الطعام وذهبت لسريرها لتبكي في صمت . غصَ الطعام في حلوقنا وتوقفنا عن الأكل .قمت أنا بتنظيف الطبلية (السفرة ) وأخذت باقي الطعام لأضعه في النملية (لا نملك ثلاجة)


**


عند بداية الشهر الثالث سمح لي صاحب العمل أن آخذ إجازة أسبوعية ، فاخترت يوم الأحد . وفي أحد الآحاد ذهبت للكنيسة الكاثوليكية .هناك قابلت الراهبة التي درَستني طفلا ، حيتني الراهبة وأثنت على اجتهاد أختي خالدة . ثم استدركت قائلة : ( مبروك !! لقد صرت رجلا عاملا..هل أنت سعيد في عملك ؟ ). وعندما أجبت بالإيجاب قالت : (يالك من كذاب صغير!!إن مكانك مدرسة كمبوني بالخرطوم ، سوف أتكلم مع والدك في هذا الأمر .الآن اذهب للأب تومازينو ليصلي من أجلك ).


**


بنهاية الشهر الثالث بدأت تبدو عليَ علامات اليأس والقنوط وعدم الرضا ،بالرغم من المعاملة الطيبة من صاحب العمل وبقية العاملين . كنت أشعر كأني محبوس داخل قفص ،خاصة عندما أتصفح المجلات الإنجليزية المصورة . لقد كانت تمتلكني رغبة جامحة في مغادرة السودان والسفر لتلك البلاد .قال لي زميلي زكي ناصحا :
- إذا كنت تود الذهاب إلى هذه البلاد ، تعلَم لغتهم.
- هل تعلمت أنت اللغة العربية قبل مجيئك من غرب إفريقيا ؟
- إنني لست في حاجة إلى ذلك ! ، يمكنني أن أتكلم لغتي في أي مكان في السودان . ونحن الآن أكثر من نصف سكان عطبرة.
- إذا سوف تهيمنون على المدينة في المستقبل القريب.
- و سوف نأكلكم أكلا .
ثم أضاف ضاحكا :
- ما ألذَ اللحم الأبيض .


**


في أحد أيام شهر يونيو عام 1934م ، أيام الحرب الإيطالية –الحبشية ، ا أخبرني أبي بأنني سوف التحق بمدرسة الأقباط بالخرطوم _ صرف النظر عن مدرسة كمبوني بتوجيه من مستر جولدبيرج _.
بعد أسبوعين أخذنا أنا ووالدتي و أخوتي القطار ( كانت أمي حبلى في شهرها السابع وهي في طريقها لتضع مولودها بمنزل الأسرة بود مدني ) إلى الخرطوم . وكنا تحت رعاية واهتمام مبارك أفندي فضل الله كمساري التذاكر وصديق الوالد .
بدأت الرحلة في الصباح الباكر وبعد شروق الشمس بدأت ملامح الفقر تفصح عن نفسها . الأرض جرداء ، لا يوجد سكان شرق الخط الحديدي . الهياكل العظمية تلاحق القطار من أجل فتات من الخبز ، إنها نفس المشاهد التي ذكرتها لكم في رحلتي من أبى حمد لعطبرة عند رحلة العودة من إسنا .
توقف قطارنا لمدة نصف ساعة في مدينة شندي عاصمة الجعليين . لفت نظري بعض النساء العجائز وهن يجتهدن لبيع الروب في سعون جلدية (قرب) .
عندما قمت برحلة في هذا الطريق عام 1986م- أي بعد ثلاثين عاما من خروج المستعمر- تذكرت تلك الأيام الخوالي. بالرغم من ازدياد العمران فما زال الفقر والإهمال هما سيدا الموقف .

منتصر
07-09-2009, 03:52 PM
(23)



ود مدني : النبوءة


استقبلنا في محطة الخرطوم الخال لبيب . ركبنا الترام من أمام محطة السكة حديد في طريقنا إلى المسالمة بأم درمان .سار بنا الترام وسط السوق مرورا بالحلواني وكازينو كبَاتي ، كما توقف بالقرب من المدرسة القبطية ( التي سوف التحق بها بعد شهرين) وكذلك توقف قرب شركة النور والماء وجنينة النزهة (حديقة الحيوانات). ثم توقف بالقرب من اللأسكلة ( محطة المقرن للبواخر النيلية) ثم عبرنا على جسر النيل الأبيض إلى أم درمان، حيث نهاية الرحلة عند المحطة الوسطى. بالقرب من هذا المكان توجد سينما برمبل وبعض المقاهي والحوانيت والجامع الكبير وبنك باركليز وبعض سيارات الأجرة والحناطير وعلى العموم هي منطقة كثيرة الزحام ،خاصة لنا نحن القادمين من عطبرة .
يقع منزل خالنا لبيب في حي المسالمة شرق الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ومنزل القسيس .يتكون حي المسالمة من ثمانية صفوف من البيوت الطينية .نشأت حي المسالمة مسألة تستحق الذكر : عندما استتب الأمر للمهدي وصار لا ينازعه أحد في حكم السودان، جمع له جميع القبط ،وجئ بهم لأم درمان . منحت كل عائلة أرضا لتبني عليها منزلها وقطعة أخرى على ضفة النيل الأزرق للزراعة ،وصاروا يعرفون بالمسالمة أي الذين اعتنقوا الإسلام ،كما يوجد عدد من المسالمة في الخرطوم في المنطقة حول الكاتدرائية القبطية الحالية . في غياب الكنائس شجع المهدي كثير من القبط والأوربيين لاعتناق الإسلام لذا بعض عائلات المواليد اعتنقت الإسلام في حماس وبعضهم صار من المؤذنين . وبعضهم اعتنق الإسلام رياء" . من القصص التي تحكي في مجتمع المسالمة عن ذلك القبطي الذي اعتنق الإسلام حتى أوكل إليه القيام بأمر المسجد والآذان ، ولكن لحظه التعس فقد شاهده أحد الدراويش وهو يرسم علامة الصليب عندما مر بمكان الكنيسة المهدمة . قبض على القبطي التعيس وجلد بالقرب من مكان الكنيسة وطلب منه أن يتوب ويلعن الكنيسة ، فاستجاب راضخا .بعد ذهاب الدراويش التفت القبطي إلى الكنيسة المهدمة قائلا : ( إن ما في القلب في القلب يا كنيسة مسيحنا العزيز) .
سألت الخال لبيب عمَّا إذا كان هناك مهاجرون من غرب إفريقيا ، رد الخال ضاحكا : ( نعم * وأعدادهم في ازدياد . لقد علمت بصداقتك معهم.. إنهم يتمركزون في غرب أم درمان وقد حقق بعضهم ثروة مكنته من الانتقال إلى أحياء أم درمان الأخرى ).
جاء الجيران لتحيتنا والتعرف علينا ، ومن بينهم اختار القدر اثنين منهم ليلعبا دورا كبيرا في حياتي هما فؤاد و أخته عزيزة .

**


في اليوم السابع اصطحبنا الخال إلى محطة السكة حديد بالخرطوم لنكمل رحلتنا إلى ود مدني . بعد أن زودنا بالطعام كأن الرحلة سوف تستغرق عدة أيام . ولم ينسى الخال أن يرسل معنا هدايا للحبوبات .
هذه هي زيارتي الثانية لود مدني . كان استقبال أهلنا في مدني جياشا بالمشاعر وخاصة بالنسبة لأمي وردة التي تحب و تقدس ود مدني .لقد استضفنا في الغرفة التي ولدت فيها أنا ووردة وأخي رمسيس والتي يرجع أثاثها إلى عهد الجد مكوجي .أقاربنا في مدني كثر وأذكر منهم بالإضافة للحبوبات * أعمام وردة الثلاثة والذين يجب أن نناديهم بلقب جدي *أخو وردة الخال جاد الرب وأزواج أخوات وردة نجيب ، كامل وأسعد. جاد الرب يعمل مترجم ونجيب فني وكلاهما يعمل في مشروع الجزيرة.كامل يعمل نجارا وله ورشته الخاصة ، أما أسعد فيملك حانوت صغيرا يديره بنفسه . في إجازتي كنت أكثر من الجلوس أمام حانوت الخال ، أراقب الزبائن ذكورا وإناثا من كل الأعمار .كانت القوة الشرائية ضعيفة لذا تجد الشراء بكميات قليلة _قرشا ونصف قرش أحيانا وكانت حركة الشراء من الضعف بحيث تمكن الخال من أخذ غفوة على العنقريب (سرير من خشب وحبال) أمام الدكان تحت شجرة النيم . كل هؤلاء الأخوال لا يملكون إلا ما يسد الرمق ولكنك تجدهم قنوعين مطمئنين إلى حياتهم .
لا يختلف سوق ود مدني عن أسواق أم درمان و عطبرة كثيرا. ينقسم السوق إلى عدة أقسام حسب النشاط ويسمى كل قسم زنكا فتجد مثلا زنك الخضار ، زنك اللحم وزنك الخردوات .
كانت ليالي الأنس تعقد يوميا في حوش مكوجي وذلك بمناسبة قدومنا . كان فرح الحبوبات بإجازتنا كبيرا ، وأذكر أن حبوبة خالدة ، التي تنتمي إلى قبيلة الجعليين _ استنبط ذلك من الشلوخ التي على خديها _كانت تحتضنني كل صباح وتشمني وتفعل ذلك عند عودتي من الخارج .لا أذكر أبدا أن الحبوبة قد قبلتني وعلمت فيما بعد أن الشم هو عادة جعلية تقابلها القبلات في مجتمع المواليد .في أحد ليالي الأنس خطر لي أن أحكي لهم الحلم الذي رأيته بالأمس .ما أن بدأت أحكي حتى كان الجميع آذانا صاغية : ( رأيت فيما يرى النائم إنني أحمل مقشاشة ( مكنسة من سعف الدوم ) وأقوم بكنس حوش منزل الجد مكوجي .كنت كلما أكنس يظهر لي مبلغا من النقود من مختلف العملات وكنت أجمع الفلوس ثم أعود للكنس وتظهر لي مبالغ أخرى و تابعت الكنس والجمع وأنا في غاية التعب والعطش) ورأيت في الحلم ( إنني أعطي معظم المبلغ لوالديَ واخوتي ) ( وقد أعطيت مبلغا للوالد قائلا له :{إن أمي ستضع بنتا !! خذ هذا المبلغ للمولود الجديد} ثم أعطيه مبلغا آخر قائلا :{ إن أمي سوف تضع بنتا ثالثة بعد سنتين !!} وما أن وصلت نهاية الحلم حتى صاح الجميع : ( وردة سوف تضع بنتا .. سوف تكون بنتا ..) وبعد أسبوع من الحلم أهدت لنا وردة أختا ثانية سميت سمسمة !.
في اليوم التالي للحلم ذهبت مع الخال نجيب لمكان عملة بورش مشروع الجزيرة . لقد سعدت بمساعدة الخال وهو يفكك إحدى المكائن ، فقد كنت أساعده بغسل الأجزاء المفككة بالكيروسين .
عرض عليَ مراقب الورشة الإنجليزي تعييني في وظيفة تلميذ صنائعي مع الخال ، مقابل مبلغ ثلاثة جنيهات في الشهر . لقد أثلج هذا العرض صدري ، ووافقت على الفور .كما أن الخال شجعني قائلا :( إن هذه المهنة تناسبك وقد راعى المراقب تعليمك فعرض عليك ثلاثة جنيهات بدلا من جنيها واحدا ) ثم أضاف : ( أراهن أن أيوب سوف يرفض ولكن .. سوف نحاول .. سوف أرسل له برقية اليوم ).
في اليوم التالي دعانا المراقب الإنجليزي ليشرح لنا مهام الوظيفة ومستقبلها ، واشترط علينا موافقة مكتوبة من ولي الأمر . ألحق الخال برقيته للوالد بخطاب واف شرح له كل الأمر وطمأنه إنني سوف أكون تحت رعايته .
بعد أسبوع وصل رد الوالد … لقد رفض .. . لقد امتلكني الغضب وكل من حولي وخاصة الخال نجيب الذي لم يملك أعصابه عندما وصف الوالد : ( أيوب غبي … أيوب أحمق … أيوب متسرع .. أيوب لا يكترث برأي الآخرين من حوله ).
اتفق معي الخال أن لا نخبر المراقب إلا قبل سفري بيوم ،حتى لا أمنع من دخول الورشة .. وقد كان .. قبل سفري بيوم أخبرنا المراقب برفض الوالد. ما أن سمع المراقب الخبر قال في اشمئزاز بائن : ( والده سخيف ، إن أداء الولد المدرسي دليلا واضحا بأنَنا قدمنا له الأفضل ) ثم أضاف وهو يودعنا ( إنها مأساة).
كانت حبوبة الشول ملح ليالي الأنس وذلك لقراءتها الطالع برمي الودع . في اليوم الأخير من إجازتنا أعلنت الحبوبة بأنها سوف تقرأ طالع الولد صوص في جلسة خاصة. كان حضور تلك الليلة من الأهل كثيفا ، حتى الخال أسعد أغلق حانوته وجاء ليشارك .
ابتدرت الحبوبة الكلام قائلة : ( منذ مجيئكم من عطبرة وأنا استشير ودعي عن مستقبل عزيزنا صوص ، وحان الوقت لأعلنه لكم ) .ثم قامت برمي الودع خمسة رميات سريعة متتابعة وهي تهمهم بين كل رمية وأخرى كأنها تخاطب الودع ، ثم أجلستني أمامها وتنحنحت – وهنا صمت الجميع _ ثم قالت بعبارات فصيحة و صوت عميق وواضح لم تمسه الشيخوخة إلا مسا خفيفا : (يا ولدي … لقد كانت لك طفولة سعيدة ، فعلت فيها الكثير مما ترغبه ولكنك لن تصل دائما لمبتغاك ، ولكني أؤكد لك بأنك لن تعطي كل قلبك لامرأة واحدة .إنك صديق وفي ولكنك لست بزوج مخلص في الغالب . سيحدث أن تعطي قلبك لامرأة واحدة ، ولكن لزمن قصير بسبب أحداث مأساوية ). قالت حبوبة ذلك والدمع يكاد يطفر من عينيها . أعادت حبوبة رمي الودع ثم نظرت إليَ مليا وقالت كأنها تقرأ من كتاب مفتوح : (سوف تعيش إلى ما بعد السبعين بقليل و تموت غريبا في أقاصي الدنيا ولن يحضر أحدا من أهلك وفاتك وسيسمعون بها بعد مرور بعض الوقت ).
لملمت الحبوبة شتات ودعها ووضعته هنيهة في قبضة يدها المتغضنة بفعل الشيخوخة ثم رمت به إلى الرمل المفروش أمامها ثم قالت : (ستحوز تعليما ممتازا ، أفضل من كلية غردون بمراحل ، سوف يستفيد أهلك والكثيرين من ثمار جهدك . سوف تعيش في يسار ولن تشكو الفاقة أبدا ،ولكنك سوف تعاني من سوء فهم الآخرين لك) وفي رمية أخرى قالت : (سوف تكون شابا لعوبا منطلقا ،ولكن سوف يتغير ذلك بعد الأربعين، فستصير رجلا حكيما متسامحا ذو قلب كبير ) . قالت في إحدى الرميات : (على الرغم من حرصك لإسعاد الآخرين ، لكنك تبدو أنانيا في بعض الأحيان )
ما إن انتهت حبوبة من قراءتها حتى ترامت التعليقات من كل صوب : ( تعليم أفضل من كلية غردون !! أين هذا التعليم ؟ ) وقال آخر مهاذرا : ( الشول اختلط عليها الأمر لأنها في عز شيخوختها )
الآن مضت خمس وأربعون عاما من تلك الجلسة وأنا جد مذهول لأن كل ما تنبأت به حبوبة قد تحقق كما سترى في بقية الفصول .

منتصر
07-09-2009, 03:53 PM
(24)




مدرسة الاقباط الخرطوم 1934 م



عدت من مدني لأم درمان لالتحق بمدرسة الأقباط بالخرطوم .كنت اسكن مع خالي لبيب بحي المسالمة. نستغل كل صباح الترام سويا من أم درمان للخرطوم ، لأنزل أنا قرب المدرسة في مكانها الحالي في شارع غردون (الجمهورية الآن) ويواصل الخال لمدى محطتين إلى مكان عمله .
لقد قبلت بالسنة الثانية .بعض الأولاد يبدون أكبر مني سنا ، ولكن الغالبية تصغرني بثلاثة سنوات تقريبا .
من البداية لم أحب ذلك الجو المدرسي . لقد نشأت وترعرعت في أحضان مدينتي الحبيبة عطبرة ، وقضيت سنوات الدراسة السابقة هناك بين أهلي وأصدقائي .. كل ذلك مقدور عليه ولكنني قدصنفت ضمن القسم التجاري ،واستبعدت من القسم العلمي .هذا يعني أنني لن أستطيع مواصلة تعليمي بالقاهرة ، فالقسم التجاري أنشئ لتخريج كوادر كتابية في أسفل السلم الوظيفي . المناهج والتجهيزات مشابهة لمدرسة عطبرة ، ولكن المدرسين _ والحق يقال _ من المستويات الممتازة وخاصة مدرس الرسم ، إنه رسام موهوب بمعني الكلمة ، يجعل السبورة لوحة رائعة في ثواني مستعملا الطباشير فقط . كان خفيف الروح يشيع جوا من البهجة والحبور بظرفه . مدرس الحساب كان عجوزا شبه أعمي لكنه قوي الجسم يجيد الحساب والضرب بالعصا . كان تدريس المواد باللغة العربية وكان مدرسنا العجوز بالكاد يتكلم الإنجليزية .
حدث يوما أن تغيب مدرس اللغة الإنجليزية السوري وجاء مدرس الحساب ليسد غيابه .جاء يحمل كتابا من المنهج الابتدائي ،وطلب منا الاستعداد لأخذ درس الإملاء الإنجليزية . ما أن أكمل الجملة الأولى من الإملاء حتى ضج الفصل بالضحك ، هز الضحك أركان المدرسة وحضر الناظر مهرولا لفصلنا ليستطلع الأمر . وفي الحال أعلن الناظر العقوبة : الحبس لمدة ساعة والجلد في الطابور الصباحي . ما أن أعلن الناظر حكمه حتى طلب من المدرس أن يواصل الدرس . ما إن أكمل المدرس جملته : ( zee frojji wa*atid to blay binjj bonjj in zee kinjees bal-lass in hanjj konjj( ) دخل الناظر الفصل ولسان حاله يقول : ( الحق معكم ) . أمسك الناظر الكتاب وقرأ لنا الجملة : (the frog want to play ping pong in the king’s palace in hong kong)

**


بعد نهاية اليوم الدراسي تربص لي ستة من أولاد المدرسة _ من بينهم ابن بشاي أفندي مدرس الحساب - بحجة إنني البادئ بالسخرية من المدرس العجوز .دخلت مع هؤلاء الأولاد معركة خاسرة وكانت النتيجة تمزيق قميصي وكتبي وكدمات على وجهي .كأن ضربي أصبح الشغل الشاغل لهؤلاء ، فقد صرت أضرب يوميا ويمزق قميصي الجديد كلما استبدلته . أبلغت المدير والوكيل وضابط النظام ولكنهم مستمرين في غيهم . أخذ خالي لبيب كل قمصاني وكتبي الممزقة وأراها للجميع ولكن أسمعت لو ناديت حيا . فما كان منه إلا أن نصحني قائلا : { تعلم أن تحمي نفسك }
كان حسن أحد أبناء الفلاتة يجلس يوميا تحت ظل شجرة مقابلة للمدرسة لبيع البلح والدوم للتلاميذ . كان شاهدا على معظم المعارك الدائرة بيني وبين الأولاد ، كان يتدخل لإنقاذي وأحيانا الجأ إليه عندما يشتد الوطيس . كان ينصحني بالمقاومة والثبات . كان يقول لي : ( كن رجلا وأحم نفسك ) وعندما قلت له لا تكافؤ بين واحد وستة قال لي : ( يمكنك أن تهزمهم بالحيلة ، املأ جيوب قميصك بالملح و الشطة ، اقذفها على عيونهم وبادر بضربهم ، اضرب اثنين أو ثلاثة منهم وسيفر الباقون ) .
استمر الجحيم اليومي الذي لم أعهده في عطبرة بلد الأمن والسلام . وأخيرا قررت أن أحارب ..لا شجاعة مني ، ولكن بلغ اليأس مني مبلغا لا أملك معه إلا أن أحارب . بدأت في إعداد قوتي : اشتريت الملح و الشطة من حاجة حفصة الفلاتية وأحضرت قناة من الخشب بطول واحد قدم ،بريت رأسها لتكون كالحربة وعملت لها مقبض من حبل الكتان لألفه على يدي حتى لا ينزع مني سلاحي وينقلب السحر على الساحر . أخبرت حسن بساعة الصفر ، ولكن لدهشته وجدني احتمي به بعد نهاية اليوم الدراسي . سألني جلية الأمر فقلت له إنني انتظر أن يبدءوا هم بالعدوان. ما إن سمع حسن مرافعتي حتى هب كالإعصار : ( أنا لن أستطيع حمايتك في كل مرة .. يجب أن تأخذ بزمام المبادرة .. لا تجلس هنا بعد ذلك .. لن استقبل بنتا هنا مرة أخرى .. هاهم قادمون … أرني رجولتك !!).

**


كان ذلك يوما مشهودا ، لقد أصبت عشرة أولاد ، ستة منهم حجزوا بالمستشفى لعدة أيام . بعد كلمات حسن فقدت السيطرة على نفسي . استعملت الملح و الشطة بكفاءة عالية . أمَا عن العصا المسننة فحدِث ولا حرج : فقد استعملتها كالمسعور ، فقد كنت اطعن بها الخصم في الأماكن المؤذية والحساسة . كان الدم يتفجر منهم حتى صبغ الشارع ببعض النقاط . نصف طلاب المدرسة وكثير من المارة وقفوا ليتفرجوا ، حتى الوكيل وضابط النظام بالمدرسة كانا هناك .بتوجيه من ضابط النظام قام التلاميذ بعمل دائرة سميكة من أكثر من خمسين تلميذا ،حتى يحولوا بيني وبين خصمي .وقف حسن وسط الدائرة يصيح و يرش الماء على وجهي، وبعدها بدأت اهدأ وأعي ما حولي كأني كنت في نوبة جنونية وبعد ذلك صار حسن يصيح في مرح : ( الحمد لله لقد انتصرت ، لقد كسبت معركة كرري ) . ثم أخذ بيدي إلى مكانه المعهود قائلا : ( الآن يمكنك الجلوس بقربي) .وبعدها لاحظت قميصي الممزق وأنفي الدامي وكانت كل خلية في جسمي تنبض بالألم . ولم نمكث إلا قليلا حتى ظهرت الإدارة الإنجليزية في أرض المعركة ،ممثلة في مدير شرطة الخرطوم يرافقه مساعدوه من الضباط السودانيين ونفر من رجال الشرطة من أبناء الشايقية والهوسا . أخذنا إلى الضبطية ( مركز الشرطة) ومن هناك تم إطلاق سراحنا بكفالة مالية قدرها مبلغ خمسة جنيهات . استمرت التحريات المكثفة لمدة أسبوعين شملت حوالي ثلاثين شخصا منهم إدارة المدرسة وبشاي أفندي وآباء التلاميذ الآخرين والخال لبيب وحسن. بعدها وقفنا أمام المحكمة برئاسة مستر واطسون وهو إنجليزي وقور تفوح أبهة السلطة من أعطافه ، يساعده ثلاثة من العمد السودانيين يلبسون الملابس الوطنية . كان الخال أمام المحكمة مرتب الأفكار وكانت شهادته جد رائعة ، لقد أحضر معه قمصاني وكتبي الممزقة ووضع اللوم على إدارة المدرسة وآباء التلاميذ .. انعقدت المحكمة مرة أخرى بعد أسبوعين لإصدار الأحكام ، فقضت بغرامة قدرها جنيهان لكل أب من آباء التلاميذ مع التعهد بحسن السير والسلوك لمدة سنة ، كما غرمت إدارة المدرسة ستة عشر جنيها . وبرأت المحكمة حسن وخالي لبيب.عمت أخبار المعركة والمحكمة جميع أنحاء العاصمة المثلثة ووصلت عطبرة و ود مدني.
هذه الحادثة جعلتني قليل الأصدقاء . منهم صديقي سمير ، شاب قبطي طيب المعشر . كنا لا نفترق . كان سمير يعيش قصة حب مع إحدى صبايا القبط . كان لا يمل الكتابة إليها رغم إنها تعيش على مرمى حجر من بيته . كنت أجد متعة في الاطلاع على الرسائل المتبادلة بينهم ، بل كنت أقوم بكتابة الردود نيابة عن سمير وأزينها بأشعار العم فانوس .كنا طيلة أيامنا معدمين ولكن إذا وجد أحدنا نقودا كنا نقتسمها ونذهب سويا لأحد بيوت اللهو الذي تديره فتاة من بنات القرعان يقع بالقرب من طاحونة المعلم مقار .كنا دائما ما نسير على طول النيل الأزرق ونمر أمام تمثال كتشنر المنصوب أمام سرايا الحاكم العام مرورا بالكاتدرائية القبطية، حتي نصل إلى حلمنا القديم : كلية غردون التذكارية ، عند وصولنا إليها نتوقف عن الكلام ونقتل الحسرات في نفوسنا . لقد رأيت تيجاني و أبو بكر عيال البرنو من سكان عشش فلاتة بعطبرة وهم يتبخترون في طرقات الكلية كأنهم من أهل البلد ، لم أظهر لهم وتخفيت عنهم كما يتخفى المحب الآثم .لقد قلت لكم فيما سبق أن الحيلولة بيني وبين هذا الصرح قد ترك في نفسي جرحا لم تبرئه الأيام بالرغم من مستوى التعليم الذي حزته .

**


في أحد الأيام استدعاني الناظر إلى مكتبه _ وهذا لم يحدث لي منذ التحاقي بالمدرسة _ هرولت نحو المكتب وألف خاطر وخاطر يلح في ذهني !ا يا ترى ماذا فعلت ؟ وجدت مع المدير قسيسا قبطيا ذا لحية كثيفة وجسم مكتنز . ( هذا هو الشر المجسم ) هكذا قدمني الناظر لقداسة القديس الذي رد ( إن الله قادر على كل الخطاءين حتى الذين في حالته )
وقفت أمامه وقد تأكد لي أن شرا يحيط بي .ابتدرني القسيس قائلا :
- اسمع يا ابني .. هل أنت مسيحي .
- نعم سيدي .
- لا .. أنت وثني !! كان يجب أن تنحني أمامي وتقبل يدي .
- آسف يا سيدي.
- كما يجب أن تخاطبني بكلمة أبي ،، هل تذهب للكنيسة في أيام الآحاد ؟ هل حضرت قداسا ؟ هل أنت معمَد ؟ هل تحضر مدرسة الأحد ؟
- نعم سيدي !! أقصد أبي.
- الكذب حرام .. كيف عرفت بأنك معمَد ؟ فأنت لا تملك شهادة تعميد أو ميلاد ؟ هل أنت مختون ؟
- نعم مختون ولكني لا أملك الشهادات التي ذكرتها .. حتى أمي وأبي لا يملكونها .
- حسنا .. يجب أن تهتم بواجباتك الدينية.. سوف نصلي من أجلك حتى يغفر الله لك خطاياك ، سوف نعمدك ، بعد ذلك سوف تحس بالبركات بنفسك .بارك الله فيك وغفر لك .
وقد تم لهم ذلك ..لقد عمِدت ولم أخبر خالي بذلك . كنت أمني نفسي بحدوث معجزة ، كان كل ما حولي يفضي للتدين . كل الأشياء التي صليت من أجلها لم تتحقق ، أشياء مثل : ملابس جميلة ’ مبلغ من المال ، أو أن أكون أول الفصل . مع مرور الأيام خفَ تديني وكانت فلسفتي في ذلك: أن الصلاة هي اعتقاد مفاده أن الله سوف يستجيب لكل رغباتنا ،ولكن ماذا إذا لم تتحقق تلك الرغبات ؟هنا يكون الاعتقاد في مهب الريح .هكذا كانت أفكاري في تلك المرحلة .

منتصر
07-09-2009, 03:55 PM
(25)




قوَّاد !!! ؟



في شهر يونيو من عام 1935م أكملت عاما دراسيا .كان التقرير النهائي يمثل أقصى درجات الخيبة : تذيلت قائمة الفصل ، راسبا في كل المواد ما عدا مادة الرسم . كان القلق كبيرا عند خالي وزوجته وكان الخوف كبيرا من ردة فعل الوالد عندما يسمع بالخبر . تفاديا لذلك اقترحوا علي عدم السفر إلى عطبرة وأن اقضي الإجازة بين أم درمان و ود مدني . ولكنني رميتهم بقراري :
- يجب أن أبحث عن عمل .. يجب أن أكون مفيدا .
- ممتاز ‍‍ ‍‍!! هل تبحث عن عمل ؟
- لقد وجدته.
- ماذا !!؟؟
- مدير صالة غردون الموسيقية يحتاج لكاتب ، لقد عرض عليَ مبلغ أربعة جنيهات شهريا .
- وظيفة سيئة السمعة مقابل أجر ضئيل !!! يجب أن تبحث عن وظيفة أفضل * سوف أعاونك في البحث
- أنا على رأس العمل ق منذ أسبوعين.
- الآن فهمت سبب غيابك من البيت .يالك من ولد عاق ، دائما ما تسئ التصرف . سوف تكون نهايتنا على يديك .
إن راتبي الحقيقي ستة جنيهات .لقد قررت أن أنفذ برنامجا صارما للتوفير يبلغ ثلاثة جنيهات في الشهر . كان عملي ذا طبيعة مهنية متدنية .يبدأ في التاسعة صباحا إلى الساعة الواحدة بعد الظهر وفي المساء من الساعة السادسة إلى الساعة الحادية عشر ليلا . كان علي أن أصنف زجاجات الشراب المليئة والفارغة والمكسورة وأساعد في الحسابات والمكاتبات .
صالة غردون الموسيقية مخصصة للموظفين الإنجليز من المراتب الدنيا أما لكبار الموظفين فهناك نادي السودان. على بعد ميل جنوب الصالة هناك( بيت قزاز ) وظيفته مثل( بيت القزاز) بعطبرة ، أما الصالة فهي نادي ليلي وليست ماخورا ،بالرغم من عمل الفتيات الأوربيات بها ،ولكن وظيفتهن تقتصر على الإغراء وأن تجعل الزبون يشرب أكبر قدر من المشروبات.
تعيش فتيات الصالة في ثلاثة منازل لكل منهن غرفة منفصلة ، يقمن بطهي طعامهن بأنفسهن ولكن الأعمال المنزلية الأخرى يقوم بها خادم عجوز .من مهمات وظيفتي أن ارعَ شئونهن . كانت اللغة تمثل حاجزا بيننا لأنهن يستجلبن من أوربا الشرقية ،بعقد لا تتعدى مدته الثلاثة أشهر . كان من النادر أن تأخذ إحداهن رجلا إلى غرفتها ولكنني كثيرا ما آخذ بعضهن إلى منازل الإنجليز بحجة شرب الشاي أو تناول الغذاء ، كان بعض الإنجليز يعطيني شلنا واحدا مقابل هذه الخدمة - أن تكون قوادا فهي مهنة غير مربحة -.
بعد شهرين من عملي في هذا المكان أيقنت أنه ليس من المناسب العمل هنا بصفة دائمة ، ولكن لا بديل يلوح في الأفق . لقد بدأت أفكر جديا في اقتراح إحداهن بالذهاب معها إلى بلغاريا ، لقد أمدتني بعنوانها وعنوان أهلها هناك .كنت أقتر على نفسي لأجمع مبلغا من المال . كان خالي كريما معي ، لم يقبل مني أيُ مساهمة مالية .في أحد المرات قال لي :

- اشتر لنفسك ملابس جديدة حتى تبدو محترما ، يا إلهي ‍‍!! إنك تقتر على نفسك لكي توفر.
- إنني في حاجة إلى توفير عشرين جنيها لأنني انتويت السفر إلى أوربا ، فالوصول إلى بوخارست أو صوفيا يكلفني ثمانية جنيهات * والكسوة الشتوية ستكلفني أربعة جنيهات ،والباقي أحتاجه لصروف الدهر فلقد نويت الإقامة هناك .
- يا إلهي !! لقد حسبتها لآخر مليم ، تذهب هناك لتكون تحت رعاية فتاة فاجرة !! يالك من أناني : لم تفكر في والديك .
ثم أضاف :
- أنت دائما محظوظا ، عندي لك أخبارا سارة .
- أخبار سارة لي أنا !!؟ لا أظن …
- اليوم فقط .. أخبرت بقبولك بمدارس كمبوني ، إنها حقا لمعجزة أن يقبل أمثالك في هذه المدارس التي تضاهي كلية غردون ، بعد أسبوعين فقط سوف تعيد الصف الثاني للمرة الثالثة ..
حقا إنها أخبار سارة أو هي معجزة كما قال الخال .شكرت الخال وقبلت وجنتيه في امتنان حقيقي .
في اليوم التالي نقلت الخبر لناديا البلغارية ، التي طلبت مني أن أريها المدرسة صباح اليوم التالي.
غادرت ناديا إلى بلدها قبل يوم من بدء الدراسة وقد كنت في وداعها عند محطة السكة حديد . قبل تحرك القطار سلمتني مظروفا به مبلغ ثلاثة جنيهات ليصير معي مبلغ خمسة عشر جنيها إذا أضفنا لها حصيلتي في مكتب البريد.

منتصر
07-09-2009, 03:56 PM
26)



مدارس كمبوني
الخرطوم : 36/1935 م


معظم تلاميذ كمبوني في ذلك الوقت من الأوربيين والشوام . أول ما لفت نظري في كمبوني الاهتمام بالنواحي الفنية من موسيقى ومسرح و أوبرا ورياضة . النظام والنظافة والانضباط طابع الكل ، مدرسين وتلاميذ . التحدث باللغة الإنجليزية أثناء اليوم الدراسي إلزاميا ومن يخالف ذلك يعرض نفسه للعقوبة والفصل أحيانا .
معظم المدرسين من الرهبان التابعين للكنيسة الكاثوليكية الرومانية . الراهب المسئول عن تثقيفي الديني قرر تعميدي واستجبت له ولم أخبره إنني قد عمدت قبل ستة شهور في الكنيسة القبطية . عندما أخبر سمير والديه المتدينين بتعميدي الكاثوليكي ، لاماني لعدم إخبار الراهب بتعميدي السابق في الكنيسة القبطية . كنت كلما أرى قسيسا أخاله سوف يناديني ليعمدني . استمرت معي رغبة الناس في تعميدي حتى بعد ذهابي إلى بريطانيا _(بعد ستة عشر عاما من هذا التاريخ ) فكلما تنشأ علاقة بيني وبين فتاة تأخذني هذه الفتاة لتعمدني في كنيستها ، كنت لا ارفض أي طلب للتعميد لأني أشعر أن الجميع يتمتعون بذلك … فلماذا احرمهم ؟ إنهم لا يفعلون ذلك مع كل من يعرفونه ولكن لأني إفريقي وهم يشكون في صحة مسيحية الأفارقة وهو نوع من الاضطهاد العرقي حتى ولو كنت أبيضا مثل حالتي .



**


بالرغم من حدة المنافسة الأكاديمية فقد قلت رغبتي في الاجتهاد وفقدت الرغبة حتى في المواد التي احبها . لقد حرمت من دراسة اللغة الفرنسية والعلوم ما عدا منهج مبسط يسمى العلوم العامة . عندما قابل خالي مدرس الرياضيات قال له : ( هذا الولد لا يرجى منه نجاحا في هذه المادة ) . قررت أن أدخل التحدي وأنجح في الرياضيات وقد كان لي ما أردت ، لقد حزت على الجائزة الثانية في مادة الرياضيات.
كان هناك ثلاثة أقسام في مدارس الكمبوني : أولها قسمي الذي أكرهه ،الثاني للأوربيين وفيه يدرسون العلوم التجارية مثلنا والفرق أنهم يدرسون لغة عربية أقل وإنجليزية أكثر إضافة للغة الفرنسية . أما القسم الثالث وهو قسم الصفوة من الأوربيين فيدرسون الكيمياء والفيزياء والرياضيات الإضافية والجغرافيا الطبيعية إضافة للغات الإنجليزية والفرنسية واللاتينية ولهم مدرسيهم الخاصين و مختبراتهم الخاصة . لقد عانيت الكثير من هذا التقسيم والتصنيف ، فقد كنت أصنف أبيضا في عطبرة وإفريقيا في مدارس الأقباط وملونا في مدارس كمبوني.
مدارس كمبوني من المدارس المرتفعة التكاليف لقد ضحى والدي بعشر دخله لأكون هنا. في كمبوني انعقدت صداقتي بزميلي نصيف وصلاح وقد تركا المدرسة ليبحثا عن عمل

منتصر
07-09-2009, 03:58 PM
(27)



مخاطر الحب


جارتنا عزيزة فتاة مسالمية قبطية يتيمة وجميلة ،تعيش تحت كنف أخيها فؤاد . كانت تصغرني بعام واحد . كانت تستعير كتبي لتعلم نفسها . توطدت العلاقة بيننا سريعا وكنا نتقابل في بيتهم أو بيت خالي بوجود أحد أفراد الأسرتين.
جاءتني يوما نعيمة زوجة خالي الفلسطينية محذرة من مقابلة عزيزة خوف الإشاعات .ولما رأت نعيمة على وجهي علامات الاستغراب قالت موضحة : ( زينب هارون قد سممت الليلة الماضية وقتل الرجل المتهم بالتلاعب معها وألقيت جثته في النيل ).
عائلة هارون تجاورنا في المسالمة وهم من المسلمين شديدي التعصب .بعد مضي أسبوع من الحادث بدأت أم زينب في الصراخ والولولة ، كأنها قد مست . تجمع في بيتهم الجيران والكل يتكلم بصوت عال .قد سمعت خالتي نعيمة تقول : ( هؤلاء الجبناء ، أشباه الرجال لا يعترفون بأن فعلتهم الشنعاء ضد زينب هي التي جلبت هذه المأساة ، لا يجرؤ أحدهم بالاعتراف أمام مستر برمبل . إن الله برئ مما يفعله هؤلاء الآثمين باسمه ) . لقد كنت أسمع وأتابع وأنا مذهول مما يجري .
في اليوم التالي سمعت جلبة في بيت هارون .تسلقت الحائط ورأيت رهطاً من الرجال والنساء يتبادلون في ضرب أم زينب ،وهم يتلون بعض الأدعية .والأم المسكينة لا تستطيع أن تحرك ساكنا ،غير أن تئن وتتوسل لهم بعينيها وهم مستمرين في ضربهم ظانين أنهم يعالجونها من الروح الشريرة . تهللت وجوه القوم بالفرح عندما خفت أنين المسكينة ظانين أن الروح الشريرة قد بدأت في الخروج . رآني ابنها محمد وأنا مشدوها أتابع ما يجري ولكنني استطعت الإفلات منه ولكنه هددني بأنني سوف أدفع الثمن غاليا .
في صباح اليوم التالي توفت أم زينب ودفنت على عجل .بعد أسبوعين من وفاة أم زينب ،جاءت إلى حيَنا شاحنة بدفورد على متنها ستة من العساكر ،يقودهم ضابط سوداني واعتقلوا هارون وولده محمد وأنا معهم. جمعت الشاحنة رجالا ونساء من أحياء أم درمان المختلفة بلغ عددهم خمسة عشر شخصا . مثلنا أمام مستر واطسون قمندان الشرطة . رفع مستر واطسون حاجبيه دهشة وقال : ( أنت أيضا !) . أطلق سراحي لأكون شاهد إدعاء ومعي رجلين وأبقوا الباقين رهن التحفظ . بعد شهر من التحري والتحقيق مثلنا أمام محكمة الجنايات الجنايات العليا وصدرت الأحكام الرادعة التي تراوحت بين الإعدام شنقا والسجن خمسة سنوات مع الأشغال الشاقة .


**


صارت الخرطوم تتحدث عن هذه الجريمة ،والأحكام الصادرة ، في انتظار تأييد الأحكام من السير استيورت الحاكم العام الجديد . صدرت صحيفة سودان غازيت _ الصحيفة الوحيدة في ذلك الزمن _ تحمل تأييد معاليه على الأحكام .كان لأعضاء المحكمة من السودانيين المسلمين دورا كبيرا لإصدار هذه الأحكام الرادعة ، مما جعلني الآن أتساءل :هل يمكن أن يقف هؤلاء نفس الموقف إذا لم يكون السودان تحت الإدارة البريطانية . أخبرني العم فانوس : إن في مصر وبقية دول الشرق الأوسط يذعن القضاة لضغوط المجتمع ولذلك يصدرون أحكاما مخففة فيما يعرف بجرائم الشرف . وأضاف العم فانوس قائلا : ( اسمع يا ابني .. طالما أن المرأة تعتمد على الرجل في معيشتها فإنها لن تكون ماسكة لزمام أمرها ، فلنعطى المرأة تعليما ووظيفة وسوف ترى المجتمع يتغير تلقائيا ..للأسف إننا بعيدين عن ذلك كل البعد .)


**




في أحد أيام الآحاد _ وما زالت قصة زينب هارون طرية في ألسن سكان العاصمة المثلثة - سمعت القسيس يتلو من سفر القديس جون قصة المسيح عليه السلام ،مع المرأة الزانية وقوله ( من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ) .بعد القداس تقابلت مع متَى ،وهو أحد الشباب الأقباط زاملني بمدرسة الأقباط .توقفنا قليلا لنتكلم في موضوع الساعة _ قصة آل هارون _ وإشارة القسيس للموضوع في تلاوته .وبينما نحن وقوف انضمت لنا شقيقته ذات الأربعة عشر ربيعا وهي كمعظم نساء وبنات الأقباط غير جميلة ، لكنها مرحة . قام متَى بزجر أخته بعنف قائلا لها : ( اذهبي مع البنات ، إنك دائما تحشرين نفسك كلما رأيتنني أقف مع رجل ، إنك ستسودين سمعتنا وتجلبين لنا العار ).
عائلة متَى ليست من المواليد ،إنهم من الأقباط المصريين شديدي المحافظة في كل شيء ،خاصة فيما يخص العلاقة بين الجنسين . بعد عشرة أيام قابلت متىَ في منزل رمضانة .استغربت لذلك ،لأن رمضانة لا تحبه ، ولا ترحب به في المنزل.طلبت مني رمضانة أن أفهم متىَ بأنه غير مرغوب فيه ، وألا يعاود الحضور مرة أخرى . أخذت متَى من يده وخرجنا سويا .عندما كنا في الشارع المقابل لطاحونة المعلم مقار دعاني إلى منزله . في المنزل لم يقدمني لأي من أفراد أسرته - مازالت هذه العادة شائعة في وادي النيل -.كان منزلهم في منتهى القذارة، كأنهم لم ينظفوه منذ أن سكنوا فيه .وكان الذباب يقيم حفله في كل أنحاء المنزل .
شعرت بعدم الارتياح عندما سمعت صوت شجار يأتيني من مكان ما في المنزل .تسرب الخوف إلى نفسي، فهممت أن أغادر خلسة ،ولكن متى عاد ليجلس معي .كان بادئ الاضطراب ، تلمع عينيه بشيء من الفزع . قال لي : ( أبي قد ذبح أختي الآن ، لقد جلبت لنا العار ، وصلنا الهمس الذي يدور في المدينة بأنها قد أعطت عذريتها لشاب مسلم ) .لم أًصدق أذني وشعرت كأنني في كابوس وكنت استمع لمتَى وكأنني منوم مغنطيسيا : ( أريدك أن تشهد معي بأننا رأيناها معه في بيت رمضانة ).. جاء اسكاروس والد متى ليجلس معنا ، كان يتظاهر بالهدوء ، فكرت في الهرب ولكن أطرافي قد خانتني ، كنت أرتجف من شدة الشعور بالبرد والعرق يتصبب من جسمي . كانت الأحداث تمر سريعا وأنا جالس لا أقوى على الحراك . ما إن زغردت تفيدة أم متَى زغرودة الفرح ،حتى امتلأ المنزل بالنساء والأطفال كأنهم ينتظرون هذه الإشارة . وقفت وسط النساء وهي تصيح في حبور : ( لقد أزال أبوها عارنا وغسل شرفنا الملوث ). قام اسكاروس من مكانه وأحضر مدية ملوثة بالدماء ثم قال أمام الملأ : ( نعم قتلت بنتي و أنقذت شرف العائلة .أنا الآن ذاهب لأسلم نفسي للسلطات ليفعلوا بي ما يشاءون ) . كل ذلك يجري وأنا جالس في مكاني غير قادر على الحراك . وبعد حوالي ساعة جاء أحد القساوسة إلى المنزل .وبعده وصلت قوة من الشرطة بقيادة ضابط إنجليزي كما وصلت سيارة الإسعاف لأخذ جثة الضحية .أخذتني الشرطة مع اسكاروس و تفيدة ومتَى وأخواته الأربعة وستة أقباط آخرين قالوا أن لديهم ما يقولونه للشرطة ، وأغلق المنزل وختم على بابه بالشمع الأحمر.
عندما جاء دوري في التحري نظر إلي الضباط من إنجليز وسودانيين في استغراب وقال كبيرهم : ( أأنت مرة أخرى ؟ ما هي حكايتك ؟إن المشاكل تأتي معك أينما ذهبت ،!خبرني بعلاقتك مع هذه الأسرة منذ قدومك من عطبرة ) . أيقظني الشعور بالخوف من ذهولي ، فتمالكت نفسي وقلت برباطة جأش : ( إن علاقتي بالأسر القبطية جد واهية ) ثم حكيت لهم واقعة دخولي للمنزل وتهديد متى لي بالشهادة . ابتسم الضباط عندما قلت لهم : ( كل ما أعرفه عن الضحية : إنها كانت دميمة مثل سائر بنات الأقباط ).
استمر التحقيق لمدة ساعة تقريبا وبعد منتصف الليل جاء خالي ليصطحبني ، بعد إطلاق سراحي بكفالة مالية فذهبت مع خالي وأنا أتعثر في خطواتي من الخجل . وجهت تهمة القتل للأم والأب واقتيدا مقيدين للحجز . أما متى فقد أخلي سبيله بكفالة مالية كبيرة ليرعى أخواته .
بعد أسبوع من الحادث مثلنا أمام مستر واطسون قمندان البوليس .عندما جاء دوري في الدخول عليه رفع حاجبيه دهشة وقال : ( صوص !! أهذا أنت مرة أخرى .. مثل القرش الرديء !! ).بعد أخذ أقوالي جددت كفالتي المالية .كان من ضمن الماثلين أمام معاليه أربعة من النسوة لم أرهن من قبل وكانت تهمتهن القذف في حق الضحية مما تسبب في مأساتها .
بعد شهر انعقدت المحكمة الجنائية العليا برئاسة نفس قاضي آل هارون ،وعضوية قسيسين من الكنيسة القبطية . من ضمن حيثيات المحكمة: ( إنه وبعد الكشف على الضحية اتضح إنها لم تفقد عذريتها وقد قام الوالدين بإصدار حكمهما القاسي على الضحية بناء على إشاعات وأقاويل ).
بعد التداول حكمت المحكمة بالإعدام شنقا على الوالدين وعشرون عاما بالسجن للنساء الأربعة اللائى مشين بالإشاعة بين الناس وقد حكم على متَى بالسجن خمسة عشر عاما مع إيقاف التنفيذ ليعول أخواته.

**



إن الأحكام الرادعة بخصوص هاتين القضيتين( آل هارون وآل متَى ) كانت رادعا قويا في عدم تكرار هذا النوع من الجرائم في السودان الإنجليزي .وبسبب هذه الأحكام كانت بعض الأسر القبطية ترسل بناتها إلى مصر ليقتلن هناك .
قابلت متَى في أحد أيام عام 1948م _ أيام طلاق الملكة فريدة من الملك فاروق ) كان في حالة يرثى لها وعلمت منه أن أيٍ من أخواته الأربعة لم تتزوج . أحزنني حاله وقدمت له مبلغ خمسة جنيهات مساعدة مني .

منتصر
07-09-2009, 03:58 PM
28)



حسن



بدأت صداقتي مع حسن بائع التمر والدوم منذ أول أيام دخولي مدرسة الأقباط .وازدادت صداقتنا بعد معركتي المشهودة مع بعض تلاميذ المدرسة . كان حسن شابا أميا ولكنه يحفظ كثيرا من القرآن ويعرف الأحكام الشرعية .كان حكيما وشجاعا وكريما كرهطه من مجموعة الفولاني التي ينتمي لها . توفت عنه زوجته وتركت له طفلة واحدة .كانت له رغبة ملحة في التعلم وكنت أعلمه القراءة والكتابة ومبادئ الحساب.كان يعمل حارسا لغابة النيل الأبيض التابعة لمصلحة الزراعة و الغابات كان يسكن في كوخ داخل الغابة وكنت كثيرا ما أزوره وأشاركه الطعام . كنت أشاركه قراءة القرآن وكان يقول لي عندما عند ما يراني في حالة نفسية سيئة : ( إن الإيمان بالله والإسلام هو الحل ) قد أثر في حسن تأثيرا كبيرا حتى صرت استمع للمدائح النبوية وأنصت خاشعا للآذان .
كنت بعد تركي الكمبوني أقضي الوقت باحثا عن عمل ،ثم اذهب لارتاح مع حسن . ما اصعب البحث عن وظيفة في ذلك الزمن . كنت اعتقد إنه من السهل الحصول على وظيفة في الخرطوم ، التي يسميها أهلنا في عطبرة بكرش الفيل . كانت الوظائف قليلة والمنافسة كبيرة ، فقد كنت دائما آخر القائمة في كل منافسة وظيفية . بالرغم من أنه ما زال في دفتر توفيري مبلغ اثني عشر جنيها ولكن تجربة البحث في الخرطوم أمَرَّ بكثير من تجربتي في عطبرة .
في أحد الأيام ذهبنا أنا وحسن بصحبة بنته إلى منطقة الديوم _ وهو ما يماثل العشش في عطبرة _ كان حسن قد رتب لبنته أن تعيش مع أحد الأسر وهو المكان الطبيعي ليراها الخطاب بعد أن بلغت العاشرة وهكذا ربطت بيننا الصداقة كنا معا في كل مناسبة .

منتصر
07-09-2009, 04:00 PM
(29)



ناسخ : 1937م


استأجر فؤاد شقيق عزيزة آلة كاتبة ليعلمني النسخ عليها حتى أكون مؤهلا للوظائف الكتابية . ووجد لي خالي لبيب وظيفة ناسخ على الآلة الكاتبة بمصلحة الزراعة والغابات ، براتب قدره ثلاثة جنيهات في الشهر .
في أول يوم للعمل ذهبت مع فؤاد ليقدمني لناشد أفندي باشكاتب المصلحة وهو قبطي قصير ذو كرش بارزة .
نظر لي ناشد أفندي مليا ثم قال بصوت عال : ( أنت العفريت العطبراوي ؟لقد سمعت عنك الكثير .. أشياء لا تسر ، أرجو أن تحسن التصرف ولا تحرج الذين أوصوا عليك) .وقدمني بدوره إلى كبير المترجمين أحمد أفندي علي وهو شاب مصري ،طيب المعشر، أسمر اللون، فارع القامة ،ممتلئ الجسم ،ذو أسنان غليظة تملأ فمه وتبرز للخارج . كان ينادى أحمد بيه لكثرة استعماله لهذه الكلمة . أحمد بيه مترجم ممتاز ، درس لمدة عامين في كلية هانديرست في بريطانيا ، كان نقيبا في الجيش وقد فصل منه لنشاطه السياسي. متزوج وأب لعشرة أطفال وقد قال لي مازحا : ( لو أستطيع لجعلتهم عشرين حتى يكون لي جيشي الخاص ) كان متزوجا من فتاة مصرية ذات أصول تركية وهي في غاية الجمال . توثقت العلاقة بيننا سريعا وكمعظم المصريين كان حب السياسة يجري في دمه . كان يوصيني بالحيطة والحذر وأن أكتم ما يدور بيننا من حديث حتى لا يتسرب لجهات أمنية . كان يعيرني الكتب وكانت مواضيعها في غاية الجدة بالنسبة لي ، قرأت جمهورية أفلاطون باللغة العربية . كانت الكتب والمنشورات تأتيه بالبريد داخل أحد المجلات المصرية الصادرة في مصر ، فكان لا يفتح بريده في المكتب إطلاقا .
كانت وظيفة الناسخة رتيبة ومملة ولكن وجود أحمد بيه كان له الأثر الأكبر في بقائي بالوظيفة .
قدمني لأعضاء النادي المصري الواقع في شارع فكتوريا . كان يقول لي بتحريض يجب أن تعلن مصريتك ما دامت قد حرمت من كلية غردون.تعلمت منه حب القراءة وكان لنا في مكتبة النادي المصري خير منهل * فأكثرت زياراتي للنادي حتى إني كنت أتناول غذائي هناك في بعض الأحيان مما يكلفني شلنا كاملا .هذا الانشغال بالقراءة والنشاط الاجتماعي في النادي المصري لم ينسني صديقي حسن الذي كان يصطحبني كل جمعة لزيارة ابنته في الديوم .


**


في أحد الأيام سألت الباشكاتب ناشد أفندي :(هل من الممكن أن ترسلني المصلحة لمدرسة الزراعة بشمبات ؟)
فأجاب : (هذا من الصعب لأنها في مستوى جامعي ويقبل فيها خريجي كلية غردون فقط ).بعد شهر قررت أن أخطو الخطوة التي فكرت فيها طيلة هذا الشهر : أن أذهب لرئيس المصلحة الإنجليزي – مستر باكون . كنت أعرفه قبل التحاقي بالعمل معه ، فقد كنت أراه على صهوة جواده متفقدا غابة النيل الأبيض وبعد التحاقي بالعمل كنت أراه لماما ولم يحدث أن كلمته . دخلت مكتبه وقلت له :
- سيدي ،أود أن انضم لحرس الصيد ، فإنني أحب الحيوانات وهي تحبني
تبسم مستر باكون - وطلب مني الجلوس ولكنني ظللت واقفا – ثم قال وباقي ابتسامته ما زال عالقا :
- إن الجميع هنا مهتمون بمستقبلك ، فؤاد وناشد أفندي وأحمد بيه .، كان بودي أن أحقق رغبتك ولكن كما تعلم أن الفريق الذي يعمل في حرس الصيد والغابات ينقسم إلى ثلاثة أقسام : العمالة الغير ماهرة مثل صديقك حسن ، ثانيا خريجي مدرسة شمبات الزراعية وأخيرا المسئولين الإنجليز .
رجعت مكتبي وأنا في غاية الإحباط واليأس ولم أجد أمامي ما أفش فيه غضبي غير آلة النسخ المسكينة.. فأتلفتها. في اليوم التالي أحضر لي مستر باكون أعداد من سلسلة مجلة الحياة الفطرية الصادرة في لندن.
أنبني ناشد أفندي لتخريبي آلة النسخ ولم يجد إنكاري بأنه فعل متعمد .أخيرا قلت : (له إنها آلة قديمة انتهى عمرها الافتراضي وقد دنت ساعتها فماتت كما يموت كل كائن ). فما كان منه إلا أن أمسك أذني وجرها إليه في غيظ وأنا أصرخ من الألم بينما انفجر باقي الزملاء ضاحكين .

منتصر
07-09-2009, 04:01 PM
(30)



التحدي : 1938م


أنا وعزيزة تزداد علاقتنا متانة .الكل يتوقع أن أخطو خطوة ،ولكن كيف السبيل إلى ذلك وراتبي ثلاثة جنيهات .كان رفضها لكل المتقدمين لها يزيد من مسئوليتي نحوها .
بارك الله في صديقي أحمد بيه : فقد لاحظ صمتي وتفكيري وصارحني قائلا : ( أنا أعرف ما يشغلك ، لدي خطة لو نجحت فسوف تنهي كل آلامك ) . كانت خطته أن أجلس لامتحان الخدمة المدنية بمساعدة الجميع،
. وإذا كتب لي النجاح فسوف أعيَّن على المرتبة جي ويرتفع راتبي لخمسة جنيهات .إنها خطة تحتاج لجهد كبير وخاصة لشخص مثلي ، تاريخه المدرسي كله فشل وخزيان.تبقى للامتحان إحدى عشر س شهرا . واصل أحمد بيه في شرح خطته قائلا : ( يمكنك أن تعلن خطبتك لعزيزة في شهر أبريل 1939م) .
كان الامتحان يتكون من اللغة الإنجليزية ،الرياضيات ،المعلومات العامة والترجمة ، كما يجب اختيار مادة خامسة واقترح علي أحمد بيه أن تكون النسخ على الآلة الناسخة وهذا ما يعطيني ميزة على بقية الممتحنين .
• لا زلت أذكر ذلك اليوم ، هو يوم 18/01/1938م يوم زواج فاروق ملك مصر والسودان من الملكة فريدة . في ذلك الصباح قام أحمد بيه بصياغة الطلب الرسمي وتم توقيعه من ناشد أفندي ومن ثم أرسل لمستر باكو لتوقيع النهائي .بعد منتصف النهار عاد الطلب وعليه التوقيع المطلوب .قام أحمد بيه بإرساله في نفس اليوم إلى مكتب السكرتير الإداري . بمساعدة أحمد بيه والخال لبيب وفؤاد و أقرباءه تم تدبير الكتب اللازمة كما أمدني مستر باكو ببعض أوراق الامتحانات السابقة .وتقسم الأصدقاء والأحباب فيما يشبه ورشة العمل ، فكانت الرياضيات بإشراف أحمد بيه واللغة العربية بإشراف فؤاد أفندي والإنجليزية بإشراف الخال لبيب والمعلومات العامة بإشراف بطرس شقيق نعيمة . علق ناشد أفندي على ذلك قائلا : ( الكل مهتم بك ، بعض الفئران لها حظوظ عظيمة ، لا عذر لك بعد ذلك ) .كان الجميع يحذرني من الفشل وقد أدخل عليَ هذا الاهتمام الجمعي كثيرا من الخوف والرهبة ولكنني قبلت التحدي . كان الخال لبيب يقول لي : ( إذا كان لديك أيُ مشكلة قلها الآن لنعمل على حلها وبعد ذلك لا عذر لديك ، إنك الآن في العشرين من عمرك ، وإن لكل مشاغله وهذا هو مستقبلك أنت ).
في شهر يناير عام 1938م جلست للامتحان من ضمن ثمانين ممتحنا لنتنافس خمسين فرصة وظيفية في المرتبة جي . بعد الامتحان التحريري هناك مقابلة وامتحان شفهي ، كانت لجنة المقابلة تتكون من عشرة أعضاء ثلاثة منهم من السودانيين الذين على رأس العمل بالخدمة المدنية واثنين من السودانيين المتقاعدين والخمسة الباقين من الموظفين الإنجليز ومنهم مستر باكو مدير مصلحتنا . يبدو أن الأعضاء كانوا يعرفون الكثير عني قبل دخولي عليهم وهذا ما أقلقني وشتت تركيزي .وقد أخذت الشهور القليلة التي قضيتها كصبي خباز كثيرا من اهتمامهم. كما توقفوا عند حدث حصل لي عندما كان عمري عشرة سنوات ، عندما قبض علي وأنا متعلقا على قمة نخلة طويلة التقط منها البلح ، وكان عزيز ومجيد ينتظران تحت النخلة ، فهربا عندما رأيا عسكري السواري قادما نحوهما . مكثت متعلقا على قمة النخلة لمدة ساعة ، لينصرف العسكري ولكنه لم يفعل. فاستسلمت له وتم جلدي ست جلدات مع مصادرة البلح .كانت تلك الشجرة تابعة للبلدية ، لذلك كان دفاعي أمام أعضاء لجنة المقابلة : ( لا أحد يملك تلك الشجرة ) فانفجر أعضاء اللجنة ضاحكين عند سماع دفاعي مما زاد من ارتباكي ، وكادت شجاعتي أن تخونني . كنت مرتبكا من البداية لأنني لم أتوقع أن أسأل عن هذه الحادثة التي نسيتها مثل كثير من أحداث الطفولة . قال لي أحد شيوخ الخدمة المدنية :
- يبدو إنك كنت شقيا.
- لا يا سيدي ، بل نعم ، فلقد كنا أطفالا صغارا ولا أحد يملك تلك الشجرة ولا أحد يريد أن يقدر ذلك.
لقد كنت أتساءل في نفسي هل هذه هي المقابلة المنشودة ؟ أم إنهم يودون السخرية مني ثم يدخلون بعد ذلك في صلب الموضوع ؟ ولدهشتي سمح لي بالانصراف ولم يتطرقوا لأي موضوع آخر .
خرجت من اللجنة وأنا في غاية الإحباط ذهبت إلى منزلنا سيرا على الأقدام وعندما دخلت المنزل كان به عزيزة ونعيمة وما أن رأياني حتى بادراني بالسؤال في صوت واحد :
- ما الخبر ؟
- لقد فشلت وسوف أسافر إلى بوخارست أو بودابست.
ثم ذهبت إلى غرفتي ولحقت بي نعيمة لتخفف عني : ( لقد فعلت ما في وسعك لا أحد ينكر ذلك ولكن يجب الا نتوقع البلاء قبل وقوعه ، لقد أزعجت عزيزة فذهبت مهمومة إلى بيتها ). لقد فعلت نعيمة ما في وسعها لتخفف عني ولكن يأسي أكبر من أن يخفف عنه. بعد ذلك وصل الخال لبيب البيت وشرح لي الأمر من ناحية إدارية : ( الحكومة لن تفصلك من عملك ولكنك سوف تكون محلك سر - أي ناسخ على الآلة الكاتبة طوال عمرك،أما موضوع السفر فيمكنك أن تناقشه مع أحمد بيه و سوف يفيدك أكثر مني ) ثم أضاف بعض النصائح : ( خذ إجازتك السنوية وأطلب تذكرة قطار للإسكندرية ولكن يجب أن تؤجل كل هذا بعد ظهور النتيجة رسميا ) ، فقلت له والعبرة تخنقني : ( لن أنتظر حتى أبلغ رسميا ) .
في اليوم التالي تكلم معي أحمد بيه بأسلوبه الودي اللطيف : (إنه من المبكر أن أتقدم باستقالتي ولن يضيرني شيئا إن انتظرت حتى ظهور النتيجة ) . دعاني ناشد أفندي إلى مكتبه ليوبخني : ( لقد أخرجك حبك عن طورك ، سوف تعرف النتيجة في نهاية فبراير ، لذا أحفظ استقالتك حتى أول مارس . إنك تستحق إجازة سنوية قدرها ثلاثة أسابيع ونصف تذكرة بالدرجة الثالثة حتى الإسكندرية ، ومن هناك تأخذ تذكرة على سطح السفينة – On Deck Ticket – وهي رخيصة جدا وأنا سوف أساعدك لأتخلص منك ولذلك سوف أكتب لأخي ليقابلك في القاهرة ويتولى أمرك ) ثم تبسم في وجهي فقلت في نفسي : ( يالك من قبطي مضجر حتى وأنت تبتسم ) .
في فترة انتظار النتيجة عافت نفسي الطعام و كانت تنتابني نوبات صداع عصبي لا تنفع معه كل مسكنات الدنيا .كانت عزيزة تتجنب مقابلتي ولكنها كانت تزور نعيمة في غيابي لتتقصى أخباري .
في نهاية شهر فبراير دعاني ناشد أفندي إلى مكتبه ،ودعا أيضا فؤاد وأحمد بيه .كان وجهه خاليا من أي تعبير ، دعاني للجلوس لأول مرة مما زاد من خوفي وتوتري ، ثم قال بأسلوبه الذي لا أحبه : ( هل أنت من الرجولة بحيث تتحمل بعض الأخبار . أعلم إنك أضعف من أن تتحمل هذه الأخبار. ) ثم أبرز خطابا من درجه قائلا : ( هذا الخطاب وصل من مكتب السكرتير الإداري منذ ساعتين وقد احتفظ به مستر باكون لبعض الوقت لأنه احتار كيف يفجر النبأ ) .ثم قدم لي الخطاب ففضته بيد مرتعشة وكان فحواه بأنني قد اجتزت امتحان الخدمة المدنية لأسكن بالمرتبة ( ) ابتداء من يوم 15/02/1939م ليكون راتبي خمسة جنيهات ونصف .
لم أصدق عيني وللحظات كنت أظن أنها مزحة من ناشد أفندي . ولكن ناشد أفندي مثال للموظف المنضبط وإذا أراد أن يمزح _ وقلما يفعل ذلك – فلن يصل به المزاح لهذا الحد . تسابق فؤاد وأحمد لأخذ الخطاب من يدي وما هي لحظات ، إلا وكنت أنتقل من حضن أحدهما للآخر وهم يقبلاني في فرح ، أمَا ناشد أفندي فما زال سادرا في تعليقاته المضجرة مثل : ( يضع سره في أضعف خلقه ) وبالرغم من ذلك فقد شكرته فهو بلا شك يتمنى لي كل خير في داخله ولكن يعوزه الأسلوب . رد ناشد أفندي على شكري ناصحا : (( لا تعتقد أنك وصلت نهاية المشوار ، إنها البداية ،فأمامك امتحان المرتبة اتش ( H) ).رجعت لمكتبي وقام بقية الزملاء بتهنئتي في ود حقيقي .

منتصر
07-09-2009, 04:03 PM
31)



خطوبتي من عزيزة



تصغر نعيمة خالي لبيب بثلاثة سنوات ، وبالتالي فهي أصغر من أمي ، أقول ذلك لأن ترتيب الأعمار له أهمية كبرى عند مجتمع المواليد وكثير من المجتمعات السودانية الأخرى . ترتيب السن لا يسمح لنعيمة أن تفاتح وردة في أمر خطوبتي ، ولكن لما لها من شخصية قوية وعقل راجح وتأثير على كل عائلتنا الممتدة ، استطاعت أن تدبر الأمر مع أمي وخالي لبيب . كانت تحب لبيب وهي العقل المدبر لشئون عائلتهم الصغيرة ، كانت ترفد لبيب بالأفكار والنصائح ولكنها كانت توحي للجميع بأن خالي هو الكل في الكل وأن جميع الأمور في يده والباقين عليهم التنفيذ والطاعة ،حتى تحفظ للخال مكانته كرجل البيت . لقد كنت محظوظا في أن أكسب عطفها وثقتها حتى قبل أن تبدأ علاقتي مع عزيزة . فقد كانت أول شخص أبوح له بميلي نحو عزيزة . كانت تطلب مني أن أناديها بأمي وقد كانت مثل أمي في حبها ورعايتها لي .
بعد مضي عام من تثبيتي بالخدمة المدنية ، زارت أمي وردة أم درمان في طريقها لود مدني .استطاعت نعيمة أن تبقيها أسبوعا آخر حتى يمكنها أن تتعرف أكثر على عزيزة . أعجبت وردة بعزيزة وقالت لأمينة ما بين الاعتراض والتأسف: ( ولكن صوص لا يملك مالا و ما زال صغيرا ومتهورا ولم يتحمل المسئولية بعد حتى إنه لا يساهم مع أيوب في مصاريف البيت ).
بعد نهاية الزيارة سافرت نعيمة وعيالها مع أمي ليقضوا أياما بود مدني وكان موضوع خطبتي هو الموضوع الساخن في جلسات الأنس هناك . عند غياب نعيمة في ود مدني كنا أنا وخالي نتناول طعامنا عند فؤاد .كنت أظن أن الجو سيخلو لي ولكني فوجئت بتحذير خالي وفؤاد من مقابلة عزيزة،.احترمت تحذيرهم لأن قصة آل هارون ما زالت عالقة في الأذهان.فكنت أقلل من ساعات مكوثي في البيت وأكثر من زيارات صديقي حسن. خانتني شجاعتي أن أفاتح أبي في موضوع الخطوبة وترك الأمر لأمي مع خطاب بكل التفاصيل من خالي لبيب كما تحمس العم فانوس لخطوبتي ووعد أن يتولى أمر أيوب. كان ذلك في أوائل عام 1938م وهذا يتزامن مع اتفاقية ميونيخ بين بريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكذلك مع بداية استعدادي للجلوس لامتحان الخدمة المدنية كما ورد سابقا .

منتصر
07-09-2009, 04:04 PM
(32)

عقد القران
(نصف إكليل)

الآن كل زملائي في المكتب يعلمون أن عقد قراني على عزيزة – وهي خطوة أكبر من الخطوبة _ قد أصبح وشيكا .صار بعضهم يناديني بلقب العريس ،ويسأل فؤاد عن موعد الاحتفال . كان من الصعب عليَ وعلى فؤاد الإجابة على هذا السؤال ، لأن تحديد الموعد يتم بواسطة الأسرتين مجتمعتين وراعي الكنيسة التابعتين لها . إبداء الآراء وتبادل الرسائل قد بدأ بالفعل منذ زمن. فقد داوم الخال لبيب على كتابة خطابات للوالد، تحوي كل التفاصيل .فكتب الوالد -عملا بنصيحة لبيب - خطابا لفؤاد يشرح له مجمل رأيه في الموضوع . وهنا أورد لكم بعضا من فقراته : [ يشرفنا أن يتم ذلك ولكن صوصا ما زال صغيرا يافعا لا يقدر المسؤولية . إذا اقتنعتم أنت ولبيب بأن ذلك ممكنا، فإنني أحملكم المسؤولية المترتبة على هذا القرار الخطير . إنني أنصح بالاكتفاء بخطوبة مبسطة .. وليس عقد قران في الوقت الحالي. على أن على أن يتم العرس خلال فترة تمتد من عامين إلى خمس أعوام . إنني أتشرف بهذه العلاقة وأشكركم على رعايتكم لابني . وبما إنه تحت رعايتكم وإشرافكم ، فلكم أن تعملوا كل ما ترونه في مصلحته .و أرجو أن يكون واضحا للجميع … بأن الولد يجب أن يتحمل كل المصاريف . وأضعها أمامكم واضحة بأنني لست مسؤولا عن أي أعباء مالية تتعلق بهذا الموضوع ، وآمل ألا يفهم هذا بأنه زهدا مني في الاقتران بعائلتكم ، فانه يشرفني أن تكون عزيزة عضوا في عائلتي وهي بمثابة بنتي }
كانت التقاليد توجب أن تجتمع الأسرتين عدا شخصي وعزيزة ، لمناقشة التفاصيل وتفاصيل التفاصيل . وقد تم ذلك بعد أربعة أسابيع . حضرت أسرتي بكاملها من عطبرة خصيصا لهذا الغرض .طُلب منا أنا وعزيزة مغادرة المنطقة ، فذهبت عزيزة لأحد أقاربها الساكنين قرب قبة المهدي ، وذهبت أنا للديوم بصحبة حسن لزيارة ابنته. كان الاجتماع يضم أبي ،أمي ، خالي لبيب ،وزوجته نعيمة ،فؤاد وشقيقته ونسيبه بولس ، الخال جاد الرب و أحمد بيه كعنصر محايد يستطيع الطرفان أن يحتكموا إليه إذا دعا الأمر .
بعد رجوعي في المساء علمت أن الاجتماع قد أقر عقد القران و تأجيل الزواج ، كما أقر أن يكون المهر من حر مالي ، حتى أثبت لهم أهليتي للزواج . قُدِر المبلغ بأربع وخمسون جنيها تفاصيلها كالآتي :

خمسة وعشرون جنيها للذهب والمجوهرات وخاتمي الزواج
سبعة جنيهات للطعام خلال أيام الاحتفال الأربعة
سبعة جنيهات مصاريف جيب لفؤاد ( تدفع للأب إذا كان على قيد الحياة
ثلاثة عشر جنيها لملابس عزيزة وتشمل فستان الزفاف

هذه الأشياء تستعمل مرتين في عقد القران ثم تحفظ لتستعمل مرة أخرى عند إكمال مراسيم الزواج.
وقد تقدم بعض الأهل بالمعونات الآتية :
عشرة جنيهات من الأهل بود مدني
خمسة جنيهات من الخال جاد الرب للعطور
خمسة جنيهات من الوالد لعزيزة
خمسة جنيهات من العم فانوس
ثلاثة جنيهات من أحمد بيه فهو الآن من زمرة الأهل

تعامل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية نصف الإكليل معاملة صارمة ، كأنه زواجا كاملا .لذا يعتبر فسخ هذا العقد من الأمور الصعبة ، التي تتطلب تحقيقا مطولا من الأبرشية في مصر .والتي قد تفرض تعويضا ضخما للطرف المتضرر ضد الطرف المتسبب . كما إن ناقض هذا العهد سوف يجد صعوبة في الزواج من أخرى ، لأن بقية الأسر لن توافق على قبوله .وبذلك يصبح منبوذا في مجتمعه.
هذا العقد يسمح لنا أنا وعزيزة بالخروج سويا بصحبة مرافق .كما يسمح لنا بتبادل الزيارات في منازلنا والتماسك بالأيدي .


**


في اليوم التالي أحضرت كامل المبلغ للمهر ، وأعطيته لنعيمة بحضور أمي * الحبوبات وشقيقة عزيزة . في المساء ذهب هذا الجمع للصائغ لاختيار الذهب والمجوهرات . علمت بعد عدة سنين بأن عزيزة أعطت خفية لنعيمة مبلغ عشرون جنيها إضافة لما رصد من قبلي لشراء عقدا وتاجا كانت قد أوصت عليهما الصائغ . قلت علمت بذلك متأخرا ، لأن الرجل وهو الذي يتكفل بمصاريف الزواج ، كما جرت العادة في مجتمع المواليد . ومن عاداتنا أن تختفي العروس من أعين الناس في الأيام السابقة للاحتفال. كما يجب أن تخضب يديها ورجليها بالحناء وكذلك يفعل العريس .وعندما رفضت ذلك أجبرنني نساء العائلة على تخضيب يدي اليسرى ومن عاداتنا في مثل هذه المناسبة الاستعمال الكثير للعطور من قبل الجميع رجالا ونساء .


**


بتصديق خاص من الأبرشية القبطية في مصر، سمح لنا بإقامة حفلنا الديني في فناء منزل الخال لبيب ، بدلا من الكنيسة .مراعاة لحالة الطقس في ذلك الشهر – أبريل – وقد درجت الكنيسة بنصح رعاياها بإقامة زيجاتهم في الفترة بين شهري نوفمبر و فبراير ،وقتئذ تهبط درجة الحرارة إلى العشرين مئوية في ليل أم درمان .هذه المناسبات تجذب كثيرا من الناس ، كثيرا منهم مدعوا بواسطة أصدقاء الأصدقاء ، فهو مصدر فخر لأصحاب المناسبة ، لأن التجمع الكبير والضجيج العالي يدل على مكانة العائلة وتواصلها الاجتماعي.
نصب الصوان و صفت الكراسي المستأجرة في فناء منزل الخال ، منها أربعة كراسي مميزة وضعت مقابلة للجمع وهي للعروسين ووصفائهما ، وصيف لكل منهما -يدعونه الوزير - ويجب أن يكون غير متزوج . أُجلس القسيس و جوقته على أريكتين خشبيتين متقابلتين .
بعد مغيب شمس ذلك اليوم ، تحرك موكب العروس من منزل أهلها وهو ما يعرف بالزفة . عند وصولها منزل الخال قابلها القسيس ومعاونوه بالتراتيل الدينية المصحوبة بالموسيقى المصرية الكلاسيكية . يتوجب على عزيزة تقبيل الصليب الكبير المنصوب أمام منزل الخال ، ثم تقبيل يد القسيس الذي يرشها بالماء المبارك . استغرقت العروس عشرة دقائق حتى تصل لكرسيها على بعد ثلاثين مترا من مدخل صوان الحفل . بعد جلوس عزيزة على كرسيها خطب القسيس خطبة قصيرة جاء فيها : ( أنا خادم الرب وراعي هذه المناسبة السعيدة ، أزف إليكم :أن صوصا وعزيزة سوف يدخلان مرحلة حاسمة من حياتهما :- إنها نقطة اللاعودة . ولكن قبل أن نبدأ نود أن نعرف ، هل منكم من له اعتراض على إتمام هذا الأمر . ) ثم توقف لمدة دقيقة ساد فيها الصمت ولم يتقدم أحد باعتراض .ثم استأنف القديس عمله بتوجيه دخان البخور نحو العروسين ، ونثر الماء المبارك عليهما ،ثم قدم موعظة في شأن المؤسسة الزوجية وواجبات الزوجين تجاه بعضهما .
عندما طلب مني القسيس أن أبرهن على اعتباري لعزيزة ، قامت نعيمة بإحضار المهر. كان طقما ذهبيا مكونا من عقد ذهبيا مطعم بالزمرد والماس وتاج من شاكلته . كان يتوجب على أن ألبسها هذا الطقم مع خاتم الزواج أمام الجميع .ثم طلب منا أن يقبل كل منا الآخر وسط تصفيق الحضور وزغاريد النساء _ من ضمن الاستعدادات في نهار يوم الحفل أشرفت أمي على نظافة فمي بغسله بالصابون الإسناوي بعد أن نظفت بقايا الطعام بين أسناني بشوكة نباتية _ . كانت لحظات جياشة بالمشاعر الحميمة عندما جاءت حبوبة خالدة لتحضنني وتشمني كعادتها ، ثم قالت ودموع الفرحة تكاد تخنقها : ( الحمد لله الذي أحياني إلى هذا اليوم ، ما في أحلى من الجَنَى إلا جَنَى الجَنَى {ما في أعز من الابن إلا الحفيد} ، ربنا يحميكم من أولاد الحرام )
لقد سرني حضور العم فانوس هذه المناسبة .فقد انهمك في الحديث مع عزيزة ولقد رأيتها تنفجر ضاحكة بين الفينة والأخرى . يبدو إنه كان يحكي لها طرفا من نوادر وشقاوة طفولتي ، كما رأيت الوالد يدخل في حديث حميم ، مع أحمد بيه وناشد أفندي اللذان حضرا المناسبة مع بقية الزملاء ، وقد تغيب كما هو متوقع المدير الإنجليزي مستر باكون.
في اليوم التالي وكما جرت العادة ، تكفل الجيران بوجبة الغذاء من منازلهم .أما الأصدقاء القادمون من أماكن بعيدة من العاصمة وخارجها ، فقد تكفلوا بإحضار المشروبات بأنواعها.حرص جمع كبير من العائلة وأصدقائها على الحضور ، أخذ بعضهم إجازة محلية لمدة أسبوع و منهم من أخذ إجازته السنوية خصيصا لهذه المناسبة ، ومن ضمنهم الوالد والأخوال .كان بودي حضور العم ديمتري ولكن ظروفه حالت دون ذلك .كان صديقي حسن وابنته بين الحضور .وقد مكث معي يومين ،ومكثت ابنته لمدة خمسة أيام، تساعد في الخدمة .أذكر إنني أعطيتها ستة شلنات مقابل ذلك .
تبودلت عبارات المجاملة بين العائلتين . وأذكر أن الوالد عندما قبل عزيزة مهنئا قال لها : ( إنني فرح بك لأنك فتاة كريمة من عائلة كريمة ) ، فما كان من فؤاد كما هو متوقع في مثل هذه الحالات أن قال : ( لا يا عم أيوب لا تقل مثل هذا الكلام ، نحن الذين تشرفنا بهذا النسب ، إن صوصا شابا شهما كريما من صلب عائلة كريمة) ثم أضاف مبتسما : ( إذا لم يحافظ على مثل هذا السلوك فإن عزيزة سوف تريه الطريق المستقيم ) وأنفجر الجميع ضاحكين .


**


كان زواجي في أبريل عام 1939م .وهي الأيام التي يبدأ فيها الإنجليز بحزم أمتعتهم لمغادرة السودان في إجازاتهم السنوية ، هربا من جحيم الصيف . بالرغم من أن نذر الحرب في ذلك العام أخذت تتصاعد في أوربا – فقد كنا نقرأ ذلك في الصحيفتين المحليتين المصدق بهما آنذاك_.
قفزت من مقعدي مفزوعا ، عندما تلقيت دعوة مستر باكون إلى مكتبه ، في أول يوم من نزولي العمل بعد إجازة الزواج .ما إن دخلت مكتبه حتى بادرني قائلا :
- كيف حالك يا عريس .؟
- الحمد لله ، أشكر سعادتك.
- أتمنى لك حياة سعيدة . سمعت أنها :كانت قصة حب عظيمة ، ولكنها أمر عادي وسط مجتمع المواليد ، أليس كذلك ؟
هززت رأسي بالإيجاب ولم أزد ، فواصل هو الحوار :
- بالطبع سوف تبدأ في الاستعداد للامتحان المؤهل للدرجة اتش (h ) في شهر يناير المقبل .
- إن شاء الله.
- لقد سمعت بأن الاحتفال كان رائعا ، وأروع ما فيه إنه كان مسنودا بقصة حب . هل حقا اشتريت أربعة خرفان لأيام الاحتفال الأربعة .
أجبت في أدب أقرب للخجل :
- نعم حقا سعادتك ، إنها التقاليد
- هل هناك شيئا معينا يمكنني أن أحضره لك أو لزوجتك من بريطانيا العظمى ؟
- نعم سعادتك … لا سعادتك
توقفت لمدة عشرة ثواني لاستوعب المفاجئة ، ثم قلت :
- نعم سعادتك … كم يكلف الراديو من بريطانيا ؟ راديو من النوع الذي يتكلم عربي وإنجليزي .
ما أن أكملت جملتي ، حتى استغرق مستر باكون في نوبة من الضحك وشاركه في الضحك أحد الضيوف الإنجليز الذي صادفته في مكتبه . قلت لأوضح قصدي وكأني استعرض معلوماتي ، ولكنني كشفت عن جهلي:
- كما تعلم سعادتك فإن هناك راديو يتكلم إنجليزي فقط ، ولقد سمعت واحدا يتكلم العربية ، فهل هناك آخر يتكلم اللغتين معا ؟
فقال مستر باكون وكأنه يحدث نفسه وهو مازال غارقا في الضحك :
- هذا لا يصدق !!!
ثم بعد أن أكمل ضحكته :
- يا لك من شخص طريف !! خذ جهازي هدية لك بمناسبة الزواج .وسوف أحضر بديله من هناك . ولكن دعني أقول لك : أن أي راديو يمكنه أن يتكلم العربية والإنجليزية بل قل الفرنسية والألمانية وأي لغة أخرى.
شكرته ثم لملمت أطرافي وغادرت المكان .
كان هذا الراديو من أقيم الهدايا التي تلقيناها من خارج الأسرة .وهي تقدم عادة بعد إكمال الزواج رسميا، لتساعد في تأثيث عش الزوجية . إنني حتى ذلك الوقت ما زلت أسكن مع الخال، الذي ما زال يرفض مساهمتي في مصروف البيت .

منتصر
07-09-2009, 04:05 PM
(33 )



الديوم
في جنوب الخرطوم


لم يجد أحمد بيه كبير عناء في أن يقحمني في اهتماماته بمهاجري غرب إفريقيا .لقد كنت أقل وعيا بالبحوث السياسية والاقتصادية التي يعول عليها أحمد بيه من هذا الاهتمام .طلب مني أحمد بيه أن آخذه لمنطقة الديوم جنوبي الخرطوم .وهي منطقة سكن عشوائي ، على بعد ثلاثة أميال من محطة السكة حديد .وتحتل المساحة بين النيلين الأزرق و الأبيض .
وافقت على مرافقته إلى هناك بصحبة صديقي حسن ،الذي يعرف المنطقة جيدا .كان أحمد بيه ممتلئا حماسا وتتدفق المعلومات من فمه كأنه ينفث دخان سجائره : ( هل تعلم أن السياسة البريطانية ليست حشد السودان بمهاجري غرب إفريقيا فحسب ، بل تشجيعهم على الاستقرار في شبه الجزيرة العربية والحبشة . هناك شبه اتفاق بين القوى الاستعمارية بريطانيا ، فرنسا وبلجيكا لإنقاص عد السكان غرب وجنوب غرب السودان الجغرافي ) ثم أضاف : ( سوف أدفع لحسن شلنين .. أريد أن أرى مستودع البشر ).
**


في صباح أحد أيام الجمع ، اصطحبنا حسن لمنطقة الديوم .حيث قدمنا لأنماط مختلفة من البشر . كان أحمد بيه يريد أن يعرف كل شئ : من أين أتوا ؟ وأي طريق سلكوا ؟ وكم من الزمن استقروا هنا ؟ وماذا يعملون لكسب عيشهم وكم عدد أفراد الأسرة ؟ كم عدد الذين توفاهم الله ؟ ولماذا هاجروا من هناك و إلى أين وجهتهم بعد الخرطوم ؟ و .. و… و .. ؟
بعض المهاجرين من الكنغو استطاعوا التواصل مع أحمد بيه باللغة الفرنسية التي يجيدها .الكل أبدأ رغبته في تعلم اللغة العربية لغة القرآن والرسول محمد .أخذنا حسن إلى حانوت أحد اليمانية ، حيث اشترينا إفطارامكونا من الخبز والفول مع زيت السمسم وجلسنا أرضا لتناوله تحت ظل شجرة دوم قرب الحانوت .
قال أحمد بيه كأنه يكلم نفسه : ( بعد عشرة سنوات سوف يستبدل الأربعة آلاف مصري الموجودين في السودان بهؤلاء السودانيين الجدد . إن السودان لن يعود إلى أصله كمحافظة مصرية ، وهذا من حسن الطالع ، ماذا فعل المصريون وحكوماتهم من أجل أنفسهم ؟ إنهم لن يفعلوا للسودان شيئا ولن يستطيعوا المحافظة عليه سليما . ) ثم توقف ليبتلع لقمته .ثم نظر لي ليكشف سرا يهمني : ( لقد أجبت بامتياز في الامتحان .. هل تعلم أنهم كادوا أن يحولوا بينك وبين المرتبة جي (j ) !! لو لا إصرار عضو اللجنة ، السوداني العظيم أبو سن الفيل. الذي أصر على نجاحك بالرغم من تقرير جولدسميث مفتش عطبرة !! .. ياله من فول لذيذ أطلب لنا المزيد ).
تحت أحد أشجار الدوم ،وعلى بعد ثلاثين مترا من مجلسنا . تحيط مجموعة من المهاجرين حول أحد النساء ، يحتسون المريسة و يأكلون الفئران المشوية التي يشترونها منها . يدفع أحدهم قرشا أو قرشين ويختار الطريقة التي يريد أن يقدم له بها الفأر ، مشويا كان أو مسلوقا .تقوم المرأة بجذب الفأر من ذيله من قفص موضوعا بالقرب منها ، ثم تضعه في الماء المغلي ليموت في ثواني .ثم تقوم بحلق فروته بالموسى وتضيف إليه الملح والبهارات .ثم تقوم بإنضاجه بالطريقة التي اختارها الزبون. كذلك إذا طلب الزبون قطة فأنها سوف تقوم بإعدادها بنفس الطريقة والسرعة . كان هذا المشهد غريبا بالنسبة لأحمد بيه أما بالنسبة لي ، فإنني قد شاهدته عشرات المرات في عشش فلاتة بعطبرة .

منتصر
07-09-2009, 04:06 PM
(34)



جنون العالم


بعد أسبوع من إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا في سبتمبر عام 1939م ، تلقيت عرضا للانضمام للقوات البريطانية الإفريقية المشتركة ، براتب شهري قدره عشرة جنيهات . في حالة نقلي خارج السودان سيرتفع إلى عشرون جنيها مع ضمان السماح لي بالجلوس لامتحان التأهل للمرتبة اتش (h ).
ذهبت لتسليم نفسي لمكتب التجنيد الواقع قرب سينما النيل الأزرق، قابلت هناك الرقيب الأول .كان لونه أحمرا مثل جذر البنجر من فعل طقس السودان . كنت المراجع الوحيد هناك .كان الهدوء في المكان لا يوحي بوجود أي حرب .
رحب بي الرقيب الأول بنظرة ثم خاطبني قائلا : ( يجب فتح ملف جديد لك ، لا تنس إنك في إعارة وقد تعود للخدمة المدنية في أي وقت ، أملأ هذا النموذج قبل الذهاب للفحص الطبي .) عندما ناولته النموذج بعد التعبئة نظر في سطوره ثم قال : ( لا توجد شهادة ميلاد ولكن يمكنك أن تخمن التاريخ.). وعندما سألته عن المهام التي ستوكل لي ، أجاب : (سوف ندربك على قيادة الشاحنات الكبيرة وقد توكل لك مهاما أخرى ، إننا نريد رجلا لكل المهام . طبعا لا يسرك أن نخسر الحرب، الآن اذهب للفحص الطبي في الغرفة المجاورة ) في غرفة الفحص الطبي استقبلني المساعد الطبي الإنجليزي لأخذ عينات الفحص ثم دخلت على الطبيب الذي قام بفحصي على الأريكة الطبية بسماعته الطبية وسألني عن تاريخي المرضي وهل توجد أمراض وراثية في العائلة وبعد ذلك كتب على النموذج { لائق طبيا}
قبل منتصف ذلك اليوم صرت مجندا في القوات البريطانية الإفريقية المشتركة وكان الراتب حقا عشرة جنيهات إذا اخترت العيش في منزلي وثمانية جنيهات إذا اخترت العيش في الثكنات العسكرية وإذا نقلت داخل السودان يرتفع الراتب بمقدار ثلاثة جنيهات ،أما إذا أرسلت لجبهة القتال فإن الراتب سيكون مضاعفا والأكل والشرب مجانا .
في الساعة الثانية بعد الظهر رجعت إلىمنزلنا مرتديا اللبس العسكري طاويا ملابسي المدنية تحت إبطي . انزعجت عزيزة غاية الانزعاج عندما رأتني بتلك الملابس ( إنك تريد أن ترملني قبل إكمال الزواج ) . نعيمة تماسكت وتمنت لي التوفيق لأنها مدركة للأسباب التي دعتني لذلك.أما الخال لبيب فقد طمئنهم قائلا:(كما ترون ليست هذه الأجواء بأجواء حرب .إن الحرب في أوربا ولن يرسلوه إلى هناك، دعوه يكسب بعض المال )

في صباح اليوم التالي ذهبت للمعسكر في المواعيد المحددة ، حيث بدأت التدريبات العسكرية وصرفت لي وجبة إفطار مجانية .التدريبات العسكرية تشتمل على طابور صباحي وتمارين رياضية .ثم بدأت تدريباتي في تعلم قيادة الشاحنات، بإشراف جندي إنجليزي عجوز ذو طاقم أسنان اصطناعي .كانت هذه أول مرة في حياتي أرى مثل هذا الطاقم، لقد ذهلت أول مرة عندما رأيته يحركه في فمه دخولا وخروجا .
هذه أول مرة أحب فيها عملي. لقد تأثرت مذاكرتي للامتحان خلال الأسبوع الأول للتجنيد نتيجة تغير برنامجي اليومي . كنت اجلس من بعد الغروب إلى منتصف الليل _ حوالي ستة ساعات _ ثم أنام لأصحو مبكرا للحاق بالعمل ، الذي يتطلب جهدا عضليا خلافا لعملي في مصلحة الزراعة . في شهر مايو من عام 1940م تقدمت بطلبي للجلوس للامتحان الذي أجيز ووقع من مستر باكون ثم أرسل لمكتب السكرتير الإداري .


**


في شهر يناير عام 1941م جلست للامتحان . وكان من حظي أن وجدت أبو سن الفيل و مستر باكو من ضمن أعضاء لجنة الامتحان وكان النجاح حليفي . كانت عزيزة أكثر الناس فرحا بهذا النجاح لأنها تعتبر موضوع امتحاني بمثابة معركتها الخاصة وبالطبع فرح كل الذين حولي بهذا النجاح .
في دعوة الغذاء التي أقمناها في بيت لبيب احتفالا بالنجاح _ فاجأت الجمع بقولي :
- الآن دعونا نحدد موعد إكمال الزواج – ما رأيكم في الشهر القادم ؟
ردت نعيمة في سخرية :
- من أين لك المال ؟ هل لديك قملا لتبيعه ؟
وهنا ضج الأحباب بالضحك وتوالت التعليقات ، فقال بولس زوج شقيقة عزيزة :
- من الأفضل أن يكون في شهر أكتوبر فإن الجو سيكون أفضل ، كما أن البيت يحتاج لإصلاح وهو ما يتطلب وقتا ومالا .
بعد ذلك تداخل النقاش والكل يدلي برأيه : ( إن شاء الله ربنا يتمم على خير) ( ربنا يسعدكم ويحفظكم ) ( الأفضل أن يكون في شهر ديسمبر لأن المراسيم ستأخذ مكانها داخل الكنيسة ) .
بعد الغذاء نهض القسيس لينصرف ، فنهض الجميع لوداعه وقبل انصرافه صلى لنا صلاة قصيرة وتفل في وجوهنا ليباركنا .
لم تنقطع الزيارات المتبادلة بيني وبين عزيزة . نصف الإكليل يسمح لنا بذلك . كما أن خروجنا معا للسينما في أيام الجمع أو الآحاد استمر ، فقد كنا نذهب إلى هناك متشابكي الأيدي مقلدين في ذلك أغاريق أم درمان ولكن خروجنا إلى السينما ومشاويرنا الأخرى ، لا بد أن نكون بمرافقة أحد أفراد الأسرتين على الأقل .

منتصر
07-09-2009, 04:07 PM
(35)



الحرب تصل عطبرة


في العاشر من مايو عام 1940م أصبح ونستون تشرشل - الذي بدأ حياته في أوائل هذا القرن مراسلا حربيا في كوبا والسودان - رئيسا للحكومة البريطانية ، وبعدها تسارعت خطا الاستعداد للحرب في أوربا و مستعمراتها .ازدادت الحاجة للعمالة الفنية وارتفعت الأجور. لانعدام ثقافة التوفير والاستثمار في السودان وبقية دول العالم الثالث ، كان العامل يتوقف عن العمل عندما يجد أن لديه ما يكفيه للعيش بدون عمل لعدة أشهر . كي تضمن قيادة الجيش العطاء المستمر لهذه العمالة ، لجأت إلى استيراد مجموعة من الفتيات والسماح لهن بفتح بيوت الهوى في أنحاء متفرقة من العاصمة والأقاليم حتى يبعزق العامل فلوسه في هذه البيوت ويكون في حاجة دائمة للعمل . خططت الحكومة لهذا العمل دون مراعاة للنواحي الاجتماعية والدينية للسكان المحليين .هذه السياسة ليست وليدة سنوات الحرب، فقد طبقت منذ أوائل هذا القرن وخاصة في أيام الحرب العالمية الأولى. كانت بعض الآراء تنادي باستيراد عمالة من المستعمرات الأخرى مثل مصر والهند ، لأن مهاجري غرب إفريقيا تقل بينهم نسبة العمالة المدربة ، لكن سير ريجنالد وينجت حاكم عام السودان ( 1899- 1916م ) رفض هذا الاقتراح خوفا من ارتفاع تكاليف العمالة المستوردة..معظم سكان السودان ذوي طبيعة رعوية تنفر من الاستخدام عند الغير وإذا اضطروا لذلك فهم يعملون لشهور معدودة لجمع مبلغا من المال يمكنهم من زيادة عدد بهائمهم وبالتالي زيادة مكانتهم الاجتماعية .
لقد نجحت هذه السياسة – سياسة المواخير – أيما نجاح وبذلك يمكننا القول أن المواخير لعبت دورا كبيرا في تاريخ السودان السياسي والاقتصادي


**


في نهاية شهر مايو 1940م أخبرني الرقيب بأن إيطاليا على وشك أن تعلن الحرب على بريطانيا العظمى وأن مهمة غزو المستعمرات الإيطالية في القرن الإفريقي ( الحبشة وإريتريا) ستكون عن طريق السودان ، أما الصومال فسيتم غزوها من كينيا وإن هذا الغزو قائما لا محالة ،إلا أن تتحرى إيطاليا الحكمة وتنسحب طائعة مختارة .كما أن طرد إيطالية من هذه المناطق ، يجعل كل البحر الأحمر بما فيه قناة السويس وباب المندب وخليج عدن مياها بريطانية .
بالفعل أعلنت إيطاليا الحرب على بريطانيا في يوم 10 يونيو من نفس العام . كان الاستعداد البريطاني لهذا الإعلان كبيرا ، ففي خلال شهر من هذا الإعلان المشؤوم امتلأت عاصمتنا الهادئة المسالمة بكتائب الجيوش من كل صنف ونوع : من إفريقية الغربية ، جنوب إفريقية ومن بريطانيا نفسها . بالرغم من هذا الحشد العسكري فإن العاصمة تنام في هدوء تام حوالي العاشرة مساء، ليبدأ الضجيج في الصباح الباكر.


**


عندما ذهبت لاستلام راتبي عن شهر يونيو ، دعاني الرقيب إلى مكتبه وأخبرني بأنني مطلوب للعمل بمدينة عطبرة ، وعلي أن أسلم نفسي للقائد هناك في خلال أسبوع وسوف يزاد راتبي خمسة جنيهات في الشهر ابتداء من اليوم .
كانت أحد أمنياتي أن أعود إلى مدينتي و أعيش مع عائلتي من جديد . ولكنني كنت متخوفا من ردة فعل عزيزة ، وبالفعل كان وقع هذا ثقيلا عليها واعتبرته نوعا من الهجران وكان أسبوعا حزينا لكلانا .
في محطة القطار كان في وداعي الخال وفؤاد وبولس ، قد كنت حزينا مهموما لأنني أفارق عزيزة للمرة الأولى منذ عقد قراننا .
بعد وصولي عطبرة ،أخذت طريقي إلى منزلنا على بعد خطوات من المحطة . كان أبي يعلم بموضوع تجنيدي ولكن لا علم له بموضوع نقلي إلى عطبرة . أما وردة فلا علم لها: لا بالتجنيد ولا بحضوري لعطبرة .
طرقت الباب طرقا خفيفا ثم دلفت دون أن يأذن لي أحد بذلك، فهو منزلي ومرتع صباي. كانت أمي أول من وقع عليه بصري من أفراد المنزل . كانت تجلس على مقعد منخفض ( بنبر) ممسكة بأحد الجرائد يبدو إنها تقرأ فيها خبر الاستعداد للحرب، وكان كلبنا جون ووكر يجلس تحت رجليها .
بادرتني أمي قبل أن ترد تحيتي :
- ما هذا الزي العسكري !! ؟
- لقد تم تجنيدي . ألا تعلمين ؟
- لا ..!! .. لا أحد أخبرني .. حتى أيوب لم يخبرني . تريد أن تهلك نفسك .. ما مصلحتك في ذلك ؟
وبعد أن أكملت السلام على بقية أفراد الأسرة ، أحضرت أختي خالدة الشاي وسألتني :
- أين بندقيتك ؟
- لم يصرف لي أي بندقية لأنني لن أحارب.
وهنا خرجت وردة من صمتها قائلة :
- لا تكذب .. مجيئك إلى هنا هو أول خطوة نحو خط النار .إنني أتابع الأخبار
وهنا أراحني أخي رمسيس عندما قال :
- أنه فعل ذلك من أجل المال . كيف يستطيع أن يكمل زواجه إن لم ينتهز أي فرصة لجلب المال . من قال لكم أن السعادة لا تشترى بالمال .
لاذت وردة بالصمت كعادتها عندما تكون غير راضية . لاحظت أنها حبلى وفي الشهور المتقدمة . قبل طلوع الفجر أهدتنا وردة أختا بعد ولادة مبكرة في الشهر السابع ( هل يذكر القارئ العزيز قصة التمساح ) . سميت الأخت إيزيس وهو اسما فرعونيا جميلا .عندما وضعت أمي بسلام ارتاح ضميري فقد كنت أخشى أن تسبب لها هذه المفاجأة مكروها .

منتصر
07-09-2009, 04:08 PM
كانت شاحنات الجيش تصان بورش السكة حديد .لذلك كنت كثيرا ما أزور هذه الورش وخاصة الورشة رقم أثني عشر والتي كنت في الماضي أتمنى العمل بها عندما تعثرت خطواتي المدرسية . في هذه الورشة وجدت أصدقاء الصبا عزيز ومجيد يعملان في وظائف كتابية في أسفل السلم الوظيفي ( المرتبة زد – z –وقد حمدت الله الذي حماني من مثل هذا المصير. لم أنجح في إقناعهما بالانضمام للجيش فقد كان الناس في ذلك الزمن ينشدون السلامة ويتجنبون المغامرات .



**


داومت على الكتابة لعزيزة أسبوعيا .كانت ترد على جل رسائلي وتصفني فيها بالجحود ولكنها في آخر الرسالة تؤكد لي حبها وتعدني بأنها سوف تنتظرني إلى آخر العمر .
في الجيش كانت توكل إلى الكثير من المهام ، كنت الصراف والسائق والناسخ . كنت أقود شاحنتي إلى المطار -الذي أنشئ حديثا و على عجل من أجل الحرب - ومن هناك استلم الرسائل التي قد تكون في بعض الأحيان أموالا من أجل رواتب الجنود ومنصرفات الجيش . كنت فخورا بأن الحكومة الاستعمارية تأتمنني على عدة آلاف من الجنيهات . كنت كلما أذهب إلى المطار ألاحظ أن أعداد الطائرات الرابضة هناك تزداد نوعا وعددا يوما بعد يوم .
في أحد المرات وصلت إلى المطار طائرة ركاب ضخمة – بمقياس ذلك الزمن _ تحمل في جوفها بعض الممرضات الإنجليزيات ، من أعمار مختلفة .كن يربطن مناديل بيضاء على رؤوسهن مثل تلك التي تربطها راهبات الكنيسة الكاثوليكية .و يلبسن تنورات من الكاكي وعلى معصم بعضهن ساعات يد صغيرة . كانت تلك أول مرة في حياتي أرى امرأة تلبس ساعة وكذلك أول مرة أرى مثل هذا الحجم الصغير من الساعات المخصص للبس السيدات ( ستاتي ) وكذلك أول مرة في حياتي أرى امرأة إنجليزية بشعر أسود ، طويل و مضفر مثل أمي وردة وعزيزة . لقد درسنا في المدارس أن جميع الأنجلوسكسون يتميزون بالبشرة الشقراء والعيون الزرقاء والخضراء وكنا نصدق ذلك لأن الإنجليز الموجودين في السودان ينطبق عليهم هذا الوصف . حقا لقد كان اكتشافا جديدا أن أرى بعض الإنجليز الذين يشبهون أفراد شريحة المواليد من مصريين وسوريين وأتراك و إغريق . لقد أثارني حديث بعضهن إلى ، خاصة عندما رأيت سيقانهن الجميلة الممتلئة عكس سيقان نساء بلدنا. خطر لي خاطر أن ألمس أجسادهن .. يا ترى هل هي ناعمة كما تبدو للناظر .. قلت لنفسي إنهن جميلات ولكن عزيزة أجمل منهن ، لقد أصبحت عزيزة هي المعيار الذي أقيس به جمال الأخريات .. ولكن يا لنضارة بشرتهن وجمالها .. توكلت على الله ، وجمعت شجاعتي ولمست الفتاة التي تجلس بقربي ولكنها أبعدت يدي بنفور بائن ورطنت بإنجليزية لم أفهمها يبدو إنها كانت تشتمني ،لأن بقية الفتيات انفجرن ضاحكات ولم أملك إلا أن أضحك معهن .ثم سألتها :
- ما اسمك يا حلوة ؟
- نورما .. وأنت ؟
- صوص .. عمري أثنين وعشرين عاما .
- يا لك من كذاب وقح !! أنت أكبر من ذلك بكثير أيها العجوز القذر .
وانفجر الجميع بالضحك ولم أملك إلا أن أجاريهن في ضحكهن.
أخذت هذه الشحنة الناعمة إلى استراحة السكة حديد بالحي الإنجليزي _ تلك الاستراحة التي رُفِض توظيفي فيها قبل ستة أو سبعة سنوات كما يذكر القراء _ أنزلتهن هناك ولم أرهن بعد ذلك .ولكن ما زالت صورة نورما الممرضة الإنجليزية الجميلة عالقة في خيالي .
كنت في بعض الأحيان أقود شاحنتي وهي محملة بالمتفجرات والذخيرة وكانت مثل هذه الشحنات توقظني من ثباتي وتجعلني أفكر في مصير ضحايا هذه الحرب الأبرياء .
كنت سعيدا لأن الأعمال المكتبية التي توكل لي قليلة وبالرغم من ذلك قمت بإتلاف آلة النسخ الوحيدة في المعسكر وقد تحقق الرقيب أن الفعل كان متعمدا فطلب مني أن أقوم بإصلاحها خلال يومين بنفسي وقد كان.**
نحن الآن في عام 1940م وكان تأثير الحرب الأوربية على السودان كبيرا .كما ذكرت سابقا فإن المستعمرات الإيطالية في القرن الإفريقي قريبة منا وفي ليبيا قريبة من مصر . امتلأت عطبرة بالكتائب العسكرية من عدة جهات : من أنجولا بجنوب إفريقية ، السنغال بغرب إفريقيا استراليا والهند حتى من بريطانيا وأمريكا . هذه المدينة الوادعة ، التي تنام بعد مغيب الشمس ، عرفت شوارعها الضجيج بعد حلول الظلام . محطة السكة حديد مزدحمة ليلا ونهارا ليس بالعسكريين فقط بل بالركاب المدنيين الذين أنزلوا من قطاراتهم لاستعمال العسكر . بعض القطارات تفرغ أسرى الحرب من إيطاليين وأحباش بمحطة عطبرة حيث بني لهم معتقل هنا . كان هؤلاء الأسرى يبيعون ساعاتهم و خواتمهم الذهبية من أجل حفنة من السجائر . يصرف لكل منهم رغيفان من النوعية السيئة وكوبا من المرق . في أول الأمر كانوا يعيشون في العراء داخل معتقلهم ،ثم أمروا ليشدوا مظلة من الزنك بأنفسهم تحت إشراف مهندس هندي .
وصلت الأخبار باحتلال الإيطاليون لمدينة كسلا ، وانطلقت الشائعات بقرب سقوط بورتسودان في أيديهم وأصبحت مدينة عطبرة مهددة ، لأنهم احتلوا بلدة خشم القربة الواقعة على نهر عطبرة . وتطايرت الأخبار بسقوط بلدة قوز رجب وهي كذلك على نهر عطبرة وعلى بعد مائة ميلا فقط. وبذلك أصبحت عطبرة في أيام الحرب أكثر أهمية وأكبر إستراتيجية من العاصمة الخرطوم. لقد جعلتنا ماكينة الدعاية الإنجليزية نصدق بأن الألمان و الطليان يجسدون الشر والبغي والعدوان . ازدادت مخاوفنا عندما أفرغت مدينتي بورتسودان وطوكر من معظم سكانهما وشيدت لهم مخيمات نزوح في مدينة عطبرة وبعضهم ذهب إلى بلدانهم وقراهم الأصلية وآخرين ذهبوا حيث لهم أقارب .
عندما ضربت صافرات الإنذارات محذرة من غارة جوية ، كاد الخوف أن يقتلنا وهرولنا وسط الزحام إلى الخنادق المعدة لذلك . كانت هذه أول مرة نشاهد فيها طائرة مقاتلة . كان ضجيجها يصم الأذان وما هي إلا دقائق حتى سمعنا صوت المضادات الأرضية تدوي وكادت أنفاس الناس أن تنقطع من الفزع . كنت أسأل نفسي : لو كنا نعرف شيئا عن هذه الطائرات قبل الحرب ، هل سيكون خوفنا بهذا القدر ؟ نحن أمة من البسطاء لا يتعدى خيالنا العلمي والصناعي القاطرة البخارية وحتى هذه فقد كنا ننظر إليها كالأعجوبة . كانت هذه الغارات تستهدف ورش السكة حديد بعطبرة ولكنها لم تصيب هدفها بالرغم من ضعف الدفاعات المضادة
**


شهدت مدينة عطبرة مظاهرة تهتف بالنصر للألمان وهذه أول مرة أشاهد فيها مظاهرة سياسية . صحيح أن الاضطرابات السياسية الأخيرة قبل سبعة عشر عاما {يقصد الكاتب ثورة 1924م بقيادة جمعية اللواء الأبيض –المترجم }شهد السودان مجموعة من المظاهرات ولكنني لم أكن أعي ذلك فقد كان عمري ستة سنوات . لقد اندهشت من تلك المظاهرة ونقلت خبرها للوالد فقال محذرا : ( أبعد عن السياسة حتى لا يجعل الإنجليز حياتك وحياتنا جحيما ) . كان أيوب من معاصري أحداث 1919م في مصر و1924 م في السودان والتي نتج عنها طرد نصف مليون مصري من السودان بما فيهم الكتيبة العسكرية المصرية . مازال هذا الطرد يمثل بعبعا يخيف المصريين و خاصة المواليد مما أبعدهم عن التعاطي الظاهر للسياسة . واصل الوالد شرح فلسفته قائلا : ( إننا أسرة من الضعفاء مهددين بالإبعاد من هنا في أي لحظة ، هل ترى من الحكمة أن نكون من الجبناء أو نكون من المتهورين )

منتصر
07-09-2009, 04:09 PM
(36)



نجيب وعزيز


دعوني أخرج بكم قليلاً من أجواء الحرب ، لأحكي لكم كيف أن نجيب - الجندي في الجيش المصري - بقي في السودان عقب أحداث 1924م .وكيف أن رفيق الصبا عزيز صار محاميا .
كان نجيب يعمل ميكانيكيا في الجيش المصري بالسودان، انتدب للعمل بالهيئة الزراعية السودانية التي يتبع لها مشروع الجزيرة . في عام 1918م تزوج من خالتي ملكة - الأخت غير الشقيقة لأمي وردة - وكان زواجا موفقا أثمر عن ثلاثة أطفال .
خلال الاضطرابات السياسية التي غمرت السودان بين عامي 1919 –1924م .فكر نجيب في العودة إلى مصر بصحبة عائلته . بالرغم أن ملكة تنتمي إلى شريحة المواليد السودانية وهي جد متعلقة بوطنها. ذهبت في أحد المرات مع نجيب في إجازة إلى مصر .هناك شعرت بحنين جارف إلى السودان، مما جعل نجيب يعود بصحبة عائلته إلى السودان قبل الموعد بأسبوعين .هذا هو حال الخالة ملكة ، التي لا تعرف غير السودان وطنا ولا ترضى له بديلا ، فكيف لها أن تغادره وتعيش خارجه بقية حياتها . أقلقها استعداد نجيب الجدي للعودة لمصر، بعد أن بدأت كتائب الجيش المصري تغادر البلاد . كان نجيب في انتظار التعليمات بإنهاء انتدابه وإلحاقه بكتيبته المغادرة .كانت شخصية الخالة قوية وإيجابية ، رأت أن لابد أن تقوم بدور لتجنب هذا البلاء قبل وقوعه . فقامت بوضع خطة لينفذها نجيب الذي لا يرفض لها طلبا ، خاصة وأن هذه الخطة قد تضمن له المكوث في السودان .
قامت الخالة ملكة بخياطة ثلاثة وحدات من العلم البريطاني، تبلغ أبعاد كل منها مترا في متر .استطاعت أن تقنع نجيب بتعليق واحد منها في مقر عمله بورش مشروع الجزيرة . ووجهته كيف يتصرف عندما يطلب من رئيسه الإنجليزي إنهاء انتدابه وتحويل ملفه إلى الخدمة المستديمة بورش المشروع . قام نجيب بتنفيذ كل ما طلب منه ولكنه كان قلقا ، لأنه لم يتلق ردا سلبا كان أو إيجابا . كانت الخطوة التالية، أن يقوم بتعليق أحد الأعلام على جدار منزله قرب المدخل الخارجي . الخطوة الأخيرة كانت تعليق العلم الثالث داخل الغرفة الأمامية لمنزلهم وهي التي يستقبلون فيها الضيوف الذكور (الديوان) . وقد علقت لافتة فوق الأعلام الثلاثة تقول كلماتها : ( سنبقى دائما مع الإنجليز) .
كان نجيب ميكانيكا ماهرا يحب زوجته ، أكثر بقليل من حبه لشراب البيرة المعلبة .وكان أيضا يحب ود مدني ويكره السياسة التي يحبها كافة المصريين .
لقد نجحت الخطة وكان رؤساءه الإنجليز سعداء بإخلاصه للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس .بذلك بقي نجيب في السودان، وتوقف عن زيارة مصر .واستطاع أن يتحصل على إقامة دائمة بالسودان لوالديه .
الآن دعوني أخبركم كيف صار عزيز محاميا : قد يذكر القارئ أن عزيز قد توقف في تعليمه النظامي عند السنة الأولى بمدرسة الأقباط الثانوية بعطبرة . قابلت عزيز عام 1939م بعطبرة وسرعان ما عادت علاقتنا مثل ما كانت أيام الصبا . كان عزيز شغوفا لزيادة تعليمه ، أحضرت له كل كتبي بالخرطوم وبدأت أدرس له ما أستطيعه منها . كما أرسل له أحمد بيه بإيعاز مني بعض الكتب من مصر .
في فبراير من عام 1941م توقف علي ماهر باشا - رئيس الوزراء المصري المخلوع - في مدينة عطبرة لعدة أيام. لمعت لي فكرة أن يحمل عزيز علما مصريا ،ويذهب لمقابلة علي ماهر . لقد رويت لعزيز قصة نجاح الأعلام البريطانية مع نجيب ، فوافق على تنفيذ الخطة ، شريطة أن أرافقه .. فوافقت .
كان علي ماهر في طريقه لزيارة النادي المصري في الطرف الجنوبي الغربي من عطبرة سكة حديد . كنا أنا وعزيز على علم بهذه الزيارة والطريق التي سوف يسلكها الموكب . ما إن لاح لنا موكبه على البعد ، حتى رفعنا العلم المصري الضخم الذي أعددناه ، وبدأنا نهتف لمصر . توقف الموكب عند وصوله إلينا ، وقام الباشا باحتضاننا في سرور .ضجّ الحضور بالتصفيق والهتاف . ولحظتها قام عزيز بتمثيل الدور الذي رسمته له : جثا على ركبتيه قائلا : ( سيدي علي ماهر باشا .. أرجو أن تتبناني .. تكفل بتعليمي على نفقة الحكومة المصرية أو على نفقتك الخاصة .. إنني أتوق لإكمال تعليمي . ساعدني … ساعدني .. ) . تأثر على ماهر أشد التأثر وانحنى على عزيز ورفعه من الأرض ، فانفجر الجمهور ثانية بالتصفيق والهتاف : ( تحيى مصر … تحيى أرض العلم … يعيش علي ماهر باشا ) . لوح علي ماهر للجمهور الذي بدأ عدده يتزايد ثم قال : ( هذا شيء رائع !! هذا أكثر من رائع !!! نعم يا ابني ، هذا حق طبيعي ، سوف أساعدك بل سوف أساعد كل من يرغب من السودانيين أن يكمل تعليمه في شمال الوادي .. سوف أقوم بالترتيبات اللازمة حتى أحقق رغبتك .)
وقد تم لعزيز ما أراد ، وعاد في عام 1948م إلى السودان وهو يحمل شهادة الليسانس في الحقوق من جامعة فؤاد الأول ( القاهرة حاليا) مع إجادة تامة للغتين الفرنسية والعربية وقليلا من الإنجليزية .

منتصر
07-09-2009, 04:22 PM
(37)



ودارت الأيام


لم يجني الوالد من الحرب غير الضنك والعذاب ، بدنيا وذهنيا . كان يقضي في العمل خمسة عشر ساعة في ثلاثة مكاتب مختلفة ، دون مقابل للساعات الإضافية . بالرغم من معاناته من الحساسية والربو ، فإنه لا يتمتع بإجازة أسبوعية مثل كل خلق الله لعدم وجود بديل أو مساعد.. مع كل هذا فإن راتبه الشهري يفوق العشرة جنيهات بقليل . يدفع منها جنيها للإيجار والكهرباء والماء ،ثلاثة جنيهات مصاريف دراسية لأختي وإخواني الاثنين - أختي الثالثة ما تزال دون سن المدرسة - كان يرسل لأمه في إسناء جنيها شهريا ، وهي تعتمد عليه اعتمادا كاملا وكنت أنا أحيانا أرسل لها بعض المبالغ وخاصة في المناسبات . يخصم من الراتب مبلغ عشرة شلنات لصالح راتبه التقاعدي وكان يصرف على نفسه عشرة شلنات للتبغ والبيرة .
انظر كم يتبقى من راتبه ليسير أموره الحياتية الأخرى في ظل الحرب الدائرة والأسعار المرتفعة . لقد كان الوالد فدائيا حقيقيا .، كانت وردة تحثه على التوفير للأيام القادمات . لقد كان محقا عندما يقول لها : ( كيف لي أن أوفر من لا شئ ) . فقد كان يضطر أن يستلف ما بين جنيهين إلى أربعة ثم يردها في أول الشهر ليعود للاستلاف مجددا من صاحب البقالة .


**


كان وضعي المالي أفضل من الوالد ، فبالإضافة إلى راتبي فقد كان يصرف لي بعض المواد من الجيش وكذلك يمكنني الشراء من متجر الجيش بأسعار زهيدة مقارنة بالسوق .كنت أحصل على الرغيف مجانا عندما اذهب لمتعهد الجيش لتحميل حصة الجيش أو أسري الحرب. نسبة لغلاء الأسعار وغلاء السلع ، فقد ابتدع نظام التموين بالحصص ( الكوتات) . فصارت الأسر تزوِّر في عددها ، من أجل مزيد من السلع ، لبيعها في السوق الأسود .كان نصيب الفرد أقة في الشهر ، لذا لجأ الناس لاستخدام البلح بديلا للسكر لتحلية القهوة والشاي واستمر الناس في استعمال البلح لتحلية القهوة حتى بعد انتهاء الحرب وتوفر السكر .
لم تلهني الحرب عن حلمي القديم - الذهاب إلى أوربا - في إحدى الجلسات العائلية قلت لهم : (بعد الحرب سوف اذهب إلى أوربا ) فتوالت التعليقات من جميع إفراد الأسرة : ( مازلت في ضلالك القديم )( ماذا ستفعل بعزيزة ) ( تفتكر بنات الناس لعبة) مسكينة عزيزة لا تعرف أي شاب تزوجت) و .. و..
في حقيقة الأمر أن فكرة الذهاب إلى أوربا كان أمرا ثابتا في ذهني لم تغيره الحرب ولا الزواج .
كنت أساهم في مصاريف البيت بمبلغ جنيهين وهو المبلغ الذي كان سيخصم مني إذا ارتضيت السكن في ثكنات الجيش . بالإضافة لهذا المبلغ كنت أجلب بعض السلع من متجر الجيش ، بعضها يصرف لي مجانا وبعضها بأسعار أقل من أسعار السوق. كنت أوفر في كل الحالات ما لا يقل عن ستة جنيهات شهريا ، فلقد كنت أخاف الفقر لدرجة الهوس ، كان هذا التوفير يفرح أمي التي لا تزال تزن على الوالد ليوفر.
في الثاني والعشرين من يونيو عام 1941م ، هوجمت روسيا من قبل كل من ألمانيا * فنلندا * هنغاريا * ورومانيا. ولكن بعد سنتين ، تمكن لوردات الحرب التغلب على أنفسهم ، بعد معارك لينجراد *موسكو و كييف،حتى وصلوا مناطق النفط في القوقاز .فأزهقت ملايين الأرواح ودمرت المنشآت .كذلك سمعنا أن اليابان قد هاجمت قاعدة نافال الأمريكية في بيرل هاربر دون إعلان مسبق للحرب .لذلك أعلنت أمريكا الحرب على اليابان وألمانيا في السابع من ديسمبر عام 1941م . في يونيو عام 1942م حوصر الألمان في العلمين حتى لا يتمكنوا من التحرك نحو قناة السويس ، والوصول إلى حقول النفط العربية . كان انتصار مونتيجمري السهل في أكتوبر 1942م . طرد الإيطاليين من القرن الأفريقي وأرجع إمبراطور الحبشة هيلا سلاسي إلى عرشه في الخامس من مايو عام 1941م .وكان قد لجأ إلى الإدارة البريطانية في السودان عام 1936م . وبذلك وضعت الحرب أوزارها ورجع مواطنو محافظتي البحر الأحمر وكسلا إلى مناطقهم .كانت هذه الحرب اللعينة قد أفقرت البعض وأغنت البعض .
**


في اليوم السابع من يناير من عام 1943م ، وهو يصادف عيد الكريسماس على حسب تقويم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ، جاء إلى منزلنا عامل من هيئة السكة حديد يحمل خطابا رسميا للوالد . وما أن رأيناه حتى أيقنا أن الواقعة قد وقعت .فض الوالد الخطاب وجرت أعيننا فوق السطور : ( السيد أيوب أفندي .. يؤسفني أن أبلغك بأن طلبك بخصوص تمديد خدمتك قد رفض . وعليه فقد تم إنهاء خدمتك من تاريخه .سوف تكون مستحقا لمعاشٍ شهريٍ قدره خمسة جنيهات . ويسرني أن أفيدكم بأن ترحيلكم مع أمتعتكم إلى الخرطوم سوف تكون على حساب الهيئة . انتهز هذه الفرصة لأشكركم على خدمتكم الممتازة طوال الأربعين عاما )
كنا نتوقع وصول هذا الخطاب بين الساعة والأخرى .ولكنه عندما وصل ، كان كأنه مفاجأة لنا .انهار الوالد وكنت أول مرة أراه في مثل هذا الضعف .
بعد أن سقت أمي وردة الوالد جرعة ماء جلست بقربه والدموع في عينيها ،وبدأت ترتل كعادتها عند وقوع المصائب :


إن صلاتي كافية لك.
إن قوتي تلحق بك عند الضعف.
إذا كنت تؤمن بالرب ، فأمن بي.
للثعالب الأجحار … وللطيور الأوكار.
ويكفي ابن آدم ما يضع عليه رأسه.
لذلك أقول :-
لا تقلقك أمور :-
الأكل
والشرب
واللبس
هذه الحياة ليست أكثر من لحظات
لا نحتاج فيها سوى :-
ما يقيم أودنا
ويبل حلقنا
ويستر عورتنا
انظر لطيور السماء:-
إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تشون الحبوب
ولكن رب السماء يطعمها
ألست أنت أفضل منها .. وأنت المميز بالعقل
هل رحمتك تنقص قيراطا من مملكته
انظر:-
كيف تنمو الزنابق في الحقول
إنها لا تكدح ولا تغزل
حتى سليمان بكل مجده لم يكن مرتبا مثلها
ما دام الرب قريبا من أعشاب الزرع التي قد ترمى غدا في المواقد ..
ألا يكون قريبا منك أنت … أيها الإنسان الجاحد
لذلك لا تقول :
ماذا سنأكل
أو
ماذا سنشرب
أو
ماذا سنلبس
لأن الرب في السماء يعلم بأنا محتاجون لكل هذا
لكن فكر في ملكوت الرب … وتنزيهه
لذلك لا تفكر في الغد
أن الغد بيد الرب
وهو الرازق بغير حساب
**


ظللنا ساكنين نستمع لتلاوة أمي وردة ، كان صوتها يأتيننا مشبعا بالإيمان ويهدهد نفوسنا فتستكين في هدوء ولكنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة .

منتصر
07-09-2009, 04:22 PM
(38)




آخر عهدنا بعطبرة


رُكِنَت عربة السكة حديد على بعد مائة متر من منزلنا ، لنفرغ في جوفها - بمساعدة بعض العمال - متاعنا ، من المنزل الذي سكناه ما يقارب العشرين عاما. سوف تلحق هذه العربة بقطار الركاب الذي حجز لنا به مكانا في الدرجة الثانية .
قبل اليوم السابق من السفر أو بالأحرى قبل أسبوعين من سفرنا ، كان منزلنا يمتلئ بمجموعة من البشر ،رجالا ونساء وأطفالا . الكل يود أن يودعنا ويتمنى لنا أياما سعيدة في مقبل أيامنا . أحضر الكثيرون منهم الأكل والشاي من منازلهم و البعض أحضر المواقد والقدور لطبخ الطعام في منزلنا لأننا أفرغنا منزلنا من كل الأواني و التجهيزات .
كان أصدقاء الصبا من ضمن المترددين على المنزل ومنهم مجيد ، الذي انتسب للدراسة بالمراسلة .وهو أسلوب جديد من الدراسة في ذلك الزمن . كان الكل يرى إن من واجبه تقديم النصح ومنهم مجيد ( أرجو أن تراعي ، إن العبء يقع عليك الآن ) وكذلك قال إبراهيم : ( لقد نقص دخلك أنت وأبوك من أكثر من عشرين جنيها إلى خمسة جنيهات . إن أياما عصيبة في انتظاركم . كن رجلا كما عهدناك .إن أيوب لم يقصر في شئ ، لقد أدى واجبه على أكمل وجه والباقي عليك ) .
كان الجميع يحبس مشاعره أن تسيل. كان إبراهيم يلجأ إلى سبحته كلما فاضت مشاعره . كنا نجلس على البروش ( حصير من سعف الدوم ) أمام المنزل ، إنه أشبه بالمأتم . بل إنه مأتم لا ينقصه سوى النعش وجرس الكنيسة .
داخل المنزل التفت النساء حول وردة يخففن عنها المصاب ويطلبن منها أن تراعي صحتها وتقوي من إيمانها .
عند الفجر تحرك موكبنا الحزين نحو محطة السكة حديد لنستغل القطار إلى الخرطوم . هناك في المحطة وجدنا جمع غفير من أهل المدينة جاءوا لوداعنا ومنهم مستر كومنز مأمور إدارة قسم عطبرة .


**


سودانيو ذلك العهد هم وحدهم من يستطيع تقدير واستيعاب ذلك المشهد ، عندما تحرك بنا القطار من مدينة عطبرة ليقتلعنا اقتلاعا من وسط أصدقاءنا ومدينتنا التي هي قطعة منا .
بالرغم من حالة الحزن والكآبة ، إلا أنني لم أبك خلال هذه المحنة .أذكر أن آخر مرة بكيت فيها عندما غادرت خادمتنا نورة مع زوجها عباس إلى مصر قبل عشرة سنوات . عندما عبر القطار جسر نهر عطبرة ، أخرجت كلبنا جون ووكر من سلته ووضعته على حضني ، لقد وضعناه معنا بالقطار بتصديق خاص من مستر كومنز بعد استخراج شهادة صحية من الطبيب البيطري مستر مكفرين .



**


قد يتساءل القارئ … أين دوري أنا من كل هذه الأحداث التي عصفت بمنزلنا .في اليوم التالي لتلقينا النبأ المشئوم ، أخذت إذنا لمدة ساعتين من عملي ، لمقابلة مستر كومنز رئيس وصديق أبي .الذي يعرفني منذ حلولنا في عطبرة . دلفت إلى مكتبه وأنا في غاية الانزعاج :
- صباح الخير ، لدي مشكلة أود أن اعرضها عليك .
- أهلا صوص .. تفضل وأغلق الباب وراءك.
وبعد أن وقفت قباله أمرني بالجلوس وقال :
- تبدو قلقا ولك الحق .. ولكن ، صدقني …لقد بذلت كل جهدي لتمديد خدمة والدك ، ولكن ما باليد حيلة .. إن المصائب لا تأتي فرادى .
توقف هنا ثم مد لي سيجارة بإصرار ، لأنه يعرف عاداتنا في عدم التدخين إمام الكبار .وعندما رآني محتفظا بالسيجارة دون أن أشعلها ، حثني قائلا :
- أرجو أن تشعلها ، أنت محتاج لها الآن ، لأن عندي لك أخبارا سيئة ،وكنت على وشك استدعائك .
دارت بي الأرض وأنا أقول لنفسي : ( أخبار سيئة !!! أسوأ مما فيه نحن الآن !! ما عساها أن تكون ؟)
واصل مستر كومنز كأنه يقرأ أفكاري :
- أنها أخبار تتعلق بوظيفتك .
- وظيفتي أنا ؟
- نعم وظيفتك أنت .. لقد ذهبت لمقابلة قائد كتيبتك نيابة عنك ، لأطلب منه تحويلك إلى الخرطوم أو إعادتك إلى مصلحة الزراعة . ولكنني فشلت.. لقد أخبرني القائد إن كل ما يمكن عمله لك هو إرسالك إلى العلمين ومنها إلى أوربا إذا بقيت حيا * هل ترغب في مثل هذا ؟
- نعم .. نعم إننا في حاجة إلى المال لأن معاش أبي ضعيفا.
ثم أضفت بعد تفكر :
- ولكن عائلتي وزوجتي ماذا أفعل لهم ، إن عائلتي محتاجة لي في هذا الظرف ، ماذا أفعل يا ربي ؟
- إذا كنت تود الذهاب إلى جبهة القتال ، بإمكاننا تدبير ذلك . أذهب وناقش هذا الأمر مع أهلك .
توقف مستر كومنز ونظر إليَ نظرة أشعرتني بأنه لم يقل كل ما عنده من أخبار سيئة . وبالفعل فقد واصل حديثه :
- اسمع يا بني .. إن الحكومة بصدد تنفيذ سياسة جديدة يترتب عليها فصل جميع المصريين من أقباط ومسلمين ، إنها ستدفع لهم تعويضات سخية وتشجعهم على العودة إلى مصر على حسابها .. بالطبع أنت تود البقاء بالسودان وقد تجد عملا بالخرطوم . يمكنني أن أساعدك في صرف استحقاقك من الجيش ومن مصلحة الزراعة .. لأنكم في حاجة إلى المال ….. ، ….
واصل مستر كومنز حديثه ولكنني كنت في واد آخر ، ذهب بي تفكيري إلى أحمد بيه وجلستنا تحت ظل أحد شجر الدوم في منطقة الديوم وقوله لي : ( وفّر ما تستطع من مال .. وفّر ..وفّر ..وفّر .إن من في حالتك محتاج إلى المال ، المال ولا شئ غيره. ) وفجاءة أيقظني صوت مستر كومنز :
- صوص .. هل أنت بخير
- نعم سعادتك .. المال *المال هو مشكلتنا الأولى .

منتصر
07-09-2009, 04:24 PM
(39)



وانطفأ البريق


لم نجد كبير عناء في إيجاد بيت من الطين، في المنطقة السكنية المسماة بالخرطوم ثلاثة .وهي منطقة أنشئت حديثا، و تتكون من حوالي ثمانية عشر منزلا أغلبها خالية من السكان . اخترنا من هذه المنازل أزهدها إيجارا- ثلاثة جنيهات في الشهر زائدا ستة شلنات للماء وعشرة شلنات للكيروسين . كان هذا المنزل يجسد الجو الموحش المليء بالكآبة والإحباط ، مما زادنا خوفا من استمرار المعاناة . يتكون المنزل من أربعة غرف:- واحدة في الركن اليساري ، ويليها المطبخ .الثانية في الركن اليماني بالقرب من المدخل وقد اخترتها لتكون غرفتي .الغرفتين الأخرتين في ركن آخر ، تربط بينهما فراندا وهي أشبه بالراكوبة. الأرضيات رملية ، الجدران خشنة وغير مطلية ، إطارات الأبواب والشبابيك صنعت من خشب الزان الخفيف الذي تغلف به البضائع . السقف من جريد النخل والبروش وفي أعلاه ألواح من الزنك .وفوق هذا فإن إيجاره ثلاثة أضعاف منزل السكة حديد بعطبرة وشتان بين المنزلين . علقت أمي وردة بمرارة ، عندما دخلت المنزل أول مرة قائلة : ( لقد طردنا من الجنة) .
تبقى مع الوالد مبلغ واحد جنيه وعشرون قرشا . انطلقت أسارير والديّ عندما أخبرتهما بأنني أملك مبلغ مائة وسبع وثلاثون جنيها في دفتر توفيري .وهذا يشمل مبلغ الستة وثلاثون جنيها مكافأة نهاية خدمتي بالجيش ومصلحة الزراعة. قررنا أن نأخذ مبلغ ثمانية جنيهات شهريا من دفتر توفيري حتى يفرجها الله ، بإيجاد وظيفة لي أو لوالدي. لقد نقل الخال لبيب منذ زمن إلى ملكال بمديرية أعالي النيل .ولكن حتى لو كان الخال موجودا لما استطاع أن يقدم إعانة مالية راتبة .
كلّت أرجلنا أنا والوالد في البحث عن عمل . أغلب الفرص الموجودة في سوق العمل هي للحرفيين والفنيين ، الوظائف الكتابية قليلة والمنافسة عليها شديدة. إضافة لمصاريف البيت كان على التكفل بمصاريف أخوتي الدراسية. كان على إخواني الاستيقاظ فجرا لأخذ كوبا من الشاي وعمل السندوتشات ثم الذهاب مشيا لقطع مسافة أربعة أميال ذهابا وإيابا في شمس الخرطوم الحارقة . إن الحالة الجسدية لعزيزتنا إيزيس ذات الثلاثة أعوام وسمسومة ذات الثمانية أعوام ما زالت عالقة في ذهني رقم مرور الزمن.
لقد رفضت مدارس الكنيسة أن تمد لنا يد العون، بحجة أن إعفاءنا من المصاريف الدراسية سوف تكون سابقة تجلب لهم المشاكل .نصحونا أن نبقي البنات في البيت ونقبل بمشيئة الله .ولكن أبي في ذلك الزمن وفي تلك الحالة رفض أن يخرج البنات من المدرسة . وقد أيدته قي ذلك بالرغم أن ما تبقي في دفتر توفيري لا يتعدى السبعة وعشرون جنيها ،ذلك يعني أنه بعد أربعة شهور إذا لم يجد أحدنا عملا فلن نجد ما نأكله..
استمر ضغط الأيام بأكثر مما يتصور المرء . كنا نذهب للنوم ببطون خاوية ، لأننا اقتصرنا وجباتنا على وجبة واحدة. ويحدث أن أحد الصغار يتغيب عن المدرسة لأن ملابس المدرسة وصلت لحالة لا تجدي معها الخياطة والترقيع .
في صباح أحد الأيام صحونا على صوت أمي وردة ، وهي تصرخ .كان لونها أقرب إلى الخضرة ، في الأيام الفائتة قد كساء لون وردة الشحوب وتساقط شعرها الأسود الجميل وعينيها قد أصابها الجحوظ مع هالة سوداء حوليها . استيقظنا على صياحها وتجمعنا حولها وتطاير شعاع الخوف من جنبنا ونحن نراها على تلك الحالة . لفت الصراخ انتباه الجيران فجاءوا يستطلعون الخبر .تقدم أحد الجيران باقتراح عبقري : أن نحضر لها الطبيب ! يقترح علينا ذلك ونحن الذين عرفنا المستشفيات وزيارة الأطباء قبل أن يعرفها كثير من السودانيين ومنهم هذا الجار العبقري . لم يؤخرنا عن طلب مساعدة الطبيب إلا ضيق ذات اليد .بالرغم من ذلك فلقد ذهبت لمستشفى الخرطوم العام أطلب المساعدة . تبرع طبيب شاب حديث التخرج اسمه طه بعشر للحضور معي ماشيا كل هذه المسافة .أعطاها الطبيب حقنة مهدئة فنامت في ساعتها وشخص الحالة بسوء التغذية مما سبب انهيارا عصبيا .حاولت أن أدفع له مبلغ عشرة شلنات وهي كل ما أملك ولكنه رفضها مبتسما : ( لا .. كنت أتمنى أن أقدر على أكثر من ذلك. أشتر بهذا المبلغ طعاما لأمك) . كنا نحيط جميعا بسرير وردة انتظارا لاستيقاظها من المهدئة وما أن فتحت عينيها حتى بادرها الوالد قائلا : ( وردة حبيبتي تعالي معي إلى كنيسة القديس جورجيوس بالخرطوم بحري _ هذا القديس سوف يرعاك ) .نظرت إلى والدي في حيرة ، فأنكرته عيناي، لقد رأيت شخصا آخر فقد كان عبارة عن كومة من العظام ضمت إلى بعضها بجلد متغضن وجبهة رسمت عليها المحن خطوطا مقوسة وشعرا أبيضا خفيفا .
نظرت وردة إلى أيوب وابتسمت ، كانت ابتسامتها جد رائعة ، فرحنا لها جميعا ونحن الذين نسينا الفرح منذ أن اقتلعنا من عطبرة . في تلك الليلة اصطحبنا أنا وأبي وردة مشيا بالأقدام إلى أقرب محطة ترام - محطة الدوران في شارع فكتوريا-. لحسن حظنا كان وصولنا مع وصول الترام ، الذي ركبناه إلى محطة الإسطبلات في شارع السردار كتشنر. لنأخذ تراما آخر إلى الخرطوم بحري .انتظرنا قرب المدرسة الإغريقية لأخذ الترام المتوجه إلى الخرطوم بحري ، ولكن قد طال بنا الانتظار ، حتى خشينا أن نكون قد تأخرنا عن موعد آخر رحلة. ولما طال بنا الانتظار جلست الوالدة على الرمال ،وجلس الوالد بقربها ليسندها ،وظللت أنا واقفا أتلفت يمينا ويسارا . بينما أنا كذلك سمعت صوت أبي يصلي بصوت عال عسى الله أن يوقف منا هذا البلاء ( يا رب القدرة .. كل هذه المتاعب أكبر من طاقتنا. هذه حكمتك تعطي من تشاء وتمنع من تشاء.. إنك لم تنسانا لأنك جعلتنا أحقر البشر .. أي ذنب جنيناه لتتركنا للأسى والحاجة ) ..لا أدري هل كانت الوالدة تستمع لصلاته أم أنها كانت غائبة عن ما حولها. لم أهتم بصلاة الوالد لأن تجربة هذه الأيام جعلتني أشك أن هناك ربا يجب أن يحب . قلت في نفسي أن الوالد يتبرم من ابتلاءه بجرأة ، لأن صلاته كانت أقرب للاحتجاج منها للتضرع .لا زال السكون مخيما على المكان ، إلا من أصوات نقارة تصل من بعيد قد تكون من ديوم الخرطوم. عندما تعبت من الوقوف جلست بقرب الوالد ،وأنا في غاية الإحباط والتعب ، ولا تنسوا أن البطون كانت خاوية .لازالت تفاصيل هذه الأيام عالقة بذهني، لأن الجروح الغائرة وإن التأمت فإنها تترك ندوبا . قطع أبي الصمت وهو يكلم نفسه : ( في المهدية كان الجميع متساوين في الجوع ، أما الآن فالأسواق مليئة من كل صنف ونوع ، ولا نستطيع الشراء ، هذه مشيئة الله، ماذا يستطيع العبد أن يفعل معها) .
أخيرا وصل الترام ، إنها رحلة التاسعة والربع وهي الأخيرة . قفز أبي أولا ومد يده لوردة ليساعدها على الركوب ،ولكن نسبة للإعياء ، الذي زاده المشي والانتظار سوءا ،لم تستطع أن تحرك ساكنا . فما كان من كمساري الترام إلا أن مد يده لمساعدتنا دون أن نطلب منه ذلك . بعد أن ركب ثلاثتنا انتظر الكمساري بقربنا لندفع له وفهم الوالد الأمر فقال له : ( يا ابني أن معنا شلنا واحدا ونحن في أمس الحاجة له ، اعفنا من الدفع ، ونعدك بالدفع في حالة ظهور مفتش في الخط ) . أومأ الكمساري برأسه علامة القبول ، وغادرنا دون أن يقول شيئا .لا زالت أذكر شكل هذا الكمساري : إنه شابا برناويا وسيما من غير شلوخ .
بعد أثني عشر دقيقة وصلنا لآخر محطة بالخرطوم بحري ،ومن هناك سرنا مسافة كيلومترا واحدا بالأقدام إلى كنيسة القديس جورجيوس .مكثنا أنا وأمي خارج الكنيسة جلوسا على مدرج أسمنتي ، بينما ذهب الوالد ليقابل القسيس ويشرح له أسباب زيارتنا . لم نمكث إلا قليلا حتى عاد الوالد بصحبة القسيس .كان قسيسا عجوزا ،قصيرا، نحيلا ،شبه ضرير . يفوح منه عبق البخور. تقدمت نحوه وانحنيت وقبلت يده .جلس القسيس قرب الوالدة وأمسك بيديها بكلتي يديه ، وأخذ يتكلم معها كلاما يدخل القلب ويشرح النفس . أصدقكم القول لو قلت لكم لقد شعرت بالأمان في حضرة هذا القسيس الورع .طلب مني القسيس أن أتبعه إلى مسكنه الصغير المتواضع الملحق بالكنيسة. هناك طلب مني أن أغلي سبعة بيضات وهي كل البيض الموجود في مطبخه، ثم فتح دولابا وأخرج منه شايا وسكرا وجبنا . حملنا ذلك وتوجهنا حيث يجلس الوالدين لنتناول طعامنا . جلس القسيس قرب الوالدة وصار يحثها على الأكل حتى استجابت .لقد نجح القديس فيما فشلنا فيه طوال اليوم.. كان يقول لها : ( كلي ..كلي هنا مزيد من الخير والنعمة .. الرب أتى بك لتأكلي معي طعامه .لقد أخبرني أن ضيوفا سوف يزورون الكنيسة في الساعة العاشرة مساء.وأمدني بخمسة بيضات إضافية ، لذلك لم أتناول وجبتي و انتظرتكم. عندما سمعت نقرا على الباب ونظرت للساعة ، وجدتها تشير لتمام العاشرة .. إنني على يقين إن الرب سيباركك وسيفتح أبوابه لأيوب و صوص.إن رحمته وسعت كل شئ ).بعد الأكل دلفنا داخل الكنيسة ونمنا أربعتنا على بروشها حتى الفجر . أوصى القسيس أن تبقى وردة معه لمدة ثلاثة أسابيع وقال مطمئنا : ( لا تقلقوا على طعامها ، إن الرب يعلم حاجتنا ويرزقنا) . امتثلنا لرغبة القسيس وكنا نزورها أنا و الوالد بالتناوب. كنا سعيدين بهذه الزيارات لأننا كنا نلاحظ تحسنها يوما بعد يوم .
قرب انتهاء الأسبوع الثاني من بقاء وردة في الكنيسة ، وأذكر أن اليوم كان أثنينا ، دعاني القسيس بصوته الوقور الهادئ وعندما اقتربت منه قال: ( يا ابني .. سوف تجد اليوم عملا.. اليوم هو بداية حياتك العملية الناجحة ولعدة سنوات قادمات لن تكون عاطلا .. لقد وضع الرب يده على رأسك وباركك وسوف تعم بركتك آخرين .. تعال وأركع معي شكرا للرب). ركعنا معه أنا وأمي وأمّانا في صلاة ربانية .

منتصر
07-09-2009, 04:25 PM
عند المحطة الوسطى بالخرطوم، كنت أقف وحيدا ،بعيدا عن رواد المقهى ،الذي يضج بهم المكان . كان في نيتي الذهاب لزنك اللحوم والخضار ثم العودة لمنزلنا.ولكن وجدت نفسي أكِر راجعا بشارع السردار كتشنر . وعندما وصلت فندق رويال عند تقاطع شارع فكتوريا ، شعرت بدوار ، فجلست على كرسي صادف وجوده هناك تحت ظل شجرة أمام مدخل الفندق . في الجانب المقابل من الشارع مقر شركة تجارة السودان المحدودة ( سودان مركنتايل) .من مجلسي ذاك يمكنني رؤية المدير الإنجليزي ،جالسا خلف مكتبه ،والباب مفتوحا على مصراعيه . قمت من مكاني واتجهت نجوه ، وجدت نفسي أدخل مكتبه وأنا غير مباليا.فقلت باندفاع : ( سيدي .. إنني أبحث عن وظيفة .. فأنا أجيد النسخ على الآلة الكاتبة وأجيد تنظيم الملفات و أستطيع قيادة الشاحنات الثقيلة ).نظر لي الإنجليزي باستغراب ، قد يكون بسبب الطريقة الرعناء التي دخلت بها المكتب و قدمت بها طلبي .اربكتني نظراته وأشعرتني بالخجل. بعد برهة خلتها دهرا أجاب الرجل : (أتستطيع النسخ والقيام ببعض الأعباء الحسابية ؟ .. خذ أنسخ هذا على تلك الآلة ). جلست إلى آلة النسخ - القارئ يعلم مدى كراهيتي لها وسبق أن قمت بإتلافها مرتين -_ ولكن هذه المرة جلست إليها بتلهف وأنجزت ما طلب مني . عندما وضعت نتيجة النسخ أمامه ، نظر إليه مليا ، - في تلك اللحظة نظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار خلفه ،وقد كانت تشير إلى خمسة دقائق بعد الثانية عشر _ هز المدير رأسه علامة الرضا ، ثم دعا الباشكاتب طالبا منه مساعدتي في ملء استمارة طلب التوظيف . بعد نصف ساعة أي في الساعة الثانية عشر وخمس وثلاثون دقيقة ، تم توظيفي مشرفا على البريد الصادر والوارد ، براتب شهريا قدره خمسة جنيهات في الشهر، على أن أخضع لفترة تجريبية لمدة شهر .لم أصدق أذني عندما أخبرني المدير بذلك ، فخلال الثمانية أشهر الماضية لم أترك مكانا لم أذهب إليه * حتى إني فكرت أن أصرف نظرا عن البحث ،وأمكث في البيت حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا




**



عدت للمنزل وأنا أحمل معي الخبر المفرح وخضارا ولحما بكمية أوفر من السابق . ولم أنس كلبنا جون ووكر، فقد اشتريت له كمية كبيرة من العظام .إن الأزمة قد طالت كذلك جون ووكر .كنا نغلي العظام ونشرب مرقها ثم نعطيها له ،وأحيانا نشاركه في قرقشة العظام.بمعنى أن هذه الأزمة قاربت بين وجباتنا ووجبات كلبنا. لم يحاول جون ووكر سرقة طعام من المنزل على قلته وقد برزت عظامه من الضعف والهزال ، وفي هذا فقد كنا متساويين.
عند وصولي المنزل ، وجدت عزيزنا جون ووكر ميتا .كان قد حاول أن يسرق طعاما من جارتنا أم بوسو ، فضربته على رأسه . تحامل ***** على نفسه حتى وصل البيت ثم فاضت روحه .لقد هزّ موت هذا الصديق الوفي كيان الأسرة. ذهبت وتشاجرت مع أم بوسو وزوجها الفلاتي ، فعدت من عندهما وأنا في غاية الإحباط لأنها عيرتني بجوعنا وجوع كلبنا. قمت بحفر قبر للصديق الوفي في قلب الشارع أمام المنزل ، ودفنته هناك ودموعي تنهمر كالمطر .

منتصر
07-09-2009, 04:27 PM
(40)


قطع إمداد الماء

أشاع توظيفي جوا من التفاؤل والأمل بين أفراد أسرتنا .ذهبت للعمل في الفترة المسائية ، التي تبدأ في الساعة الرابعة والربع .قضيت ثلاثة ساعات وأنا أضع العناوين على مظاريف المراسلات ثم أضع الرسالة المناسبة في المظروف المناسب ،أضع عليها الطابع البريدي ، ثم أسجلها في دفتر الصادر ، لتكون جاهزة للبريد في صباح الغد . راجعت حساب الطوابع ووجدت أن عمل الموظف السابق – كان قد اختفى فجأة وله في ذمة الشركة راتب ثلاثة أسابيع - مضبوطا مائة في المائة .
بعد انتهاء دوام المساء في الساعة السابعة، أخذت الترام لزيارة الوالدة في الخرطوم بحري . ما إن رأتني الوالدة حتى بادرتني بالسؤال : ( هل وجدت عملا يا حبيبي ؟) . فما كان من القسيس العجوز إلا أن أجاب : ( نعم .. لقد وجده .. إن الراعي العظيم قد هيئه له ) . فقلت بفرح : ( صحيح يا أبي .. تماما مثل ما تنبأت ). تهلل وجه أمي وبدأ تحسن صحتها بائنا . كان ذلك في نهاية شهر يناير أو بداية شهر فبراير من عام 1944م ، أيام طرد الروس للألمان من أوكرانيا .تحدثنا ثلاثتنا ، أنا ووردة والقسيس عن هذا وكان حزن القسيس بالغا على ملايين الأرواح التي أزهقت .
دنا مني القسيس وقال لي : ( اليوم وليمة القديس جورجيوس ) وعندما أبديت استعدادي للمساهمة قال لي:( لا تتعب نفسك ، أنت عليك أعباء كبيرة ، أن الكثيرين غيرك يرغبون في المساهمة .إن الراعي العظيم يعذرك .)
عندما تهيأت للعودة للمنزل في ذلك المساء ، دفع لي القسيس طردا مليئا باللحم . كان رعاة الكنائس يتلقون مثل هذه المنح ويوزعونها بمعرفتهم على المحتاجين . عند وصولي البيت وبعد الأكل من هذه الوليمة ، قمنا بتقطيع اللحم إلى شرائح ، ونشره على حبل تحت أشعة الشمس ليجف - بالطبع ليس لدينا ثلاجة في ذلك الوقت -. ما إن انتهينا من ذلك ،حتى جاءت قطة وقفزت على الحبل ورمته أرضا مع اللحم المعلق عليه . عندما رأيت اللحم يتلوث بذرات التراب ، غضبت غضبا شديدا ووبخت رمسيس وضربته على رأسه . لقد علمتني تلك الأيام الحرص وجعلتني سريع الغضب . قمنا بتنظيف اللحم من ذرات التراب وعلقناه على الحبل مرة أخرى . كَمَنت للقطة ، فلما ظهرت ثانية ضربتها على رأسها فما لبثت أن ماتت .
بعد أسبوع عادت أمي وردة للمنزل . عمّنا الفرح بعودة أمنا الحبيبة إلينا وتحسن صحتها * ولكن مالك المنزل أبى إلا أن يبدد هذا الفرح النادر . جاء يهددنا بالطرد لأن له في ذمتنا إيجار ثلاثة شهور .
بعد عودتي من العمل في الأسبوع الثاني من عودة أمي ، وجدت أن شركة النور والماء قد قطعت إمداد المياه من منزلنا. لأنها تطالبنا بقيمة أربعة وعشرين شلنا . في اليوم التالي سار الوالد لمسافة خمسة أميال لرئاسة الشركة حيث دفع لهم المبلغ زائدا أربعة شلنات رسوم إعادة الإمداد ، ووُعد بإعادة الإمداد بعد ثلاثة أيام من تاريخ الدفع .
في الشهر التالي أعادت إدارة مدرسة الراهبات أخواتي خالدة وسمسمة إلى المنزل ، لأن قسط المصاريف المدرسية قد حل منذ أسبوع . كان هذا في شهر أبريل .لم يتبق لامتحانات نهاية السنة الدراسية سوى أيام معدودة . طالبوا هذه المرة بالمصروفات كاملة بحجة إنني الآن أعمل . ستصيب الدهشة القارئ عندما يعلم أن جملة التخفيض الذي يمتنون به علينا كان جنيها يتيما .
في المساء وبعد انتهاء الدوام ذهبت لصديقي أحمد بيه - كعادتي كلما حزّت بي الأمور - قال لي أحمد بيه : ( كل الإرساليات الكنسية تأخذ عونا من حكومة السودان.البعثات الأوربية غنية ولكنها تهتم بأعضائها فقط. هذه الإعانات هي في الأصل أموال مصرية دفعت لرفاهية السودانيين .) . بعد أن شربنا الشاي ، قال أحمد : ( دعنا نذهب إليهم ..ولكن تذكر المثل القائل : إذا كانت حاجتك عند كلب ، فقل له يا سيدي )
**
بعد ساعة كنا أمام رئاسة البعثة الإرسالية . كان ذلك في وقت متأخر نسبيا من الليل ، حوالي الساعة التاسعة مساء .دلفنا إلى مكتب رئيسة الراهبات .حييناها ولم ترد تحيتنا ، بالرغم من أننا قدمنا تحيتنا بكل خنوع ، مع قليل من الانحناء ، تأدبا لمقامها الجليل . وقفنا على بعد قدمين من طاولتها ، لم تعزم علينا بالجلوس بالرغم من وجود عدة مقاعد بمكتبها. بدأ أحمد الكلام قائلا :
- سيدتي .. أنا مسلم ولكني جئت لأتحدث معك في أمر بنات أيوب .
فقاطعته في حدة :
- لا تخاطبني هكذا .. أنا لست سيدة .. أنا رئيسة الراهبات.
- آسف يا رئيسة الراهبات .. أرجو الصفح عن جهلنا .. جئنا …..
وقبل أن يكمل أحمد جملته ، قاطعته :
- لا مساومة .. أنا ذاهبة للصلاة .. أخرجوا .
لم أصدق أذني . لقد عاد بي هذا الموقف لعدة سنوات ، هل يذكر القارئ جملة {أمشي برة} التي نطق بها مستر جولدبيرج المفتش الإنجليزي ؟ فاض بي الكيل فاندفعت نحوها وضربت على الطاولة بقبضة يدي مهددا : ( سوف أذهب غدا الجمعة للمسجد الكبير وأعلن إسلامي أمام الملأ !!من الآن فأنا مسلم يا أيتها المنافقة .)
ازداد وجه الحيزبون دمامة من الرعب و مدت يدا مرتعشة إلى حبل مربوط بطاولتها ، ليرن الجرس المدرسي ويملأ أنحاء المكان .لم تمض لحظات حتى استجاب جمع من الراهبات والرهبان على مختلف رتبهم لجرس الاستغاثة. همس لي أحمد : ( لا تفعل ولا تقل شيئا .. دع الأمر لي ). أخذ أحمد أحد الرهبان جانبا وتكلم معه لربع ساعة . كانت حجة الراهب قلة المال مما نتج عنه قلة الفرص ، لا سيما ونحن لسنا بأعضاء في كنيستهم . ولكنه وعد أن يدرس الأمر . يا له من صديق رائع .. احمد بيه ، لقد كنت أقحمه في جميع أموري ، وكان يقدم لي كل المساعدة الممكنة .

**
كذبت على أسرتي كذبة بيضاء : قلت لهم أن المدرسة قد وافقت على تخفيض المصروفات إلى النصف ، وإنني سوف أرافق البنات ،صباح الغد إلى المدرسة. في الصباح بدأنا رحلة الخمسة أميال مشيا إلى مدرسة الراهبات على النيل الأزرق .كان المشوار يستغرق نحو ثمانين دقيقة. بنات الأثرياء يصلن بالحافلة المدرسية. قارنت بينهن وبين هيئة أخواتي :كانت النعمة والصحة والأناقة تحف بهن على عكس أخواتي الهزيلات ، الخشنات ، ذوات اللبس المدرسي الباهت المرقع . نظرتي لأطفال الموسرين لم تكن نظرة حسد ، ولكنني كنت أرث لحالة أخواتي. هذا المكان هو في الأصل لبنات الموسرين ، ولكن أفكار أبي التقدمية هي التي جعلتنا نسلك طريقا مليئا بالأشواك والصعاب . طلبت من أخواتي أن يدخلن لصفوفهن بهدوء كأن شيئا لم يكن . وانتظرت أنا تحت ظل شجرة أمام مدخل المدرسة لمدة نصف ساعة .أخواتي ما زلن بالداخل . قلت لنفسي : ( يبدو أن الأمور قد سويت ، الآن علي اللحاق بعملي ) . هرولت نحو مقر الشركة وأنا أحاول أن أسيطر على انفعالاتي وقضيت فترة عملي في صمت غير عادي .
يتزامن انتهاء اليوم الدراسي بمدرسة الراهبات ، مع توقف عمل الشركة لوجبة الغذاء .في ذلك اليوم ألغيت وجبتي ، وهرولت نحو المدرسة لأقابل أخواتي . عند الوصول رأيت أخواتي خارجات والبسمة تعلو وجوههن .( لا أحد سأل عن المصاريف ) بادرتني خالدة. (ولن يسألوا إن شاء الله) أجبت أنا في ثقة .بعد عدة أيام زارنا أحد القساوسة ، وكنت ساعتها في العمل .جاء يركب دراجة هوائية ولا أدري من أين عرف عنوان نزلنا.كان يحمل رسالة محددة ومفرحة : (لقد قررت إدارة البعثة إلغاء كامل المصاريف الدراسية.)
في مساء نفس اليوم ذهبنا أنا وأحمد بيه إلى مدرسة الأقباط،لنناقش معهم أمر مصاريف أخواني رمسيس وخالد. ناظر المدرسة مثله مثل كبيرة الراهبات وضع اللوم على الأحوال المالية للمدرسة : (كان بودنا ، ولكن هناك عدة حالات مثل حالتكم .إنكم غير ملمين عن وضعنا المالي المزري : ليس هناك محسنين محليين ليساعدوا.. الشركات الإنجليزية رفضت مساعدتنا ، فقط جلتلي هانكي منحنا عشرة جنيهات .. فقط عشر جنيهات !! وهناك مبلغ ثلاثمائة جنيها جمعت من بعض التجار الإغريق وبعض المسلمين مثل شروني ، لا الحكومة المصرية ولا الإدارة البريطانية تدفع لنا شيئا ). قال أحمد بيه: ( إنه شيئا محير ، إن مصاريف إدارة السودان تدفع من عرق الفلاح المصري، فالإنجليز لا يصرفون مليما واحدا على إدارة هذا البلد !! لقد ساهمنا معهم بفعالية في الحرب ولكن لم نجن منهم سوى الكلام المنمق ).
أخي رمسيس يبلغ من العمر تسعة عشر عاما، لقد ترك المدرسة مكرها ولكنه بعد عدة شهور وجد وظيفة لدى شركة جلتلي وهانكي وشركاؤهم المحدودة براتب شهري وقدره خمسة جنيهات .

**
إنصافا لدور البعثات الكنسية في تعليم البنات والتي كانت أمي وردة إحدى خريجيها ، أقول: إنهم كانوا من الرواد في مجال تعليم البنات ، الذي يجد كل تجاهل وإهمال من المجتمعات المحلية. افتتحت أول مدرسة من مدارس هذه البعثات في أم درمان عام 1899م ثم الخرطوم عام 1900 فعطبرة عام 1908 ثم ود مدني عام 1919م . كما أنشئت مستشفا ومدرسة لتدريس القابلات بأم درمان عام 1921م.


**
الآن دعوني أكتب لكم المزيد عن أخوتي ، وأبدأ بخالدة :-
كانت منذ صغرها تملك مقومات الشخصية العظيمة . كانت صغيرة الحجم - مثل الريشة كما يصفها أبي - قد يكون بسبب أكلها القليل . كانت قليلة الكلام ومن هذه الناحية فهي على النقيض مني تماما .كانت الأولى على فصلها، كانت تحرز الدرجة الكاملة في كل المواد. كانت من التفوق بدرجة أن تم نقلها من الصف الأول ثانوي إلى الصف الثالث بخطوة واحدة .
كانت عندما تعود من المدرسة تقوم بعمل الكسرة ،والواجبات المنزلية الأخرى التي توضع على عاتقها دون أي تبرم . عندما مرضت أمي فقد أخذت على عاتقها مراعاة أخواتها والقيام بكل أعباء وردة ، ما عدا الغسيل فقد تعلمت منذ صغري أن أقوم به نيابة عن وردة ، حتى في وجود خادمتنا نورة .في مجتمعنا البنت الكبيرة يجب عليها أن تساعد أمها في أعمال البيت حتى لو كانت تلميذة أو موظفة،وهو ما يعتبر إعدادا لها لبيت الزوجية . كانت خالدة تقوم بهذا وعمرها لا يتعد العشرة سنوات . كانت تفوقني في الوعي والنضج وتحمل المسؤولية بالرغم من أنني أكبرها بعشرة سنوات .
بعد عشرين عاما من هذا ، تبوأت خالدة منصبا إداريا كبيرا ،وانتخبت سكرتيرا للنقابة .تزوجت قاض في المحكمة العليا ، فأنجبت منه أربعة أطفال .
لقد عشت مقتصدا طوال حياتي ، لقد وصل دخلي الشهري آخر الأمر حوالي ألف وثمانمائة جنيها إسترلينيا ، ومع ذلك ما زال الخوف من المسغبة يملأ كياني .هذا الحرص والتقتير لم يمنعني من القيام بواجبي نحو والديّ وأخواني . كنت أتدخل لحل المشاكل المالية لكل أفراد الأسرة .قمت برعاية والديَّ في الأيام الباقية من حياتهم، ووفرت لهم الرعاية الطبية وأشرفت على جنازاتهم وودعتهم بما يليق بهم .كما قمت بتبني طفلين من أيتام الفلسطينيين إحياء لذكرى نعيمة وعزيزة .
كان أخي رمسيس متلافا وكذلك زوجته مما كلفني الكثير لإصلاح وضعه المالي المرة تلو الأخرى .وقد أخذت أختي إيزيس الكثير من طباع رمسيس .سمسومة وزوجها جرجس كانوا مقتصدين مثلي.

منتصر
07-09-2009, 04:28 PM
(41)



لؤلؤة في الطّين



بإعفاء أخواتي من المصاريف الدراسية ، وفرت لنا الإرسالية الكاثوليكية خمس جنيهاتٍ عزيزة .دخلنا الآن بحساب النقد أقل من دخلنا بعطبرة - قبل عام من الآن- بحوالي عشرة جنيهات. ولكنه بحساب الاحتياجات فهو أقلَ كثيرا .
اقترض الوالد مبلغ خمسة جنيهات ليبدأ في بيع الإفطار ، وذلك بعمل قِدر من الفول وخبز الرغيف .هذا النوع من الاستثمار لا يجلب ربحا يتعدى العٌشر ، أما إذا حسب لجهده أجرا فسوف يكون العمل خاسرا . كان يجد عناء في تحديد الكمية ، أحيانا يجد الطلب كبيرا ، فيزيد الكمية في اليوم التالي ولكنه لا يجد لها مشتريا ، فنضطر نحن أن نأكلها في الوجبات الثلاثة .بالطبع كان الوالد يدرك إنه لو باشر هذا العمل خارج حوش المنزل ، فسيجلب له مزيدا من الزبائن ، لذلك تقدم للسلطات بطلب رخصة . رفض طلب الرخصة في حينه ، بسبب عدم إيفائه للشروط اللازمة وأهمها إيجار محل لمزاولة هذا العمل . ولكن أنّى له بالمال للإيجار والضرائب .لذلك صرف النظر عن الترخيص واستمر في مزاولة عمله من المنزل لمدة عام تقريبا .أخيرا اضطر أن يترك هذا العمل ، ليس لأنه غير مربح فحسب ، ولكن ضجرا من مضايقات الشرطة .وأنا على يقين أن بعضهم قد حرضهم على ذلك .فكر الوالد - الذي اعتاد طوال حياته على العمل أكثر من خمسة عشر ساعة في اليوم- فكر أن يربي دجاجا ويبيع بيضه ، ولكن ولحسرته أصاب الدجاج مرض ، فأهلكه جميعا ،وضاعت العشرة جنيهات التي استثمرت في شرائه .جلس الوالد في البيت يندب حظه ، ولكن الفرج جاءه سريعا من حيث لا يحتسب :دق على باب بيتنا رجلا سوريا ، في ظهر أحد الأيام . بعد محادثة قصيرة مع أيوب عرض عليه وظيفة براتب شهريا قدره عشرة جنيهات !! نعم .. عشرة جنيهات !!


**


الآن أكملت نصف عام في وظيفتي .. أذكر ذلك اليوم جيدا ، إنه في أغسطس من عام 1944م . وفيه أخبرني أحمد بيه أن الألمان قد أخلوا باريس، وبذلك نجت مدينة النور من الدمار بواسطة ماكينة الحرب الإنجليزية الأمريكية .منذ مجيئنا الخرطوم أصبحت زياراتي لفؤاد وعزيزة قليلة ومتباعدة .حالة منزلنا المخذية لم تشجعني على دعوتهم لزيارتنا في منزلنا ، وأنا واثق إنهم يقدرون ذلك . في أحد الأمسيات أحست عزيزة بالصراع الداخلي الذي أعانيه فقالت لي: ( إنني أحبك وسوف أنتظرك لآخر العمر . أجعل ثقتك في الله كبيرة .. إنني أؤكد لك بأن هذه الأزمة إلى زوال .. وأن المستقبل يحمل لك حياة عملية مستقرة ، كما تنبأ بذلك القسيس إنك لست الوحيد الذي عانى من سياسة الحكومة الخرقاء ). لقد كان كلامها بلسما بعث في نفسي روحا جديدة ، وأزال من نفسي تعذيب الضمير الذي يشعرني إنني قد أجرمت في حقها وجعلتها كالمعلقة .عندما نقلت هذا الكلام لأمي وردة ، قالت : ( إنها تضئ مثل القمر في الليل .. وتشع مثل اللؤلؤة في الطين .)


**


في أحد الأيام طلبت من مستر فيروذر أن يزيد راتبي ، فقال لي :
- كم تستحق ؟
فقلت دون تردد :
- عشرة جنيهات !
- لابد أنك تمزح !
- هذا هو آخر ما لدي .. إنني أحب فتاة وأريد أن أتزوجها و …
قبل أن أتم جملتي وجدته ، يدخل في نوبة من الضحك حتى ظننت أنه قد جن .نوبة اهتز لها كل جسده ، ودمعت عيناه ،وأختلط سعاله مع ضحكة حتى جحظت عيناه.ذهبت مسرعا للبوفيه لأحضر له كوبا من الماء، عندما عدت وجدته قد هدأ قليلا . أخذ الكأس وشرب منه جرعتين ثم مسح عينيه من الدموع ، تناول سماعة الهاتف ليحادث المدير المالي الإنجليزي : ( معي هنا صوص .. يطلب المزيد ، لأنه يريد أن يتزوج ) ثم أعقب ذلك بضحكة ووضع السماعة .جاء المدير المالي وانضم إلينا وباقي الضحك ما زال عالقا بعضلات وجهه ثم قال :
- كم يطلب هذا السعيد ليتزوج ؟
- يقول إنه يستحق عشرة جنيهات !! هل يمكننا زيادته جنيها أو جنيهين ؟ لأنه قد اجتاز فترة التجربة بنجاح
- لا مانع من زيادته جنيهان ، علها تحقق له مشروعه.
ثم التفت إليَ متسائلا :
- هل هذا يكفي؟
- في الوقت الحاضر أشكرك ، ولكن هل من زيادة أخرى بعد شهرين؟ إنني أؤدي عملي على أكمل وجه، أليس كذلك ؟
- يا لك من اوليفر تويست !! الآن أخبرني هل تعرف هذه الفتاة من قبل أم اختارتها لك أمك ؟
قلت له : ( أولا لن أتكلم عن اوليفر تويست ، لأنني لا أعرف ماذا تعني به ..) ثم حكيت له قصة حبي من الألف إلى الياء .قد أدهشني استماعه لقصتي بكل اهتمام واحترام .لقد كان هذا الإنجليزي مختلفا عن غيره .كنا نحبه لأنه يكلمنا قليلا عن نفسه وعن بريطانيا ويهتم بالشؤون الخاصة لمرءوسيه في القسم ، ويقدم لهم المساعدة الممكنة.


**


كانت هناك فتاة سورية الأصل من المواليد ، كثيرا ما تزور مستر فيروذر في مكتبه .كانت تدخل إليه من الباب الخلفي ، المطل على شارع السردار كتشنر.كانت فتاة جميلة ، حسنة الهندام والمظهر ،ذات شعر أسود طويل. كانت تجلس واضعة رجلا على الأخرى ، كاشفة عن ركبتيها.كنت لا أتبين كلامهم ،لأنهم يتكلمون في همس.كان ذلك غير عاديا أن ترى فتاة من المواطنين أو المواليد مع رجل إنجليزي .بعد عدة سنوات من تركي العمل في هذه الشركة ، سمعت أنهما قد تزوجا . ألم أقل لكم أن مستر فيروذر إنجليزيا من صنف آخر. مقابل هذا كان هناك صنفا ماسخا من الموظفين الإنجليز: موظف عمل لعشرين عاما في السودان .كان جلفا متعجرفا. تعمل معه فتاة إنجليزية في وظيفة ناسخة على الآلة الكاتبة ، سمعته يشتمها ويصفها بالبقرة الغبية .كان هذا بمثابة الصدمة لنا . لم يسبق أن سمعنا رجلا إنجليزيا يتلفظ بمثل هذا . قلت لنفسي: لا بد أن طول مكوثه بالسودان ، جعله يتعلم هذا منا ،بالرغم من قلة احتكاكه بنا ..عندما خرجت الفتاة من عنده باكية ، ذهبت لها وطيبت خاطرها وأحضرت لها كوبا من الليمون.عندما أخبرت عزيزة بذلك ، ضحكت قائلة : ( تتقرب لفتاة إنجليزية ‍!إن أمثالك لأمثالي .. هل تسمعني !؟ )
هناك كثير من الإنجليز يعملون في شركتنا ، معظمهم ميكانيكيون ولكن مثلهم مثل كل الإنجليز الموجودون في السودان ، يحيطون أنفسهم بكثير الغموض .كنا نادرا ما نرى المدير العام ، كنت في بعض الأحيان أجده قربي ليراجع حساب الطوابع ، كنت أتضايق من هذا ، وأعتبره نوعا من عدم الثقة .كنا نسميه فرس البحر لأنه يشبهه .في أحد الأيام بعثت له كشف حساب بمبلغ عشرة جنيهات ، قيمة بريده وبرقياته الخاصة التي يرسلها لعائلته وأصدقائه في لندن .في ذلك اليوم استدعاني إلى مكتبه ، كانت تلك أول مرة أدخل فيها مكتبا مكيف الهواء .دخلت مكتبه المكيف ولكنه لم يدعني أهنأ بالتكييف .صاح في وجهي غاضبا ،حتى إنني خشيت على وظيفتي .طلب مني ألا أرسل له مثل هذا الكشف مرة أخرى . ولكنه لم يبصرني ماذا أفعل بالضبط ، ففهمتها من نفسي وصرت أدونها تبع منصرفات الشركة ، ولكنني أحتفظ بها في كشف خاص أحفظه لنفسي .
من أطرف الشخصيات في الشركة ذلك القبطي الضئيل الحجم .وهو من الأقباط المصريين ولكنه يتظاهر بأنه من المواليد ويحاول تقليدهم .كان طوله لا يتجاوز الخمسة أقدام ، مع نحافة بادئة بالرغم من أنه يكثر من أكل الفول السوداني والبلح .لاحظت أنه يكره لبسي للقبعة في المكتب ،خاصة وإنني لا أخلعها طوال فترة العمل. اختلاف طبيعتنا ساعد في نمو العداء بيننا . هذا العداء جعلني استدعي الجوانب السيئة من طبيعتي.كان دائما ما يخترع لي أعباء إضافية ، ليحوز رضاء رؤسائه على حسابي .ولكنني كنت دائما ما أنجح في إحراجه والسخرية منه ، لأنني اكتشفت ضعف شخصيته .كان من القلائل الذين يملكون سيارة في ذلك الزمن ، وحتى هذا الجانب لم ينجَ من تشنيعي عليه ، فقد كان لضآلة جسمه ، يكاد لا يرى وهو يمسك بمقود السيارة . فقلت له في أحد الأيام أمام جمع من الزملاء : ( لقد رأيت سيارتك تعبر جسر النيل الأزرق دون سائق ، يالها من سيارة ذكية ) .انفجر الزملاء ضاحكين . نظرت له خلسة * فوجدت تعابير وجهه جامدة كأن شيئا لم يكن.مما جعلني أندم على تصرفي الصبياني . ألم أقل لكم أن هذا العداء قد استدعى جوانب الشر الكامنة في طبيعتي. ولكن إنصافا له أقول إنه كان محاسبا ممتازا ويجيد اللغة الإنجليزية .
في نهاية عام 1945م ، وبينما أنا أجهز البريد الصادر إلى مقر الشركة بلندن . قرأت في إحدى المستندات أن الشركة قد جنت أرباحا من عملها في السودان بما يقدر بربع مليون جنيها .قلت في نفسي : ( كل هذه الأرباح ولا يدفعون لي سوى حفنة من الجنيهات !) .أحيانا يكون الجهل رحمة ولكن محدثكم لا يرضى أن يكون جاهلا . منذ أن اكتشفت أرباح الشركة لم يهدأ لي بال ، فقررت إمَا أن يزيدوا راتبي أو أذهب لأبحث عن عمل في مكان آخر .



**



بعد عامين من توظيفي في هذه الشركة أي عام 1946م ، كان راتبي في حدود عشرة جنيهات . ولكن احتياجاتنا في ازدياد . مالك المنزل الحاج دنقس يطالبنا بزيادة الإيجار . منزلنا يحتاج لفرش وأثاث، لأنه ومنذ قدومنا من عطبرة قبل ثلاثة سنوات لم نضف فرشا ولا أثاثا .عندما بدأ الطلب على الوظائف الكتابية يتحسن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، بدأت أبحث عن البديل .وجدت وظيفة مؤقتة في شركة شل للبترول وكان ذلك في عام 1946م.كانت وظيفة مؤقتة لأنني لا أعتبر مواطنا سودانيا!.
مستر فيروذر سبق أن وعدني بإيجاد فرصة عمل لأخي خالد .تعمدت أن أناقش معه هذا الموضوع في حضور صديقته السورية .عندما سألني عن الشركة التي سوف أنتقل إليها قلت له بافتخار : ( شركة شل للبترول .. براتب خمسة عشرة جنيها شهريا ) ثم نظرت في وجهه لأرى تأثير ذلك عليه ، فلم أرَ أي أثرا للاستغراب .أخذ غليونه وجذب منه نفسين وحدّجني بنظرة ثم قال: ( أجر زهيد !! إنهم أغنياء ).لم أهتم بملاحظته * فقلت له مودعا : (أشكرك لعطفك وتفهمك . إنني واثق أن أخي خالد سوف يكون أفضل مني …. وأرخص !) نظرت نحو الفتاة فابتسمت لي وهمست لها بالعربية قائلا: ( إن السعادة تنتظرك مع هذا الرجل !) فأحمر وجهها خجلا.فقال لنا بابتسامته الرائعة : (كفى همسا ). فشكرته مرة أخرى وودعت الفتاة بابتسامة ثم غادرت المكان.



**



كنا أنا ورمسيس وخالدة مدعوين في منزل فؤاد بمناسبة وداع أحمد بيه وزوجته .بالرغم من الضحك والأنس الذين سادا تلك الجلسة، لم يبرح ذهني بأنني قريبا سوف أفتقد صديقي المخلص *الذي لم يخذلني يوما.أحسّت عزيزة بحالتي فحولت الموضوع قائلة : ( إننا محظوظون لأننا هنا في سلام .. لقد قرأت عن المدن الألمانية التي مسحت من الوجود .في درسدن وميونخ أزهقت أرواح ملايين الأرواح البريئة ، من المسئول عن كل هذا ؟) . قلت أنا : ( هيروشيما ونجزاكي ) فقال أحمد : ( لقد خسرت روسيا ثلاثة وعشرون مليون قتيلا وكسبت ثمانية عشر مليون معوقا . هل ستحقق محكمة نيرمبرج في الأسباب الحقيقية للحرب ) قالت خالدة : ( عمّ تتحدثون ؟ يا لي من جاهلة ) فقالت لها عزيزة : ( إنني أيضا سياسية مستجدة .لقد قرأت هذا في المجلات المصرية ) ثم التفتت إلى أحمد وزوجته عواطف قائلة : ( إنكم ستتركون بيننا فراغا كبيرا )
أصبحت أكثر اهتماما ، بهذا النوع من المعرفة ، كلما قرأت في هذا المجال كلما تفتحت شهيتي للمزيد.كنت أمرر كل ما يقع في من هذه الموضوعات إلى عزيزة التي كانت قارئة نهمة .

منتصر
07-09-2009, 04:38 PM
(42)

زواجي من عزيزة
يناير 1947م


في شهر مايو من عام 1946م ، كان راتبي الشهري من شركة شل خمسة عشر جنيها . كان نظام العمل فترة واحدة : من السابعة صباحا إلى الثانية بعد الظهر. هذا ما أغراني للبحث عن عمل آخر في الفترة المسائية .في شهر أغسطس من نفس العام ، وجدت فرصة وظيفية للعمل مساء مع شركة بِرّوتا إخوان براتب وقدره ستة عشر جنيها للعمل في الفترة من الخامسة مساء إلى الثامنة ،لخمسة أيام في الأسبوع .ما بين يوم وليلة وجدت أن دخلي الشهري قد أرتفع إلى واحد وثلاثون جنيها ‍‍!!
الآن بدأت عليّ سمات البحبوحة.: صرت من رواد العظمة (عربة تجرها أربعة خيول) ،اشتريت ملابسا جديدة. صرت أهتم بهندامي وأحلق لحيتي كل صباح.صرت أرش على نفسي ماء الكولونيا، قبل ذهابي لزيارة فؤاد وعزيزة. . بلغ بي الشعور بالغنى لدرجة إني اشتريت مذياعا مستعملا من أحد خواجات الخرطوم .بدأت الراديوهات تظهر في بعض والمقاهي والبيوت وخاصة بيوت الأجانب . لقد كنا من أوائل السودانيين الذين أدخلوا هذا الاختراع إلى بيوتهم .شرحت لوالدي طريقة التشغيل .كانت أمي تستمتع للموسيقى التي تهواها ، وبمرور الأيام أصبحت تستمع للحديث السياسي من القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية.

كان ذلك في منتصف عام 1946م ، عندما أُعلنت خالدة كأول فتاة سودانية ، تنال شهادة أكسفورد الثانوية.وكانت تلك أقصى مرحلة متاحة لتعليم البنات في السودان. كانت في ذلك التاريخ لم تتجاوز السادسة عشر ربيعا . كنا جميعا فخورين بها وخاصة وردة وأيوب .في الأسبوع التالي وجدت وردة وظيفة في شركة الخطوط البريطانية لما وراء البحار * التي افتتحت فرعا حديثا لها في الخرطوم .كان راتبها الشهري خمسة جنيهات مقابل العمل ثمانية ساعات مقسمة على فترتين، صباحية ومسائية .
في أحد الأيام رجعت خالدة من العمل ،وهي في غاية الغضب.سرعان ما تحول غضبها إلى نوبة من البكاء. كان ذلك بسبب اكتشافها أن زميلتها الإنجليزية تأخذ ثلاثين جنيها مقابل العمل لفترة واحدة ، قالت خالدة بعد أن كفكفت دموعها : ( في صباح الغد إذا لم يساووني بزميلتي فسوف أقدم استقالتي ) . فصحت أنا مصفقا ومشجعا : ( برافو … برافو .. ). جاءتنا خالدة بعد ظهر اليوم التالي والخيبة تطل من عينيها ا الجميلتين .. لقد تم فصلها .لقد شكّل هذا الحادث نظرتها نحو كل شئٍ بريطاني .بالرغم من حزن أيوب إلا أنه علّق قائلا : ( هل تحسبين أن الإنجليز قد جاءوا إلى هنا من أجل سواد عينيك !!؟ ).بعد شهر وجدت خالدة وظيفة في أحد البنوك براتب شهري قدره اثنا عشر جنيها.
عندما أخبرت أحمد بيه بقصة خالدة ، قال : (نصف مشاكلنا من صنعنا والنصف الثاني من صنع الإنجليز و الخزر" اليهود الأوربيين" َ.هذه الأيام يخططون لخلق كيان يسمونه إسرائيل ، سيبنونه فوق جماجم الفلسطينيين .إنني أسى على الأجيال القادمة من اليهود ، لأنه ولو بعد مائة عام ، فإن فلسطين سوف تعود إلى أهلها .ودم هذا الجيل من اليهود سوف يكون في عنق المجلس العالمي لليهود.)
في ذلك الوقت بدأت المنشورات السياسية تظهر في السودان .كانت جل مواضيعها عن مصر والسودان وفلسطين .لقد صرت من ضمن الموكل لهم توزيع هذه المنشورات .و اشتريت دراجة خصيصا لهذا العمل . كنت آخذ حصتي منها ، وأقوم بجولتي الليلية في المنطقة المحددة لي .كنت لا أترك أيّ نسخة في البيت خوفا من إقحام أهلي في مشاكل سياسية .ازدادت معزتي لفؤاد عندما علمت بتعاونه مع أحمد بيه في هذا النشاط .
بعد التحسن الملحوظ في أحوالنا انتقلنا، إلى منزل آخر به كهرباء .بإيجار قيمته عشرة جنيهات شهريا . اتصلت بنا إدارة مدرسة الراهبات وأبلغتنا بوجوب دفع المصروفات كاملة لأخواتي سمسومة وإيزيس وقد قبلنا ذلك بكل طيب خاطر .الآن أصبحتا من ضمن ركاب الحافة المدرسية التي توصلهم حتى منازل هيئة السكة حديد.

**

الآن و بعد تحسن أحوالنا لم نصبح من ضمن طبقة البرجوازية الخرطومية التي بدأت تنشأ في ذلك الوقت فحسب،بل كنا نعد من الطلائع المؤسسة لها. بهذا الوضع الجديد ، صرنا نتبادل الزيارات العائلية مع فؤاد.أحبت عائلتي عزيزة ، وكانت تفرحهم مناداتها لوردة بكلمة أمي.
الآن الطريق ممهد لنكمل أنا وعزيزة زواجنا ، وتم لنا ذلك في شهر يناير من عام 1947م .قررنا أن يكون الاحتفال مبسطا . دعونا حوالي مائة شخصا ، إضافة لمائة آخرين دعوا أنفسهم ومائة من متسولي غرب إفريقيا تجمعوا خارج الكنيسة .

**

عزيزة في نظري هي أجمل مخلوق يمشي على الأرض .كما ذكرت سابقا ،فهي معياري لجمال الأخريات .على عكس قانون الطبيعة ، كان مرور السنوات يزيدها جمالا . عندما كنت أقف قربها أمام الكنيسة ، كانت تصل لأذني آهات الإعجاب من جمهرة المدعوين والمتطفلين .كانت هذه التعليقات تجمع ما بين الإعجاب والحسد .فتح أحدهم فمه دهشة وقال : ( يالك من صياد ماهر .. صوص .. أين وجدت هذا الغزال !؟ ) .رد عليه رفيقه : ( لقد انتظرته عدة سنين ! هذا هو الحب ! وتلك هي الرومانسية التي نسمع بها ) .
في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالمسالمة بدأ لي أن القس يطيل في المراسيم .قلت لنفسي : ( مهما أطال فلن أزيده عن العشر جنيهات ) .لقد كنت في عجلة من أمري ، لأنفرد بعزيزة بعد كل هذه السنين من الانتظار .عندما طلب منا القسيس أن نتشابك بالأيدي ونضع رؤوسنا مع بعض ، ضغطت على يدها وهمست في أذنها : ( ألم يطيل ؟) فردت هامسة (بلى ) ثم التفت إلى صديقي نصيف وقلت له : ( أطلب من الأب أن يسرع لأن العروس مصابة بالدوار.إن الرب قد سمع وبارك منذ زمن، فلم هذه الإطالة ؟ إننا نكاد أن نختنق .. هل من جرعة ماء ؟) . أسرع نصيف وأحضر لي ماء .أخذت الكوب وناولته لعزيزة لتشرب أولا .ما إن رأت مجموعة النسوة بأنني آثرت عزيزة وأعطيتها لتشرب أولا ، حتى انفجرن بالزغاريد تحية لهذا الإيثار .إن هذا القسيس هو نفسه الذي باشر عقد قراننا ، ولكنه في هذه المرة قد دعا قساوسة الخرطوم والخرطوم بحري ليشاركوه في تقديم هذه الخدمة المميزة .كان ثلاثتهم مع مساعديهم يقومون بتلاوة التعاويذ وبعض مزامير داؤود . طلب القسيس من عزيزة أن تكون مطيعة لزوجها ، وهنا قلت لها : ( هل تسمعين يا امرأة ؟ ) وضج الحاضرون بالضحك . استمر القسيس في إسداء نصحه طالبا من العروس أن تتصرف مثل سارة زوجة إبراهيم عليه السلام التي تنادي زوجها يا سيدي . كانت ذروة الاحتفال عندما تبادلنا خواتم الزواج . ارتفعت الزغاريد وازدادت الطبول النحاسية حماسا .قدم للعروس كأسا فضية مملوءة بالشمبانيا لنشرب اقتداء بحنا الجليل .أخذت منه جرعة وعندما مرر لي كدت أن أقضي عليه لولا تنبيه نصيف عندما همس لي : ( رويدك .. رويدك .. دع قليلا للآباء الكهنة ليشربوا ) . مررت كأسا شبه خالية للقسيس الذي أخذ قليلا ومررها خالية لقسيس الخرطوم الذي تظاهر بالشراب .
أخيرا أعلن زواجنا الذي انتظرناه طويلا. جاءت امرأة قبطية وأعطت عزيزة ربطة ملوخية ضخمة لتحملها في يديها . وجاءت مجموعة أخرى لتنثر أرزا وقمحا وبلحا تحت أرجلنا .ازداد الضجيج واختلط الحابل بالنابل ونحن في طريقنا لمنزل فؤاد..هناك في منزل فؤاد تناولنا طعامنا وتقسم المدعوين زرافات يتحدثون بصوت عالي . والأطفال يلعبون ويلهون حولنا .لقد افتقدت ثلاثة من أحب الناس إليّ في هذا اليوم :- لبيب ، أحمد بيه وديمتري .الأخيرين أبعدا إلى مصر نهائيا . لقد كانا من ضمن آخر فوج أبعد من السودان . وبرحيلهما اكتملت حلقة إبعاد المصريين من السودان ضمن السياسة المعلنة والتي كنت أحد ضحاياها .كنا في غاية التعب والإرهاق والتلهف أن نكون لوحدنا بعد كل هذه السنين من الانتظار . ولكن يبدو أن الانصراف آخر ما يجول في ذهن الضيوف .بعد منتصف الليل بادر أصدقائي حسن وصلاح ونصيف بالطلب من الضيوف الانصراف ، لأن العروسين في غاية التعب.
أخيرا ..أخيرا وعند الساعة الثانية صباحا صرنا أنا وعزيزة لوحدنا .كنا في غاية التعب والرهق ، مثل حالة العداء عندما يصل نهاية المضمار .
بعد أيام أخذت عزيزة لجرّاح إغريقي ليصلح لها ما أفسده الخفاض .بعد أن أدى الجراح مهمته على أكمل وجه ، نصح أن تكون تحت الرقابة الطبية في حالة حدوث حمل.لقد بدأنا ممارسة حياتنا الزوجية الحقيقية بعد ستة شهور من ذلك.
انتقلنا إلى منزل في حي بيت المال ، يقع على نهاية خط الترام على شاطئ النيل . بعد أيام قليلة م انتقلنا إلى منزل آخر قرب ميدان العرضة على بعد ميلٍ واحد من جسر النيل الأبيض . إنه واحد من ثلاث منازل ورثها فؤاد وأختيه من والديهم .يتكون المنزل من ثلاثة غرف مساحة كل منها ستة وثلاثون مترا مربعا.، تربط بينهم فراندا طولها أربعة وعشرين مترا ، وعرضها ستة أمتار .كل هذه المباني لا تحتل إلا الثلث من المساحة الكلية للمنزل .يبعد المطبخ عن الغرف بحوالي خمسون مترا . وفي ركن قصي آخر يوجد الحمام والمرحاض . لقد قمت بإضافة حمام آخر بالقرب من غرفة النوم لا نستعمل فيه الصابون ، لأنه لا توجد مجاري ، تترك الماء تنساب على أرض الحوش ، فيتسرب جزء وتقضي حرارة شمس أم درمان على الباقي.كنا نستعمل الحمام البعيد للاستحمام بالصابون . توجد بالحوش خمسة شجرات جوافة ونخلتين .يقال أن رودلف سلاطين قد سكن هذا المنزل في عهد الدولة المهدية . قام والد عزيزة بتجديده قبل وفاته حوالي عام 1930م.قامت عزيزة بمساعدة وردة بزراعة الحوش بالزهور وخاصة الياسمين .


**

كان الحب والتقدير متبادلا بين عزيزة و الحبوبات، وكانتا ينادينها بالملاك .في أحد جلسات الجبنة طلبت من حبوبة الشول قراءة الطالع .أحضرت حبوبة صرتها المشهورة وفرشت الرمل أمامها .كعادتها قامت حبوبة برمي الودع خمسة رميات خفيفات ، وكانت تكلم نفسها بين كل رمية وأخرى .في أحد الرميات توقفت حبوبة مدة أطول وأخذت تغمغم .شعرنا أن هناك أمرا جللا . ونفذ صبرنا جميعا ، وقلنا لها بصوت واحدٍ: ( ماذا هناك ياحبوبة ؟) . هنا قالت بصوت حزين : ( إن شخصا عزيزا سوف يموت .. هذا الشخص هو أنا ، إنني قد بلغت أرذل العمر .) . هنا قامت عزيزة وقبلت العجوز قائلة : ( لماذا تريدي أن تخوفينا ؟ يحفظك الله ويعطيك طول العمر … قولي آمين .) . وهنا تدخلت حبوبة خالدة ، معنفة صديقة العمر بقولها : ( الشول … أنت تعلمين جيدا إن الودع لا يخبر صاحبه بقرب موته . ثم إنك قلت شخصا عزيزا ،هل هناك من يصف نفسه بأنه عزيز ؟ الشيطان وحده الذي يفعل ذلك .وأنت لست بشيطان ) ثم ضحكت وضحكنا معها جميعا معجبين بقوة حجتها.. قالت أمي وردة في حزن : ( اللهم أجعله خيرا .. لدينا أعزاء كثر … تنبؤات الشول دائما ما تصيب ، ربنا يحفظ الجميع ).هروبا من هذا الجو الذي خلقته النبوءة ، ذهبنا جميعا في ذلك المساء لدار السينما .

منتصر
07-09-2009, 04:39 PM
(43)



الحياة الجديدة


أصرت عزيزة على الحبوبات أن يعيشان معنا . فذهبتا لود مدني وأحضرتا أغراضهما من هناك.قمت ببناء غرفة مع فراندا خصيصا لهما ، وكان ذلك قرب المطبخ بناء على طلبهما.كنا يقمن بمعظم الأعباء المنزلية ، وبالذات صنع الكسرة . كما كنا يجلبن احتياجات المنزل من السوق .
لم تكن عزيزة تغير من التعليم الذي حازته خالدة. بل كان رد فعلها إيجابية ا وبناءًة ، إذ طلبت منها أن تساعدها في تعليم نفسها، واستعارت كل كتبها الموجودة.، مما مكنها من إكمال مقرر الخمسة سنوات في سنتين.
لم أتوقف عن دفع مبلغ العشرة جنيهات قيمة إيجار منزل الأهل زائدا جنيها للماء والكهرباء . خصصت عشرة جنيهات في الشهر لاحتياجاتنا اليومية .استأجرنا امرأة هوساوية للغسيل والنظافة، أما كي الملابس فقد كنت أقوم به بنفسي .كما خصصت جنيهين للماء والكهرباء والفحم والكيروسين.كنت أعطي جنيها للحبوبات كمصاريف شخصية ولكنهن كنا يصرفنه على البيت . كنت أصرف على المواصلات و منصرفاتي الشخصية مبلغ ثلاثة جنيهات مع العلم بأنني لا أدخّن ولا أتناول الكحول.بالرغم من كل هذه الالتزامات فقد كنت لا أفرّط في توفير مبلغ ثلاثة جنيهات شهريا .كنت أماطل المجلس البلدي في دفع رسوم العقار المقررة على منزلنا والبالغة ثلاثة جنيهات سنوية .أسَرّ إلي الهوساوي الذي يعمل كاتبا في البلدية ، بأن أخبر المسؤولين بأن هذا المنزل ترجع ملكيته لامرأة ، لأن التقاليد تعفي المرأة من أي التزامات ضريبية .
ازداد قلقنا على مستقبل أخي الأصغر خالد ، لتدني أدائه المدرسي خاصة في المواد النظرية ، كانت رغبته أن يصبح ميكانيكيا ،كما كنا نرغب أنا ورمسيس .كنت أعطيه ستة شلنات كمصاريف شخصية لحين يجد عملا. في عام 1947م عينه مستر فيروذر في وظيفة معه كما وعدني . كان عمره حينذاك ثمانية عشر عاما .



**


في أواخر عام 1947م ، قرأت في الصحف ، أن معالي الحاكم العام سير روبرت هاو سوف يفتتح مركز السودان الثقافي .كان هذا أول ظهور جماهيري له بعد توليه هذا المنصب ،خلفا لهيبرت هدلستون الذي حكمنا من عام 1940م إلى عام 1947م. ذهبت لأتفرج ، كان مكانا جميلا رائعا . يبعد حوالي ثلاثمائة مترا شرق النادي المصري . كان المبنى يتكون من حديقة غناء ،صالة للقراءة ، مكتبة عربية وإنجليزية ،وغرفة للاستماع بها جهاز قراموفون وعشرات الأشرطة التي تحتوي على الموسيقى الكلاسيكية .وهناك غرفة أخرى لهواة الاستماع للراديو . كان البوفيه يقدم خدماته الممتازة بإشراف عامل حلفاوي . كنت في غاية السعادة عندما تم قبول عضويتي _ كانت العضوية مجانية_ كان من ضمن نشاطات المركز قيام محاضرة عامة كل أسبوعين .كان حضور هذه المحاضرات لا يتجاوز الأربعين، جلهم من الإداريين الإنجليز .أما في الأيام العادية فقد ينقص هذا العدد إلى الربع .كنت أعتبر من الأعضاء المواظبين على الحضور.راق لي هذا المكان،فيه كان أول عهدي بالصحف والمجلات الإنجليزية.، قرأت معظمها بمساعدة القاموس . هذا المكان جعلني أشعر بضآلة تعليمي وقلة معلوماتي .كانت المحاضرات تقام في الميدان المنجّل داخل حوش المركز. كنت دائما ما أختار مقعدا في ركن قصي وأركز كل جهدي لأفهم ما يقوله المحاضر . كنت في بعض الأحيان اسأل نفسي : ( كيف تسنى لي أن أكون عضوا مع هذه المجموعة التي تفوقني تعليما ؟ ) ولكنني في بعض الأحيان أكتشف أنني لست أقل منهم إطلاعا ، خاصة عندما استوعب شيئا من بعض المحاضرات..كان بعض الأكاديميين أمثال :- مارجوري بيرهام و ريتشارد هيل وغيرهم من الأكاديميين الإنجليز يقدمون بعض المحاضرات في تخصصاتهم.كنت أعاني معاناة شديدة لفهم هذه المحاضرات الأكاديمية .ولكنني قررت ألا أجعل اليأس يتسلل إلى نفسي. كان من ضمن المحاضرات ، محاضرة ألقاها مأمون {هل هو مأمون بحيري ؟ المترجم } أول اقتصادي سوداني . كان الحضور لهذه المحاضرة كثيفا من قبل الإنجليز والنخبة السودانية .كان مأمون من ضمن أول ستة سودانيين تلقوا تعليمهم الجامعي في اسكتلندا .حاضر مأمون عن التوظيف الكامل للموارد في بريطانيا .كانت فكرة المحاضرة تقول : ( للوصول إلى نقطة التوظيف الكامل للموارد ، على بريطانيا أن تصدر إلى مستعمراتها ودول العالم الثالث الأخرى .ولضمان استمرار هذا التصدير، يجب أن يكون مواطني هذه المستعمرات في مستوى مالي ، يمكنهم من شراء هذه السلع والخدمات.بمعنى كل ما زاد الاستهلاك في هذه الأقطار ، كل ما انعكس ذلك إيجابا على اقتصاد الإمبراطورية .التي لا تغيب عنها الشمس )
كنت جالسا في مكاني المعهود في أواخر الصفوف. عند فتح باب النقاش ، وبدون تفكير مسبق ،وجدت نفسي رافعا يدي طالبا الفرصة .سمح لي جمال المشرف على المحاضرة بالكلام . وقفت وقلت بصوت كأنه خارجا من شخص آخر : ( في محاضرات سابقة ، تكلم المحاضرون عن سياسة الحكومة حول إعداد السودان للاستقلال .كذلك الصحف تبشرنا كل صباح بالاستقلال .ويأتي اليوم من يحدثنا عن توظيف الموارد لشراء البضاعة والخدمات البريطانية ! في كل بيت الآن أكثر من شاب بدون عمل ولا يقوى أي منهم على تصليح أي آلة ، فهل تفترض أن هذه الأجهزة المستوردة لا تتعرض للأعطال ؟ أم تقترح أن نرمي بها بعيدا لنشتري غيرها !؟ بريطانيا العظمى تتحكم في التجارة والتقنية مع إنها تخطط للتخلي عن سياستها النمطية ، فهل هذا دفاعا عن إمبراطورية غير معلنة ؟ ) .
على ما أذكر التفت كل الحضور خلفه لينظر لي ، هذا ما أربكني قليلا ولكنني ظللت متماسكا حتى أكملت مداخلتي .ما إن جلست بعد الانتهاء من مداخلتي ، حتى دوى الحضور بالضحك والتصفيق ، مما أضطر المنصة أن تطلب منهم الهدوء .بعد الصمت قال مأمون : ( هذا سؤال رائع ، وغير متوقع . ولكنه ذو علاقة بالموضوع.الإجابة عليه تحتاج لبحث مطول .ومن المؤكد أن الحكومة تفكر في هذا ) وأنفجر الحضور ثانية بالضحك .



**


في اليوم التالي طلبني مدير شركة شل بمكتبه .فاضطربت لهذا الطلب . لأنه لا شئ يجمعني بهذا المدير ، ولا حتى في مجال العمل . كل رؤسائي المباشرين من الأقباط الثقلاء .لدهشتي عندما دخلت عليه كان يتحدث في التلفون وأشار إليّ بالجلوس ولكنني ظللت واقفا .بدلا من أن يضع سماعة التلفون ، مدها لي قائلا : ( المحادثة لك ! ) كان المتحدث من الجانب الآخر مستر جون استون مدير المصروفات بوزارة المالية المنشئة حديثا .كنا كثيرا ما نتقابل في المركز الثقافي ونتناول الشاي..طلب مهاتفتي ليدعوني مع آخرين لاجتماع يعقد بالمركز الثقافي ، لمناقشة موضوع إنشاء معهد السودان للإدارة.المدعوون الآخرين أسماء معروفة مثل :-سيد شاعر،أحمد خالد،عطار ، محجوب وغيرهم .قلت لمستر جون في نهاية المكالمة مازحا : ( سوف تتكلف كثيرا لأنك سوف تطلب لنا شايا ) عندما وضعت السماعة ، بادرني مدير شل بالسؤال : ( لماذا يدفع لك ؟ ألا تستطيع أن تدفع بنفسك ثمن كوب الشاي ؟ ) قلت له : ( من أين لي !؟. كل مليم من راتبي مخصص ، إضافة إلى إنني انتظر طفلي الأول .هل تعتقد ما يدفع لي هنا يجعلني من الأغنياء ؟) دهش المدير من جرأتي ، يبدو أنني أول من تكلم معه مثل هذا من الموظفين ، لأن الأقباط الآخرين يرتعشون خوفا عندما يستدعيهم إلى مكتبه. قال المدير بعد أن فكر مليا : ( بعد أن أطّلع على تقارير أداءك سوف أمنحك جنيها علاوة . أي ما يساوي ثمن ثلاثين كوبا من الشاي ) . كاد المدير أن يقفز من كرسيه عندما أجبته بجرأة أقرب للوقاحة : ( تمخض الجمل فولد فأرا ! )
نصحني المدير بأن أحرص على وظيفتي و صرفني بغضب .ولكن العلاوة قد كانت جنيهين كاملين .

منتصر
07-09-2009, 04:40 PM
(44)



الشول تبكي


في عصر أحد الأيام توفيت جارتنا سمية وهي تضع مولودها .كانت شابة لطيفة تبادل عزيزة الزيارات .كانت تسكن على بعد ثلاثة منازل من بيتنا .تعيش مع زوجها هاشم وعائلته الممتدة في بيت كبير مثل بيتنا .سبق أن أبدى لي هاشم مخاوفه من أن تلاقي سمية صعوبة في الوضع بسبب الخفاض الفرعوني ، فلما أعطيته عنوان الجراح الإغريقي الذي عالج عزيزة ، احتج وقال إنه لا يرضى أن تنكشف امرأته على طبيب مسلم ، فكيف تذهب لآخر غير مسلم .. باسم الدين ترك زوجته تعاني حتى الموت.
ساد الحزن حينا ، وتذكر الجيران نبوءة حبوبة ، وازداد عدد المصدقين بتنبؤاتها وبالتالي زاد عدد زبائنها وارتفع أجرها إلى خمسة شلنات غير الهدايا العينية. .لأن سمية كانت عزيزة لدينا فقد اعتبرناها هي الشخص الذي عناه تنبؤ حبوبة..
بعد أسبوع من وفاة سمية ، وفي يوم أحد كان معي في المنزل جمع من الأصدقاء والأهل . وعندما أعدّت جلسة الجبنة طلبنا من حبوبة أن تقرأ لنا الطالع. جلسنا حولها ، نتابع باهتمام . أخذت حبوبة وقتا أطول من المعتاد لتبدأ الكلام، و هذا يعني نذير شؤم .غلبنا الانتظار ، وطلبنا منها في صوت واحد أن تنطق .ولكنها بدل أن تتكلم ، أجهشت بالبكاء ، وقالت مولولة : ( يا إلهي !! فظيع … ! فظيع… ! غير معقول …! ) .صرخنا في صوت واحد : ( ماذا رأيت؟) . فقالت : ( احفظنا ، اللهم أحمينا يا حفيظ ) ثم أردفت : ( أربعة أشخاص من هذه المنطقة سوف يموتون خلال أربعة أشهر ) ثم واصلت نحيبها . لم أرَ حبوبة باكية منذ أن وعيت الحياة . وقد أكدت حبوبة خالدة ذلك ، عندما قالت لها والقلق يلفها : ( لم أرك تبكين منذ وفاة خالد ).
كان ذلك في أحد أيام الآحاد وسط مجموعة من الأهل والأصدقاء .كان هناك والديّ ، خالدة ، رمسيس ، فؤاد ، شقيقة عزيزة وزوجها ، صديقي حسن والعم فانوس . أصابنا الخوف والهلع ، فلقد كنا جميعا نصدق بقراءة الطالع . أخذت أمي وردة تنهيدة عميقة وقالت : ( اللهم أجعله خيرا ) .لاحظ العم فانوس الجو الكئيب الذي بدأ يسود الجلسة فقال بروحه الخفيفة : ( أعز شئ حولنا هو هذه العنزة التي تحلب نصف رطل في الصباح ونصف رطل في المساء فلتكن هي الأولى ، والراعي الكسول فليكن الثاني . أما الثالث فليكن صديقك اللدود هاشم فهو عزيز لديكم لأنه جاركم ). بالفعل نجح العم فانوس أن يخفف قليلا عن الحضور وتجاوب الكثيرين مع قفشاته .قال العم فانوس لكي يطمئن الحضور أكثر : ( لقد أخبرتنا الشول قبل أكثر من عشرة أعوام أن صوصا سوف ينال تعليما أعلى من كلية غردون ولكن كما ترون مازال صوصا بيننا ) . بدأ الصياح بين الحضور مابين مؤيدا لفانوس ومتحفظا . كانت أمي وردة لا تشارك في الحديث، ولكنها لا تنفك تقول بين الحين والآخر : ( اللهم أجعله خيرا ) .
عندما دخلت غرفتنا لبعض شأني ، لحقت بي عزيزة والخوف يتطاير من بين جنبيها وقالت : ( تنبؤات حبوبة دائما ما تصيب .. إنني خائفة .. لا تذهب هذا المساء للمركز الثقافي وحدك ، سوف أذهب معك . )
بعد الغذاء قال فؤاد مخاطبا الجمع : ( أريد أن أتزوج .. لقد انتظرت بما فيه الكفاية .. ما بين شهر إلى أربعة شهور ، لا بد أن أكون قد تزوجت . يجب أن اختار من اللائى رشحتهن لي عزيزة .طبعا خالدة ما زالت صغيرة السن، إن عمري الآن فوق الأربعين ) . لم يفلح حديث فؤاد عن الزواج في إجلاء الكآبة التي أطلقتها نبوءة حبوبة .ثم دار الحديث في كل اتجاه .تحدثنا عن مأساة سمية، وعن تخوف الإنجليز من التدخل لإيقاف ممارسة الخفاض الفرعوني ، بعد مظاهرات 1945م التي قامت مناهضة لقرار إنجليزي بمحاكمة إحدى الخاتنات .


**


كما ذكرت سابقا ، كانت عزيزة قارئة نهمة، اقتنعت بأسلوب الغذاء النباتي ، الذي قرأت عنه في إحدى المجلات المصرية ، ثم بدأت تطبيقه علينا عدة أسابيع .بعد ذلك بدأنا نخرقه، بتناولنا وجبة سمك بالإضافة إلى الوجبات التقليدية مثل البامية والملوخية المطبوختان باللحم . أما في العشاء فالتزامنا النباتي يكون كاملا ،لأننا لا نتناول إلا الفول والعدس والطعمية ..



**


كنا نضع سريرنا ليلا خلف الغرف ،يفصلنا من الشارع جدار عال طوله أربعة أمتار .كنا مفتونين ببعضنا . كان إعجابي ليس بجمالها فحسب ، بل بعقلها الكبير أيضا . الآن عزيزة في شهورها المتقدمة من الحمل .كانت تأخذ يدي وتضعها على بطنها المنتفخة لأتحسس حركة الجنين . كانت دائما ما تقول لي : ( أريدهما توأمان ، أيٍ كانا ، لا يهم النوع ) وقد أوصت النجار بعمل سرير لطفلين ، أما التمائم و التعويذات فسوف يقوم بها إبراهيم الكناري وقد يحضرها بنفسه كما قال في إحدى خطاباته .
سألتني عزيزة يوما هل ما زلت أحلم بالسفر إلى أوربا أم إنني تركت ذلك جانبا بعد الزواج . ثم قالت : ( إنني أرغب مثلك في زيارة بريطانيا العظمى ، لأرى هؤلاء الإنجليز في بلادهم ) ثم أضافت ضاحكة : ( هل يوجد عندهم شحاذين و تكارين ؟ ) ثم وقفت تقلد شحاذا تكرونيا : ( كولن ..كولن ..باشاكا )وانفجرنا ضاحكين . لقد كنا نعيش في سعادة حقيقية وتزداد سعادتنا كل صباح . بدأت علاقتنا بالحب .واستمر الحب وجاء معه التفاهم وإعجاب كل منا بشخصية الآخر .
لأن عزيزة تملك شخصية إيجابية ، فلقد قامت في صباح اليوم التالي بفتح حساب توفير بمكتب البريد ، أسمته (شهر إجازة في أوربا ) و افتتحته بخمسة جنيهات من مالها الخاص وجنيها مني .

منتصر
07-09-2009, 04:40 PM
(45)



تحقق النبوءة


بعد أقل من أسبوعين توفيت حبيبتي عزيزة وهي تضع مولودها .وكذلك توفي المولود بعد دقائق من موتها التراجيدي. لقد وُضِع الأثنان داخل تابوت واحد . وضع المولود تحت يدها اليسرى ، بينما مدت يديها اليمنى في استقامة بجانبها ، ولكنني عدلتها بأن جعلتها تضع كفها على قلبها كعادتها عندما تكون نائمة بجواري .
لم أكن في المنزل ولا في مكان قريب منه في ذلك اليوم المصيري .كنت في مدينة شندي للإشراف على تركيب مضخة الماء الخاصة بمشروع العمدة . ذهب فؤاد المكلوم إلى الخواجة سجنور بِرّوتا ، ومن هناك أرسل لي برقية يقول فيها : ( أرجع سريعا .. عزيزة في خطر ) .كذلك أرسلت إشارة تليفونية لمكتب المفتش الإنجليزي بشندي . طلب مني العمدة أن أضع ما في يدي وأعود سريعا للخرطوم . أخذت شاحنة الشركة وقدتها بنفسي وبأقصى سرعة صوب الخرطوم . في الطريق كانت تلح على خاطري نبوءة حبوبة ، يا ترى هل تكون عزيزة أحد هؤلاء الأربعة . لا بكاء ولا دموع ولكنني كنت أرتجف أحيانا من الشعور بالبرد تارة ثم يتصبب العرق من جسمي وأشعر بالحر تارة أخرى .واصلت القيادة وأنا غير مبالٍ بما حولي ، حتى العاصفة الترابية التي داهمتني في الطريق لم تجبرني على التوقف .
عندما اقتربت من منزلنا ترامى إلى أذني صوت النواح والنحيب.فلقد امتلأ البيت بالمعزيين ، أُخّر التشييع لحين وصولي . العاصفة الترابية لم يبرح أثرها ناس وسماء أم درمان .فلقد علا الغبار سماء أم درمان وحجب شمسها الملتهبة . علق الغبار برؤوس وملابس أهل أم درمان . كأن الطبيعة في أم درمان حزينة على فراق أجمل من وطأ ترابها .نساء الأسرة والأصدقاء لم يكتفين بالغبار الذي هالته الطبيعة على رؤوسهن ،بل حسون الرماد على رؤوسهن وسائر جسدهن .
جلست على ركبتي قرب التابوت لأنظر لمحبوبتي وطفلي، كان واحدا ليس كما قالت عزيزة . نظرت حولي وقلت بصوتٍ عالٍ للحضور : ( عزيزة قالت توأمين ، أين الثاني ؟) . بكى كثير الحضور ولكني للآن لم تنزل دمعة من عيني . تقدم حسن ومكرم ونصيف لأخذي بعيدا عن الصندوق ، ولكني تسمرت في مكاني ، قائلا : ( لن أبرح ، حتى تسمح لي عزيزة . يجب أن أسمع منها … دعوني أسمع منها . سوف تتكلم الحين .. إنها ليست ميتة !! انظروا إليها ا إنها تبتسم لي ) .ثم صمت لدقيقة والجميع حولي صامتين كأنهم قد قدوا من صخر. ثم صحت بأعى صوتي وبدون دموع : ( عــزييييزة ) . تقدم نحوي نصيف هامسا : ( تصبّر .. هذه إرادة الله ) فصحت فيه : (الله ؟ الله؟ إن له عندي أسئلة كثيرة!!) .
تقدم بعض الرجال وأبعدوني عن النعش ، كأن صبرهم قد نفذ . وتقدم آخرون وحملوا النعش وساروا في سرعة نحو الكنيسة .سرت مع السائرين بين صديقي حسن ونصيف .دقّ جرس الكنيسة إعلانا ببداية القداس وإعلانا بأن عزيزة ستختفي من هذه الدنيا بعد قليل .
كان القسيس الذي سيصلي على عزيزة ، هو نفس القسيس الذي قام على زواجنا مرتين . كان على معرفة تامة بعزيزة .كان دائما ما يقول : ( هذه هي الفتاة العقلانية الوحيدة التي قابلتها وسط الأقباط ). كان لا يكاد يجد صوته ليصلي عليها من فرط التأثر . كان صوته يخرج للناس مبحوحا مهتزا ، وهو يكابد أن ينهي صلاته .( الرب رأي أن يأخذ زهرتنا الصبية، قبل أن تكمل رسالتها الحياتية .. ذهبت عزيزة إلى حياة جديدة سامية … هذه الطاهرة العفيفة تستحق وزنها ذهبا … يا إلهي … يا إلهي ….) لم يستطع إكمال صلاته وخذلاه دموعه وصوته .كنا نقف صامتين ، لا يسمع إلا صوت مروحة الكنيسة تدور في إعياء لتلفح الحاضرين بهواء أم درمان الحار .
عند المقابر ، تقدم النجار ليضع آخر مسمار على نعش الحبيبة الغالية .وذلك كان آخر العهد لعزيزة على سطح الأرض .تقدم أربعة من الأصدقاء ووضعوا الصندوق داخل الحفرة .بعد ذلك شارك الجميع في الدفن ، بأخذ حفنة من التراب بقبضة اليد ورميها في الحفرة قائلين : ( من التراب وإليها ) . لم أشارك أنا ولا حتى أبي أو فؤاد في ذلك ، فقد كنا ننظر صامتين لما يجري حولنا .
عدنا إلى المنزل مشيا لمسافة ميلين وسط كتاحة ( عاصفة ترابية )أم درمان. حتى الآن لم أبك .جلست على البرش ، وحولي أصدقائي المقربين .طلبت من الشيخ عابدين أن يتلو علينا ما تيسر من القرآن الكريم . قد يعجب القارئ من ذلك ، لأننا أقباطاً مسيحيون .ولكن طلبي هذا لم يدهش أحدا من الحاضرين ، لأنهم يعرفون أننا أقباطاً مواليد . استجاب الشيخ عابدين لطلبي . كان صوته يخرج حزينا عميقا ، فرض الصمت على الجميع ، حتى النساء والأطفال في الجزء الآخر من الحوش . جلست وظهري على الحائط، ورأسي بين كفي ، وأنا استمع في خشوع ، والصداع العنيف يكاد يفتك بي. لم يشعر أحد بأنني قد أغمي علي لفترة قصيرة ، عندما عدت لوعيي وجدت أن العرق قد بلل مكان جلوسي على البرش . كانت القهوة السوداء المرة تدار على الحاضرين طوال اليوم . كل القهوة والأسبرين الذين تناولتهما لم يستطيعا أن يكبحا جماح هذا الصداع . أصدقائي المقربين كانوا معي طوال أيام العزاء . معظم أهل الحي كانوا معنا ، يحضرون الشاي والقهوة من منازلهم .المارة عندما يرون خيمة العزاء المنصوبة ، يدخلون ويعزون . كانت مشاعر الجميع صادقة . هؤلاء قومي فأتني بمثلهم .هذا هو التمدن الذي يتشدق به الآخرون .لم يأتي أحدا من معارفنا الإنجليز لتعزيتنا .


**


في فجر اليوم التالي وجدت وردة حبوبة الشول ميتة في سلام على عنقريبها ( سرير شعبي) . صرخت وردة في صوت واهن : ( لقد قالت أربعة ،، من هو الرابع يا ترى ؟ ).
دق جرس الكنيسة مرة أخرى. أخذنا حبوبة للكنيسة ونحن في غاية الإعياء والتعب من أحداث اليوم السابق ( سبق أن ذكر الكاتب أن الحبوبات قد بقين على إسلامهن ، ولم يعطي تفسير هنا لماذا صلي عليها في الكنيسة ودفنت بمقابر النصارى - المترجم - ) صلى عليها نفس القسيس ولكنه الآن قد وجد صوته .دفنا حبوبة بالقرب من قبر عزيزة ودفنت معها حقبة كاملة من تاريخ أسرتنا وتاريخ السودان .في اليوم السابع أُخذت كل متعلقات الراحلتين من ملابس وأحذية وغيرها إلى الكنيسة لتوزع للفقراء .
لعدة أسابيع لم أستطع أن استوعب ما حدث ، كنت أراه كالحلم المخيف ، ولكن سنة الحياة جرت على أن نتجرع الحقيقة ببطء وألم .
بقينا أنا وحبوبة خالدة في ذلك المنزل المشئوم ورفضنا أن نتحرك منه لبيت أيوب أو غيره،مما اضطر والديّ أن يعيشا معنا .
لاحظنا أن حبوبة خالدة أصبحت ثرثارة وقد كانت طوال حياتها قليلة الكلام .أصبحت تحدثنا عن اللورد كتشنر والخليفة عبد الله التعايشي و مكوجي وابنه خالد .وحكت لنا كيف أن حبوبة الشول قد انضمت إليهم . كانت صلواتها الإسلامية لا تتعدى الاثنين في اليوم ، ولكنها الآن صارت تصلي كل الصلوات الخمسة المكتوبة حاضرا . كانت بعد أن تصلي الفجر حاضرا ، توقد نار الجبنة وتعدها ثم تنادي : ( هوي يا عزيزة بنتي … الجبنة جاهزة … هوي يا الشول أختي الجبنة جاهزة … جبنة بكري تعدل الرأس ) . وعندما لم تجد استجابة ، كانت تقول لنفسها : ( هل أصاب القوم صمم ؟ ).كان هذا المشهد يجعل والديَّ يجهشان بالبكاء ، أما أنا فما زالت دموعي عصية . كانت عندما نجتمع حولها ولا تجد عزيزة والشول تقول : ( هل ذهبت عزيزة مع الشول لودمدني لزيارة خالد ؟ لماذا لم تأخذاني معهما ، هل أنا بهذا السوء ؟
كانت منذ حضورها للعيش معنا هي التي تذهب للتسوق من حوانيت الحي ، ولكنها في الآونة الأخيرة صارت تشتري بكميات أكبر من المطلوب ، كان الوالد يردها لأصحاب الحوانيت الذين يقبلونها برحابة صدر ، لأنهم متفهمين لما يحدث .كانت في سيرها بين المنزل إلى السوق تحدث نفسها بصوت عالٍ ، كأنها تتشاجر مع أحد .
كانت نادرا ما تذهب للكنيسة ، ولكنها في أيامها الأخيرة تزور الكنيسة يوميا تقريبا حيث يستقبلها الرهبان بكثير من التعاطف والاحترام .كانت حبوبة امرأة متوسطة في لبسها وزينتها ولكنها في الأيام الأخيرة بدأت تلبس أحسن ثيابها وتتضمخ بالطيب السوداني .وتزور الجيران وتقول لهم : ( إن خالدا آتٍ وأنني أتزين لمقابلته )
كانت بعد كل صلاة فجرٍ ولمدة ثلاثة عشر أسبوعا من يوم مأساتنا ، ترفع يديها للسماء وتدعو ربها أن يأخذها إليه ويريحها من أعباء هذه الحياة .وقد استجاب الله لها وأخذها إليه بعد ظهور الهلال الرابع من يوم رحيل عزيزة .لم تنهض كعادتها لصلاة الفجر وعمل الجبنة .دفنت بقرب الثلاثة الذين أحبتهم وخدمتهم بوفاء.
كانت مأساتنا محور تعاطف و تآزر من الآخرين . كان قسيس كنيسة القديس جورجيوس يأتي لزيارتنا كل يوم من الخرطوم بحري . كان هذا القسيس يمثل لنا رسول السلام وقد عم تأثيره جميع أفراد العائلة . كان يلقي موعظته بعد أو قبل تلاوة الشيخ عابدين .كان يقول في موعظته أن الراحلتين عائشتان لأنهما ما زالتا باقيتين في قلوب أحباءهما . كان ينصحنا بالصلاة ويقول أن الصلاة هي السبيل الوحيد لمواجهة عواصف الحياة .



**


تشاءمنا من البيت فوهبه فؤاد للكنيسة ، التي باعته بدورها إلى أحد مهاجري غرب إفريقيا وحوله إلى نُزُلٍ للحجاج النيجيريين .
لست في حاجة لأقول لكم أن حياتي قد زلزلت وكياني قد اهتز اهتزازا كبيرا . إنني الآن أحتاج لراحة عقلية ، الراحة الجسدية سوف تأتي لاحقا .صادف أن كان الأب تومازينو في زيارة له لأم درمان . سمع بالخبر وجاء للبيت وأخذني من يدي إلى الكنيسة الكاثوليكية . هناك في الكنيسة الخالية جلس الأب إلى الأرغن وأنا بجانبه لنرتل تسبيحة < أبقى معي>


أبقَ معي إن:-
المساء يهبط سريعا.
إن الظلام كثيفا … فأبقَ معي يا رب.
حين يعجز الآخرون … ويعز السلوان.
أبقَ معي
يا معين العاجزين … أبقَ معي.
أحتاج حضورك كل لحظة تمر
كيف بفضلك نتغلب على قوة الإغواء ؟
من مثلك لأوليه قيادة نفسي .. وسط الأنواء والغيوم
أبقَ معي
مع يدك المباركة :-
لا أخاف خصما .
ليس للابتلاء ثقل .
ولا للدموع مرارة .
بحضرتك :-
لا نحس بفداحة الموت ..ونراه نصرا
سوف أبتهج بهذا النصر .. إذا بقيت معي
فأبقَ معي
أحمل صليبك أمام عيني المغمضتين :-
لينير لي نفسي المظلمة.
ويقودني إلى السماء.
في الحياة وفي الموت
فأبقَ معي يا رب

منتصر
07-09-2009, 04:41 PM
(46)




عامي الأخير في وطني
1949م


أن أبقى في السودان فقد أصبح هذا شيئا مستحيلا .إنني الآن في حالة انعدام الوزن ، روحي القلقة لا تهدأ وتجاربي المريرة جعلتني في حالة تفكير وتخطيط مستمرين ، كأنني أود دخول حرب . أصبح السودان بالنسبة لي سجنا لأسباب كثيرة منها مشكلة الجنسية وسوف آتي لهذا لاحقا .أن أسافر فهذا أمر قد قرّ في النفس . ولكن … أين أذهب ؟ أين المال اللازم ؟ كيف أحصل على جواز السفر ؟حتى لو افترضت أن جميع هذه الأمور قد حلت وسافرت إلى بلدٍ بعيد * فما عساي أن أفعل هناك .
للترويح عن نفسي صرت مرتبطا بالحركات السياسية بالبلاد .وهو ما يعني في الحقيقة علاقات هامشية مع بعض النخب السياسية الجديدة. . من زمرة الأحزاب المختلفة اخترت الأحزاب التي في حالة نقار دائم مع الإدارة البريطانية الاستعمارية .بعض هؤلاء أرسلوا للسجون والبعض صودرت صحفهم من الأسواق مما عرضتهم لخسارة كبيرة لدرجة أن المبيعات لا تغطي تكلفة الطباعة والتحرير.كان من مهامي أن أجد لهذه الصحف إعلانات تجارية تخفف من هذه الخسائر . قد نجحت في هذه المهمة إلى حدٍ كبير. اتبعت في ذلك الأسلوب الإنجليزي الذي قرأت عنه ولاحظته خلال عملي بالشركات الإنجليزية . تظاهرت أنني من مؤيدي السياسة الإنجليزية وعملت وكيل إعلانات واستطعت أن أحصل على إعلانات من الشركات الإنجليزية تبلغ قيمتها الثمانمائة جنيها وخصصتها لهذه الصحف المنكوبة .كان دفاعي أمام السلطات الأمنية ، بأنني تصرفت تصرفا مهنيا وخصصت الإعلانات للصحف الأكثر رواجا في السوق السودانية خدمة للصناعة الإنجليزية . لم يفد دفاعي هذا ولم يصدقه أحد ، وأصبح ملفي لديهم مثقلا بكل حركاتي وسكناتي .
كان الوطنيون أمثال السلمابي،عبد الله رجب،أزهري ، وأمين من طليعة السياسيين الجدد في ذلك الوقت . كان كل من يهتم أو ينضم للحركات الوطنية في ذلك الوقت ، يصنف شيوعيا .
استدعيت يوما إلى مركز الشرطة وسألني المتحري :
- هل أنت شيوعي ؟
- شيوعي !! ما هي الشيوعية ؟ وكيف يبدو الشيوعي ويتصرف ؟
- أنت هنا لتجيب لا لتسأل … هل أنت شيوعي ؟
- لو امددتموني بالكتب والمراجع ، فسوف أكون سعيدا لأجب على أسئلة امتحانك ….
ثم قال مغيرا وجهة الحديث :
- كيف تقضي وقتك ؟
- إنني أسعى لكسب عيشي وكذلك أهتم بالشئون الوطنية .أذهب للكنيسة كل صباح تقريبا ، قبل شروق الشمس . استمع لتلاوة القرآن من القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية .في المساء أذهب للمركز الثقافي أو إلى معهد الإدارة لحضور بعض المحاضرات .
كان المتحري هو بابكر الديب الذي يسميه الوطنيون (صوت سيده) .كل الذي ذكرته كان حقيقة ، لقد نجحت في أن أجعل نفسي مشغولا طوال اليوم وجزء" كبيرا من الليل .كنت أقابل فؤاد أو حسن مرة في الأسبوع. وأرتاد السينما مساء كل جمعة .كان خيال عزيزة يطاردني حتى وأنا في السينما . كنت كثيرا ما أتخيلها جالسة جواري تناقشني عن مجريات الفيلم .
كان دخلي عن وظيفتي عند شركة شل بالكاد يكفيني . بدأت شركة شل في تطبيق سياسة جديدة ،تم بموجبها فصلي من وظيفتي ليحل محلي آخر يحمل الجنسية السودانية من الدرجة الأولى ،تطبيقا لقانون الجنسية لعام 1948م . عاد عزيز في هذا العام من مصر، يحمل درجة الليسانس في الحقوق وعضوية الجمعية الحقوقية المصرية .الآن اصبح عزيز مستشاري القانوني المتطوع . إنه الآن عزيز آخر ، ليس عزيز عطبرة الذي نعرفه . شرح لي عزيز وضعي القانوني من حيث المواطنة والجنسية :- ( في مثل حالتك قد تجد القانون لصالحك ،ولكن كل الأمر خاضع لتقديرات السكرتير الإداري ،بعد إيفاء كثير من التعقيدات الإدارية .ليست بالضرورة أن تكون هذه التعقيدات قانونية لأن حكومتنا فوق القانون .) ألم أقل لكم إنه عزيز آخر قد صقله المؤهل والسفر . واصل عزيز حديثه : ( إن الحكومة لا تضع في حسبانها أن شخصا يعتمد في رزقه على راتبه من العمل في الخدمة المدنية أو الشركات التجارية ،أن يتكلف مالا ويقف ندا لها في المحاكم .هل أنت في حالة مادية جيدة تسمح لك بأن تكون أول من يفعل هذا..؟ نصيحتي لك أن تقدم طلبا للحكومة وأنت خاضعا متذللا لكي تمنحك الجنسية من الدرجة الثانية . وحينها سوف تكون محظوظا عندما تكون مواطنا من الدرجة الثانية في وطنك .وحتى هذه للحكومة الحق في سحبها اعتباطا دون إبداء أي سبب .هذه الشهادة سوف تمنحك الحق في العمل مع الشركات الصغيرة مثل شروني و الخواجة بِروتا وليس شركة شل أو الخدمة المدنية .)
لقد أفزعتني هذه الحقائق التي يجب علي أن أواجهها . ماذا عساي أن أفعل وقد صرت أجنبيا في بلدي .الآن تلاشت مشاكلي العديدة أمام مشكلة الجنسية . بالجنسية يمكنني أن أعمل لكي أعيش وأن أحصل على جواز السفر .الآن شعرت بأنني في سجن كبير تبلغ مساحته مليون ميلا مربعا .



**


لو يذكر القارئ إنني كنت أعمل في الصباح مع شركة شل وفي المساء مع الخواجة بِروتا . بعد فصلي من شركة شل ،صرت أعمل مع الخواجة بِروتا في الفترة الصباحية من السابعة صباحا حتى الثانية بعد الظهر .براتب شهريا قدره خمسة وثلاثون جنيها .كان عملي مع بِروتا دون شهادة جنسية ولا حتى تصديق عمل وهو ما يعتبر نوعا من المخاطرة .لقد تقدمت لنيل الجنسية وكذلك فعل الخواجة بِروتا . كلانا مولود في السودان سكن أجدادنا السودان قبل ظهور المهدية ، لكن مشكلتنا إننا لا نستطيع إثبات ذلك . كان الخواجة من أصل إيطالي. قال الخواجة : ( لقد عاملت المهدية أسلافنا بكل شهامة .فأجدادي لم يجبروا على اعتناق الإسلام .) قلت له لأضع النقاط فوق الحروف : ( إن مشكلتنا ليست الوثائق الثبوتية .مشكلتنا الحقيقية هي ديننا ولوننا ) فأجاب الخواجة : ( اللون هو المشكلة الأولى ، أنظر لليمنيين بالرغم من أنهم مسلمين ولكنهم يعانون الأمرين في أمر الجنسية )
كانت الشريحة الوحيدة التي لا تعاني في الحصول على الجنسية السودانية -ومن الدرجة الأولى -هم مهاجرو غرب إفريقيا . فالمهاجر الإفريقي ينال الجنسية بعد اليوم الأول من وصوله .
حررت طلب الحصول على الجنسية وهذا ما يتطلب توقيع ضامنين من الأشخاص المعروفين للسلطات . بناء على نصيحة أحد الأصدقاء ، ذهبت إلى المركز الثقافي وتحصلت على التوقيعين المطلوبين من معارفي الإنجليز .بعد ثلاثة شهور دعيت للمعاينة عند إدارة الجوازات والجنسية هناك طلبوا مني ضامنين آخرين من الأعيان شرط أن يكونا من الحائزين على الجنسية من الدرجة الأولى وقد أوفيت طلبهم خلال أسبوع ولكن لم تعلن سودانيتي إلا بعد ثلاثة شهور . وقد طبعت عليها الملحوظة ( قابلة للسحب دون إبداء الأسباب ) .ثم دخلت في معمعة الحصول على الجواز فحصلت عليه بعد ثلاثة شهور أخرى . أنفقت عاما كاملا للحصول على هذين الوثيقتين وكنت أعد حصولي عليهم نصرا مؤزرا .
ألحت علي أمي أن أنذر كبشا لوليمة القديس جورجيوس ،ليعينني في معاركي مع الحكومة . علق رمسيس قائلا : ( إن أخي لن يذبح نملة ، ألا تعرفون تقتيره ) . كان سعر الخروف في ذلك الوقت حوالي الثلاثة جنيهات . خضوعا لإلحاح أمي وافقت على مضض بدفع هذه الرشوة للقديس ، دون أي ضمانات أن يتحقق الهدف الذي دفعت من أجله .
**
أخذت الترام بصحبة والديَ إلى الخرطوم بحري لزيارة الكنيسة ، وإعلان نذرنا.تبعت والدي داخل الكنيسة وأنا صامت ساكن .حيينا القسيس العجوز وقبلنا يده .مسح القسيس على رأسي وقال مخاطبا أبي : (أنا أقدر حالته .. ما أعظم رحمة الرب .. دعونا نصلي راكعين .) بعد الصلاة عانقني بحنان وقبل وجنتي . انحنيت وقبلت ظاهر يده .ثم وضع كلتي يديه على رأسي قائلا : ( أنا متابع لأخبارك ودائما أصلي من أجلك . هناك حكمة مما يحدث .. وإن الله سيأتي بالفرج في الوقت الذي يختاره هو .إنني أحس أن أزماتك على وشك الانفراج . أذهب في سلام ابني العزيز . أوحي لي القديس جورجيوس ألا تقدم نسكا .الأجدى أن تقدم نفسك كلها لله بدلا من بعض مالك. أذهب في رعاية الله) .



**


في السوق قابلت رمضانة – التي لم أرها منذ زواجي _ ، نظرت في وجهي وقالت بعطف : ( ما بك ..؟ تبدو متعبا ) فقلت لها في إعياء : ( إنني لم أنم منذ ليلتين ..أنا محتاج لثمانية ساعات من النوم المتواصل) . اقترحت علي رمضانة أن أذهب لأرتاح في منزلها ، وسوف تلحق بي بعد الانتهاء من التسوق . في طريقي لبيت رمضانة اشتريت بعض القهوة والشاي والسكر . بعد عودتها أعدت رمضانة إفطارا ، وأكلنا سويا . كانت في غاية اللطف والحنان معي ..بعد الإفطار استغرقت في نوم أنا في شد الحاجة إليه .بعد أن استيقظت أعدت رمضانة مكان الجبنة .عند إعداد الجبنة قالت مواسية : ( هذه إرادة الله .. ما عسى أن يفعل العبد معها ) ثم بعد صمت قليل ، قالت : ( الآن أحكِ لي ما حدث ) قلت بصوت مخنوق : ( كل شيء جرى سريعا … كان حملها في الشهر الثامن وهو ليس بشهر ولادة … تركتها في صحة جيدة .. داهمها المخاض وأنا على أعتاب مدينة شندي ..تدهورت حالتها بسرعة ولم ينفع حضور الدكتور ) .



**



بعد أسبوعين من زيارتي الكنيسة ، أبلغت بأنه قد تم قبولي بأحد مدارس اللاهوت بفرنسا .كانت مصاريف السفر على حسابي ،ولكن المصاريف الدراسية والإعاشة فستغطي من الأعمال التي سوف أقوم بها في المعهد مثل : النظافة والزراعة وتنسيق الحديقة . وسوف أمنح خمسة شلنات أسبوعيا لشراء الصابون وطوابع البريد. وكان علي أن أوقع على التعهد بأنني إذا سلكت سلوكا يتناقض مع رسالة المعهد الدينية ، سوف أعاد إلى بلدي .
أصاب القلق والدي ، كأنهم قد فوجئوا بنية سفري ، يبدو أنهما لم يكونان يحملاني محمل الجد خلال الستة عشر شهرا الأخيرة .
جميع أخواني الآن يعملون . الآن يمكنني السفر وأنا مرتاح البال من ناحية حياة أسرتي ، التي لم يبرح موضوع رفاهيتها ذهني للحظة طوال حياتي .

منتصر
07-09-2009, 04:42 PM
(47)



الرحلة إلى أوربا


كان ذلك في أول أكتوبر من عام 1949م . كان فؤاد في صحبتي طيلة الأسبوع الأخير السابق لسفري .إنه مازال أعزبا، كما أنني لم أتزوج ثانية .بصحبة عزيز قمت بزيارة ما كان يعرف ببيتنا أنا وعزيزة . تعاطف معي المالك الجديد ، وقال لي أن البيت بيتك وإذا رغبت في غرفة فإنه على استعداد . شكرته وأخبرته بأنني سوف أغادر البلاد نهائيا . من هناك ذهبت إلى المقابر لألقي نظرة أخيرة على مثوى حبيبتي ..
عدت إلى منزلنا في الخرطوم ثلاثة لأنام ليلتي الأخيرة على سريري وسط الحوش . ما أصعب الشعور بالمفارقة والخوف من حياة جديدة لا أعرف كنهها ، لكنني لن أنكص من السفر .. ماذا أفعل ببلد رحلت عنه عزيزة .


**


الآن حان وقت السفر . وردة كادت أن تموت من البكاء ، وكذلك فعلن أخواتي وبعض نساء الجيران . وضعت حقيبتي الوحيدة على ظهر حمار ،وتبعناها راجلين متوجهين نحو محطة السكة حديد ، تغوص أرجلنا في الرمال الفاصلة بين حينا والحي السكني لموظفي السكة حديد . كان معي أبي وأخواني وفؤاد وعزيز . كنا نتبع الحمار في صمت كأننا نتبع نعشا . عند محطة الخرطوم كان في انتظاري لفيف من الأصدقاء جاءوا لوداعي . أخذني عزيز جانبا وقال لي وهو لا يكاد يسيطر على مشاعره : (سوف افتقدك كثيرا .. الله معك ..كن رجلا كما عهدناك .. قاتل بشراسة حتى تحقق هدفك .. اجعل هدفك المؤهل الجامعي في الإحصاء أو الاقتصاد … هل تذكر عندما كنت معي على رصيف محطة عطبرة … لم يخطر على بالي بأنني سوف أفعلها يوما من الأيام ولكنك شجعتني وشددت من أزري … هذه البلاد سوف تؤول للأسوأ بعد الاستقلال … لا تعد إلا بعد تحقيق هدفك وإذا فشلت فلا تعد ، أبقَ هناك ).
عندما تبقت ثلاثة دقائق من موعد القطار،وجدت نفسي أنتقل من حضن لحضن في وداع حار من الأصدقاء. عندما جاء دور والدي لاحظت أنه يرتجف من الانفعال ، قال لي والعبرة تخنقه : ( شد حيلك .. ستترك فراغا كبيرا وسطنا .. لا أريدك أن تكون قسيسا .. يمكنك أن تخدم الله بوسائل أخرى.)
عند سلم القطار سلمني فؤاد مظروفا مكتوب عليه ( لا يفتح إلا في أوربا ) .قفزت إلى سلم القطار عندما بدأ يتحرك ورفع الجميع أيديهم مودعين وقد رأيت الدموع تغطي مآقي بعضهم ،ولكنني لم أبك .ظللت واقفا على الشباك وأنا أكاد التهم عاصمتنا بعيني في نظرة وداع . هل يا ترى سأعود لوطني ؟ كان يبدو علي القلق والعصبية والخوف ، وأحيانا يطغى علي الشعور بالفرح ، لأنني أفلت من السجن .
بعد منتصف الليل وصل القطار إلى محطة عطبرة .انتهزت هذه السانحة وهرولت لأزور منزلنا السابق .. منزل الذكريات .. إنني أحب هذا المنزل الذي شهد طفولتي ، مراهقتي وجزء من شبابي .في عطبرة ترامت الذكريات إلى وعيي كالإعصار :- المدرسة الكاثوليكية ، مدرسة الأقباط ، بيت القزاز ، نورا ، أمينة ، ممارسة الحب في الغابة الجديدة ،عشش فلاتة ،فاطمة والدرس الأول عن حقائق الحياة ، التمساح ، إبراهيم الكناري ،الجراد ، علي والأجاويد ، عملي في المخبز الإفرنجي،الافتتان بكرة القدم، الأب تومازينو وحيواناته ، الحي الإنجليزي ، عصابة الخنازير ، السرير المسروق ، مستر كومنز ، مستر جولدبيرج وأمشي برة ،جون ووكر ، الشيخ غيث ، نجيب أفندي و … و… و.
عدت راجعا ألى المحطة وطليت على مكتب الحجز الذي كان يعمل به والدي أيوب أفندي لمدة ثمانية عشرة ساعة في اليوم . عدت إلى عربة القطار واستلقيت على مقعدي ، ولم استيقظ إلا بعد الظهر في محطة نمرة ستة ، وهي محطة خلوية في صحراء العتمور ، بين أبو حمد ووادي حلفا .نزلت من القطار وسرت على الرمل الصحراوي الملتهب . قصدت امرأة تبيع الشاي .اشتريت كوبا من الشاي وجلست قربها لأشربه .نظرت للعجوز لأتبادل معها الحديث ، يا إلهي !! إنها تشبه حبوبة الشول .. لا بل حبوبة خالدة .
في الوقت المحدد وصلنا إلى ميناء وادي حلفا . انتقلنا من القطار إلى الباخرة النيلية الأنيقة . في الباخرة كنت وحدي في مقصورة الدرجة الثانية ، لأن عدد الركاب كان قليلا ، كما أن الكمساري كان زميلا لوالدي و قد تعمد أن يجعلني في غرفة لوحدي إكراما لصداقة الوالد .بعد وصولنا الشلال ، أخذنا القطار المصري المتوجه للقاهرة .



**



[]

منتصر
07-09-2009, 04:42 PM
في الشلال ،قطع حبل تفكيري صوت صراخ واستغاثة .لقد هشم أحد الشباب زجاجة في رأس زميله فاندفع الدم من رأسه كالنافورة ، وما لبث أن فارق الحياة . تعاركت أم الضحية مع الجاني قليلا ، وعندما أحست بعجزها وضعفها ، صرخت مستغيثة .تملكني الأسى والعجب عندما علمت أن العراك كان بسبب الخلاف حول قرش واحد !
توقف القطار قليلا في مدينة أسوان ثم واصل مسيره وسط مئات من القرى . الأزقة مزدحمة بأطفال حفاة نصف عراة ، حالة الفقر والمسغبة يمكن أن تلاحظها من شباك القطار .
توقف القطار وقفة اهتزت لها القلوب والحقائب .. ماذا حدث ؟ هرس القطار طفلا وحماره تحت عجلاته !! الأطفال هنا معرضون للموت بكل الوسائل :- الملاريا ، التيفويد وأضف لها عجلات القطار .الذي يتبعونه لتسول الخبز .
إن مصر ليست القاهرة أو الإسكندرية ولا عواصم المحافظات . كما إنها ليست الأهرامات ، أبو الهول ووادي الملوك .إن مصر الحقيقية هي مجموع الأربعة آلاف قرية التي يسكنها ثلثي المصريون وكانت ترفد باقي القطر بـ 50% من احتياجاته من الغذاء وانخفضت هذه النسبة إلى 30% في عام 1986م . على طول ضفتي النيل ترى الفلاحين مع حيواناتهم الضعيفة كأنهم من العهد التوراتي .يرفدون باقي مصر بالطعام ويجدون صعوبة في الحصول عليه لأنفسهم . تجد الفلاح وزوجته ،مع أحد أبنائه وحمارهم ،يعملون في حقول أصحاب الأرض لمدة أثني عشر ساعة ،تحت الشمس مقابل جنيها واحدا .بحساب بسيط نجد أن أجرة العامل الزراعي في المملكة المصرية لا تتجاوز الستة شلنات في اليوم ، مستبعدين في ذلك تكلفة الحمار الذي يركبونه من مناطقهم النائية للوصول للحقل .أليس في هذا ما يحير الشيطان ؟


**



قررت النزول في محطة إسنا لزيارة الأهل .كانت زيارتي الأولي قد مضى عليها حوالي عشرون عاما .نفس إسناء القديمة . لا جديد يستحق الذكر .فوجئ الأهل بزيارتي الغير متوقعة . كان استقبالهم حميميا . بالرغم من فقرهم ، فقد اجتهدوا وأعدوا لي إفطارا سريعا .وبعد ساعة من وصولي أعطيت لكل فرد منهم مبلغ خمسة جنيهات.
تبدأ الحياة في إسناء مع أذان الفجر ، لذلك لا مجال للمتعطل أو المتكاسل أن يواصل نومه إلى شروق الشمس. صحوت من نومي عندما صحت البلدة .بعد ساعة من استيقاظي أخذت أتجول في شوارع وأزقة البلدة .وبينما أنا في سيري وتجوالي ، سمعت صوت شيخا عجوزا يحييني :
- صباح الخير يا ابني … أرجو أن تصلي من أجلي ، لأجد رزقا في هذا اليوم … ما يفعله الرب فينا هو فوق طاقتنا .
- الله المعين
- هل تشتري مني دمورا ؟ فقط شلنا واحدا للقطعة … لم أستطع أن أبيع شيئا منذ أسبوعا ‍‍!!
استجبت لدعوته ودخلت معه منزله ، أو بالأحرى غرفته ، لأنه يسكن مع أسرته في منزل مكون من غرفة واحدة .في أحد أركانها ترقد زوجته المريضة ، في الركن الآخر أطفاله الأربعة .أكبرهم بنتا ذات عشرة سنوات ، غير قادرة على الحركة ، بسبب الضرب الذي تعرضت له من أحد أصحاب الحوانيت ، لأن الجوع والطفولة حرضاها أن تسرق طعاما من حانوته . في وسط الغرفة وضع نوله الذي ينسج عليه الدمور . وضع العجوز يده على النول وقال كأنه يعاتبه : ( أثني عشر ساعة عمل في اليوم ، مقابل قرشا في الساعة ، فأين تكلفة القطن .إلى أين تقودنا هذه الحياة ؟ ) صمت برهة ثم قال وهو يغالب دموعه : ( أي حرية هذه التي يتكلمون عنها.ليت زمن العبودية والرق يعود . إن صاحب الرقيق يعتني برقيقه ، فمن يعتني بنا نحن ؟)
لم أستطع أن أتحمل أكثر من ذلك .دفعت له خمسة شلنات وتركت له القماش في مكانه . هرولت نحو منزل أهلي وخطواتي تتعثر في القهر والأسى الذين ملآ نفسي .


**



بعد قضاء ثلاثة أيام في إسنا ، أخذني القطار إلى محطة باب الحديد بالقاهرة .لقد غمرتني الفرحة عندما رأيت صديقي أحمد بيه في استقبالي على رصيف المحطة .طلب مني أحمد أن أبقى معهم ليومين ليذهب معي إلى الإسكندرية. ثم قال لي معزيا : ( حزنت كثيرا لأخبارك ،ولكن هذه إرادة الله . سوف آخذ أخبارك وأخبار فؤاد فيما بعد . الآن دعنا نذهب لنعود عمك ديمتري المصاب بالأنفلونزا .)
في عام 1949م كانت القاهرة مدينة جميلة ،هادئة ،سبل المواصلات متوفرة وحركة المرور منسابة .أخذت حقيبتي الوحيدة ، ومعها صندوقا مليئا بالبسكويت الصلب من صنع أمي وردة . بعد ساعة من وصولي كنا في العباسية مع عمي ديمتري .أحاطني عمي بحنانه الذي عهد به وقال مواسيا : ( أنا حزين يا أبني لكل ما حدث لك ، والآن زدتني حزنا برغبتك أن تكون قسيسا . يا أبني نحن محتاجون للعلماء والفنيين .رجائي أن تجتهد لتحصل على تخصص آخر مع دراستك اللاهوت ، إن كثيرا من القسيسين في أوربا يحملون مؤهلات عليا إضافة لمؤهلهم الديني )
حكيت لهم عن تجربتي في الشلال و إسنا . كعادته فتح أستاذي أحمد بيه مداخلة بليغة : ( لقد عُلّمنا أن حياتنا لا تتوقف على الكسب المادي فحسب ،بل الجدير بالتقدير هو السمو الروحي.وأن وجودنا الدنيوي لا يعدو المرحلة الانتقالية لخطوة أهم .قانون المادة لوحده لا يستطيع تفسير وجودنا وتوجيهه . قانون الطبيعة وعلم وظائف الأعضاء وغيرها من العلوم التجريبية لا تظهران الطريقة التي يتدخل بها الخالق لتوجيه حياة كل فرد منا بصورة مستمرة ليمنحنا أسباب الحياة ،وتخليه عند ذلك يعني الموت )
كنت أنصت له باهتمام ، لقد عادت أيام زمان الرائعة ، التي كان يأسرني فيها صديقي وأستاذي أحمد بعلمه الغزير وأفكاره المرتبة .لاحظ عم ديمتري اهتمامي فقال لمزيد من الشرح : ( ما يعنيه هو أن فكرة الخير والشر تعرضت لمهازل عبر عدة قرون ، فقد استبدلت بالسياسة أو الوضع الطبقي ذو القيمة المؤقتة .ليس من السهل أن نقول أن الشر قد سكن قلب الإنسان قبل أن يسكن النظام السياسي . لذلك لا يعتبر التنازل اليومي المتعايش مع الشر أمرا معيبا )


**


في اليوم التالي اصطحبني أحمد لزيارة الأهرامات .لأنني سوف أدرس اللاهوت فقد قصد أحمد أن يكلمني عن الفراعنة وإيمانهم بخلود الروح . من أجل الروح الخالدة والبعث فقد بنيت هذه الصروح البديعة .


**


كان ذلك في منتصف أكتوبر من عام 1949م ، عندما سحبت السفينة حبالها من الساحل الإفريقي ، مثلما يُسحَب الحبل السري للجنين ليبدأ حياة جديدة خارج رحم أمه .الآن لا مجال للنكوص . كنت قد قررت سلفا أن أذهب الشوط لآخره . مازالت نصيحة عزيز ترن في أذني ( إذا لم تحقق هدفك ، فلا تعد ، أبقَ هناك ) . استطاع البحر والسفينة الضخمة أن يشغلاني قليلا عن أفكاري . هذه أول مرة أرى فيها البحر وأركب سفينة بهذا الحجم . اختفي الساحل الإفريقي من الأنظار ولكنه بقي في قلبي وعقلي وشراييني وروحي . أختفي وتركنا نعوم في زرقة من الألوان عندما تعانق زرقة البحر زرقة السماء عند خط الأفق الذي تخاله يبعد أمتارا قليلة عنك .

**

جلست في حالة يبدو أنها تثير الشفقة ، لأن شخصا ما تقدم نحوي وقدم لي كأسا من البراندي ، قائلا بابتسامة مشجعة : ( هذا سوف يفيدك ) . نظرت إليه باستغراب قائلا لنفسي : كيف لأوربي غريب أن يكون بهذا العطف ؟ قلت له بعد صمت قصير :
- أشكرك … ولكنني لا أستطيع رده .
- أنت في حلٍ من أن ترد هذا الكرم … إنك تستحق الصدقة .
- أشكرك وأسأل رب البحر أن يبقيك زخرا للمساكين .
قلت لنفسي : ( يبدو أن بؤسي قد بلغ مدى ،جعلني أستحق الصدقة مثل أي شحاذ تكروني ) .
بث هذا الشراب الدفء إلى عروقي ونفسي .قمت بعملية حسابية سريعة ، لأنني محتاج لكأسين على الأقل من هذا المشروب المنعش طوال أيام الرحلة الثمانية .إنني في حالة مادية بائسة .لأنني أملك نفسا جبلت على التضحية ، فقد تركت معظم ما أملك من مال لأهلي .يبدو أن حالتي تبدو بائسة من البرد ودوار البحر ، فقد نصحني أحد البحارة الإغريق بأن آكل الزيتون والفلفل الحار المخلل حتى أشعر بالدفء .


**


كان خط سير السفينة يمر بميناء بيريوس في اليونان ثم جنوه في إيطاليا وتنتهي في مرسيليا . كنت عندما أنزل البر في هذه الموانئ ، تتحسن حالتي وأستطيع أن آكل .أكثر المواضع التي أثارت اهتمامي في هذه الموانئ هي مقابر جنوه الفخمة وقد علمت أن الأغنياء والشخصيات الإيطالية المهمة تدفن هنا .

منتصر
07-09-2009, 04:44 PM
(49)



مقتل نعيمة ووالديها


الآن جاءت ذكريات عزيزة إلى مقدمة ذاكرتي بقوة ، بعد أن توارت إلى الخلف إلى حين .فقد نجحت في إشغال نفسي طوال اليوم هربا من هذه الذكريات .كانت عزيزة تشاركني الرغبة في زيارة أوربا .وبدأت مشروعا للتوفير من أجل تحقيق ذلك .قد ساعدها في ذلك طبيعتي المائلة للتقتير والاقتصاد .كان لها أسلوبها الفلسفي في الاقتصاد . كانت تقول لي : ( تخيل أن دخلك أقل بعشرة جنيهات من دخلك الحقيقي ، ووفر هذه العشرة .) قادتني ذكرى عزيزة أن أتذكر فؤاد ومظروفه الذي سلمني إياه عند وداعه لي بمحطة السكة حديد.أخرجت المظروف وفتحته بحرص .وجدت داخله مبلغ عشرين جنيها ، ووريقة من فؤاد مكتوبا عليها : (هذا ما وفرته محبوبتنا بغرض السفر إلى أوربا ، فاصرفه أنت لتسعد روحها )
في أثناء جلوسي على رصيف المحطة ، خطر لي أن أزور إحدى العائلات التي تعرفت عليهما في زياراتي لعائلة فرانكويز - مسيو ومدام هورست -. بالفعل قمت بالزيارة ، ووجدت منهما كل الترحيب .عرفت منهما أنهما بصدد زيارة ابنتهما في ليبزج وطلبا مني أن أرافقهما .مسيو هورست يهودي ألماني ، أما مدام هورست فهي فرنسية .حكيا لي عن تجاربهما أثناء الحرب العالمية الثانية .كنت أستمع باهتمام . عندما سألته عن اليهود الأوربيين وما عانوه في هذه الحرب ، رد بحدة : ( اليهود … اليهود .. لماذا دائما السؤال عن اليهود ؟ الكل عانى في هذه الحرب .هل الآخرين أقل شأنا من اليهود ؟ أنا يهودي ولكن لن ألوث نفسي بهذه الدعايات الباطلة )
وجبة الغذاء كانت عبارة عن سندوتشات .فقد كان هذان الزوجين يعيشان حياة مقتصدة .كانا عضويين في الحركة الوجودية الفرنسية . أخذاني إلى الحي اللاتيني قرب جامعة السوربون ،لأرى وأسمع لأول مرة بأن هناك يهودا مناصرين للحق الفلسطيني ، ويعارضون قيام دولة الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية .كانوا يعتقدون أن قيام هذا الكيان قد جلب الكراهية لليهود في أنحاء العالم .ويعتقد بعضهم أن قيام هذا الكيان حعل الفلسطينيين مثل الهنود الحمر في أمريكا وسكان أستراليا الأصليين .
ما يثبت صحة هذه التقارير أن والدي نعيمة قد قتلا عام 1949م ،بيد مهاجر يهودي من بولندا . كانت هذه العصابة بقيادة إسحاق شامير ، الذي أصبح رئيسا لوزراء هذا الكيان عام 1985م .
في مارس عام 1950م وقبل أن أفيق من هذه الصدمة ، وصلتني أخبار ،بأن نعيمة قد تلقت نفس المصير في حيفا .كانت قد ذهبت هناك لتتقصى عن مقتل والديها وتحصر تركتهما .فكان القدر والعصابة متربصين لها هناك . كدت أجن من الصدمة والحزن.هذا الحزن أسلمني لسلسلة من الجدل والنقاش داخل مجتمع المعهد اللاهوتي . حتى عدني بعضهم من المنكرين .تسبب هذا مع أشياء أخرى بقطع منحتي الدراسية .
استمر مسيو هورست في سرده لظروف الحرب التي عاشها . شجعه على ذلك الاهتمام والإنصات اللذان وجدهما مني .سألته :هل أعيد بناء فرنسا بعد الحرب ؟ كانت إجابته بأن فرنسا وإيطاليا لم تدمرا فقد سلمهما الرخ سالمتين .


**


كان هذان الزوجين المقتصدين كريمين معي لأبعد الحدود .اشتريت تذكرة طلاب مخفضة كلفتني اثني عشر جنيها .في القطار حدثني هورست عن الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت أوربا بين عامي 1920 و 1939م وتكلم عن احتمال قيام الوحدة الأوربية الاقتصادية والشركات المتعددة الجنسيات .
عند الحدود الفرنسية الألمانية سألني ضابط الجوازات الألماني بدهشة : ( زودان !! أين يقع زودان ؟ ) – يقصد سودان – أجبته : ( مستعمرة بريطانيا في إفريقيا … بالقرب من مصر ) هز رأسه وختم على جوازي ختم الدخول _ كارلسيه 1-أغسطس 1950 – وبذلك دخلت ألمانيا بسهولة ، كما يدخل مهاجر غرب إفريقيا السودان ومصر . كان السبب كما شرح لي مسيو هورست فيما بعد : ( إنهم في حاجة للعمالة الأجنبية . إذا رغبت ، يمكنك البقاء هنا طوال حياتك ) .
غادرنا القطار في هذه النقطة الحدودية .نزلنا في فندق بمقابل ستة شلنات للفرد الواحد لليلة الواحدة مع الإفطار.في اليوم التالي أخذنا القطار إلى هيدبيرج وفي اليوم السادس أخذنا قطارا آخر إلى كاسل .مكنني القطار الأخير من من التفرج على كل المدن والقرى الألمانية التي مررنا بها ، لأن القطار كان يتوقف في كل المحطات . في اليوم التالي من وصولنا كاسل ، أخذنا القطار إلى ألمانيا الشرقية .كان هذا القطار يتكون من عربتين فقط وعدد ركابه يتجاوز العشرة بقليل ، منهم ستة من المجندات السوفيتيات . كنت كلما أبرز جواز سفري لمسئولي الهجرة يندهشون من هويتي ، يبدو أنني أول سوداني يمر بهذه الأماكن . كنت فرحا ومتعجبا من الطريقة السهلة التي أدخل بها كل الأقطار الأوربية .في ألمانيا الشرقية رأيت المجندين والمجندات السوفيت يعملون في إعادة البناء .كانت آثار الحرب تفصح عن نفسها في كل ألمانيا .وخاصة ألمانيا الشرقية .كما لاحظت أيضا النشاط في إعادة البناء في كل من ألمانيا الغربية ، هولندا وبلجيكا . مستغلين في ذلك العمالة التركية والشمال إفريقية .كان كل هذا النشاط يندرج تحت مشروع مارشال لإعادة البناء ومحو آثار الحرب في أوربا الغربية . لقد رفض استالين هذا المشروع ، حتى لا يكون مدعاة لتدخل الرأسمالية الأمريكية في شئون بلاده ، كما أخبرني هورست بذلك .في ليبزج أخذني الزوجان إلى الكاتدرائية .هناك أخبرني القسيس بأن هجوم الحلفاء قد دمر كل المدينة وبقي هذا المبنى قائما ليحكي عن معجزة إلهية. ثم أضاف : ( هنا كتب باخ أروع أعماله.) سألته : ( من باخ هذا ؟) ولكنني لم أحصل على إجابة لصعوبة أن يتحدث المرء عن باخ وتأثيره في الثقافة الأوربية ، في وقفة واحدة .لجأ القسيس لأقصر الطرق ليعرفني على باخ : طلب من عازف الأرغن أن بعزف لي أحد مقطوعاته . من يومها فقد اهتممت بباخ وآثاره الموسيقية .


**


الآن أصبحت وحيدا .فقد أنهى مرافقي رحلتهما في ليبزج كما هو مخطط من قبل . صدق من قال أن الصديق الحق من تجده وقت الضيق .لا يستطيع أحد أن يقدر رفقة السفر إلا بعد أن يفتقدها .أعطاني مسيو هورست خطابات تعريف لبعض معارفه وأصدقائه في كل من برلين ، درسدن ، هامبرج وأوستند .شكرتهم ووعدتهم بالمراسلة .
تقع درسدن على بعد مائة ميل جنوبي برلين.كانت قد دمرت تدميرا كاملا بواسطة القاذفات الأمريكية البريطانية ، طوال الأربعة وعشرون ساعة خلال يومي الثالث والرابع عشر من شهر فبراير من عام 1945م . أختيرت من قبل القوات المعادية لتكون نموذجا للتدمير الكامل للمدن الألمانية حتى يروع الألمان بنقل الحرب إلى مدنهم .وقد كان الدمار بدرجة أصبح يطلق عليها هيروشيما الأوربية.تقول تقارير بعض المؤرخين أن القوات الأنجلو-أمريكية قد تعمدت تدمير المدن بالرغم من أن هتلر قد نادى بالتسليم منذ عام 1944م ، ولكن مناداته وقعت على آذان صماء . تم قبول هذا التسليم غير المشروط في السابع من مايو عام 1945م بعد الانتهاء من خطة التدمير

منتصر
07-09-2009, 04:45 PM
(50)



قسمـة



من اوستند قطعت الباخرة القنال الإنجليزي الهادئ . وقفت على الحاجز ، أراقب الجرف الأبيض لمدينة دوفر، الذي يقترب رويدا…رويدا . أنظر لبريطانيا العظمى وأقول لنفسي ، أرض صغيرة حكمت معظم العالم بمن فيهم أنا و قومي.أنظر للشعب البريطاني وكأني أراهم لأول مرة .أقارن بين هؤلاء والإداريين المستعمرين في بلادي.
وقفت أمام ضابط الجوازات الإنجليزي. كان شكله مرعبا وخاصة عينيه الصغيرتين وحاجبيه الكثين المتنافرين .
كان له شارب يشبه شارب كتشنر .على العموم فقد كان مظهره فظا .فتح جواز سفري ونظر إلى قائلا : ( اليوم هو عيد ميلادك الثاني وثلاثون.). نظرت إليه بمشاعر فاترة ، ليس من عاداتنا أن نحتفي بيوم الميلاد. قلب في دفتر كبير أمامه ثم ختم (دوفر الثاني من سبتمبر 1950م) ثم أعاد الجواز.
أخذت جوازي وحقيبتي وتبعت الركاب صوب القطار .قبل الوصول للقطار أوقفني أحد ضباط الجمارك متسائلا عما إذا كان قد سبق لي المرور بأوربا الشرقية . عندما أجبت بالإيجاب ، اصطحبني إلى إحدى الغرف ، حيث قام بتفتيشي تفتيشا دقيقا . ابتداء من ملابسي وانتهاء بحقيبتي وأوراقي.لا أدرِ من أين أتتني حبال الصبر التي مددتها طوال ساعة التفتيش وجزء آخر من الساعة لإكمال لبسي وترتيب حقيبتي .لقد غضبت من هذا الفعل كما غضبت من قبل من تصرف جولدبيرج مفتش عطبرة.ولكن في كلتا الحالتين كان غضبي سلبيا .هذا هو الجانب القبيح من بريطانيا .إذا حدث هذا في السودان كان سيكون لي موقفا آخر، لأننا نعتبر هذا من الأمور التي تمس الشرف والكرامة.
وقفت على الرصيف أنظر للقطار الذي يشع نظافة . هناك درجتان للركاب : أولى وثالثة ، ولا توجد درجة ثانية . أخذت مكاني بين ركاب الدرجة الثالثة . صفر القطار صفارة التحرك المعروفة ،تحرك قلبي هلعا من هذه التجربة .( القطارات في أوربا تسير سريعا)قلت سرا وأنا أتذكر نفسي صبيا يافعا ،أنطط بين عربات القطارات في مدينة عطبرة. الشمس هنا تسطع في هذا الشهر ولكنها شمسا لطيفة لا تحس بلسعة أشعتها كما في بلدي. كل الأرض خضراء وعلى مد البصر لا ترَ غير الخضرة .هل كنت أحلم بكل هذا الجمال .الركاب يبدون مثل الصم البكم ، عكسنا تماما .في السودان نعقد الأحاديث الطويلة . الإجابات القصيرة الحاسمة تعتبر سلوكا فظا .

منتصر
07-09-2009, 04:46 PM
في تمام الساعة الثالثة ظهرا وصل القطار محطة فكتوريا بلندن نزل الركاب فنزلت معهم .لمحت مقعدا خشبيا، فاتجهت إليه .جلست عليه واضعا حقيبتي بين رجلي .( أنا في إنجلترا … أنا في بريطانيا العظمى … هل هذا خيال) . همست لنفسي وأنا جالسا أتفرج على آلاف الناس ، يصعدون ويهبطون .كان الجميع في عجلة من أمرهم .لا تسمع غير نقرات خطواتهم على البلاط النظيف اللامع . ما أكبر الفرق بين هذه المحطة ومحطتي الخرطوم و عطبرة في السودان ومحطة باب الحديد في مصر .محطاتنا تشهد ركابا أقل وضجيجا أعلى .الكل يصرخ .. الكل ينادي على زميله بصوت عالٍ ، حتى في أحاديثنا الودية فإننا نتكلم بصوت عال كأنك تحادث أصما .في السودان ومصر نسمي الإنجليزي أبا الهول لقلة كلامه .كنا نعد تصرفهم هذا تحقيرا من الحكام للمحكومين .
رأيت رجلا ينظف المكان . من يصدق !! إنجليزي يحمل مكنسة … إنجليزي عامل بسيط !!! نظرت إليه كأنه شخصا آتٍ من كوكب آخر .عندما وصل لمكاني وقفت له تأدبا ، كما اعتدنا أن نقف لحكامنا .( عفوا سيدي ) قالها ووقعت في أذني موقعا غريبا . وقفت في مكاني كالأبله .قام بتنظيف المكان الذي لا يحتاج لتنظيف وأبتعد مواصلا عمله.عيناي تتبعه وأنا أقول في نفسي : ( هل حقا قال لي يا سيد ؟)
ذهبت لأستبدل نقودي . سألني الصراف : ( هل هذا كل ما تود استبداله ؟) . له كل الحق في هذا السؤال ، فقد كان المبلغ المقابل : ثلاثة شلنات وثمانية قروش .بالحق كان هذا كل ما معي ، إضافة للأمل المرتجى من أن أتمكن من استرداد قيمة تذكرة العودة .
زحف علي الزمن وأنا جالس في مكاني . إنها الآن التاسعة مساء . لم آكل أو أشرب شيئا منذ الأمس لكنني لم أشعر بالجوع والعطش . كنت أقول لنفسي : إن إيجاد الأكل والشرب يكون بعد إيجاد السكن .
جلس بقربي رجلان ، يبدو عليهما السكر الشديد ويحمل كلاهما زجاجة خمر في يده . دعواني للشراب ، فاعتذرت . جلسا قليلا ثم غادرا بخطوات متعثرة من أثر السكر. ثم جاءت فتاة وجلست بقربي . إنها امرأة مقبولة الشكل في حوالي الثلاثين من عمرها.همست لي ( لفترة قصيرة مقابل عشرة شلنات ) .لم أفهم مرادها أول الأمر . قلت : قد تكون شحاذة . نظرت في عينيها ، ففهمت وصعقت !! عاهرة إنجليزية تمارس تجارتها على أرصفة المحطات .. من يصدق هذا .أجبتها : ( آسف … إن كل ما معي ثلاثة شلنات فقط ). نظرت إلي غير مصدقة وابتعدت .
بدأت أشعر بالتعب . بينما أنا أفكر أين يمكنني أن أجد مكانا لأرتاح فيه قليلا ، فإذا بي أرى رجلين وامرأتين يلبسون زيا ، قد رأيته من قبل في أحد الأفلام بالخرطوم . إنه فيلم بربارا العظيمة ، لجورج برنارد شو .كنت قد تفرجت عليه في سينما كلزيوم مع بعض الأصدقاء …يا إلهي .. إنها حقيقة .. إن هناك ما يسمى بجيش الخلاص . تقدم إلي رجل وامرأة من جيش الخلاص وسألاني مباشرة : ( هل لديك مكانا تقضي فيه الليل ؟) وقفت ناهضا وأنا لا أجد ريقا لأبلعه . أردفا السؤال : ( هل لديك ما تأكله ) .إننا نشأنا بأن لا نتقبل الدعوة بمجرد عرضها علينا .قلت كاذبا : (نعم – شكرا لكم).تقبلا اعتذاري وغادرا المكان دون مزيد من الكلام . في بلدنا ، المضيف يعزم على الضيف ويلح عليه حتى يقبل الدعوة . إذا لم يفعل ذلك ، تعتبر الدعوة من قبيل المجاملة وتبادل الود . فليس من المقبول عندنا أن يستجيب الشخص من أول كلمة .لذلك اندهشت من مغادرتهم السريعة ، ليتركاني في الندم لضياع الفرصة .. ذهبا صوب متشرد إنجليزي الذي قفز من أول كلمة قابلا الدعوة.
ذهبت بي أفكاري إلى أهلي . بدأت أحس بالضياع . كبريائي الموروث منعني من تقبل الصدقة . أنا الآن مشرد وأحتاج للمساعدة . عندما وصلت المساعدة إلى تحت قدمي رفضتها .
بدأت الأمطار تهطل والرياح الباردة تنفذ إلى مفاصلي ، جسمي المنهك يرتعش. عندما دقت ساعة المحطة معلنة الثانية عشر منتصف الليل ، كنت جالسا على نفس الكنبة ، أسند رأسي بيدي الباردتين .المحطة الآن شبه خالية . كان هناك شرطي يحوم حول المكان ، فتوجست خيفة منه. توقف في أحد المرات أمامي قائلا :
- لقد بقيت هنا منذ مدة طويلة . أليس كذلك ؟
قلت كاذبا:
- لقد تقدم ميعاد وصولي .. سعادتك.
- يمكنك شراء كوبا من الشاي من بوفيه المحطة مقابل قرشا واحدا … هل تحتاج قرشا ؟
تذكرت بوفيهات قطارات سكك حديد السودان ، المخصصة للإنجليز دون غيرهم .هناك كوب الشاي يكلف شلنا كاملا .
أخبرني الشرطي بأنه كان يؤدي واجبه العسكري بفلسطين .كان يتحدث إلي بطريقة ودية . كنت أستمع إليه وأنا غير مصدق أن كل هذه الحميمية تأتي من شرطي إنجليزي . ذهبنا سويا للبوفيه . طلب لي كوبا من الشاي وكعكة . كان هذا أول شئ آكله منذ أول الأمس . استمر معي في الحديث عن مأساة فلسطين ، معتقدا اعتقادا جازما بأنني فلسطيني . لم أرَ من الضروري أن أصححه. عندما شربت حتى منتصف الكوب ، أخبرني أنه بإمكاني أن أطلب من البائعة إتمام الكوب مجانا .عندما شعر بترددي ، طلب منها ذلك .فجاءت وأتمت الكوب بنفس طيبة .بعد الشاي أخذني إلى استراحة المحطة وقال لي : ( يمكنك أن تنام الليلة هنا ).
في اليوم التالي ابتعت كوبا من الشاي ،عملت بنصيحة الشرطي وحصلت على نصف كوب مجاني . قضيت معظم اليوم أتمشى في المنطقة المحيطة بالمحطة حتى موقع كاتدرائية سان باول .هذه هي لندن !! قلب أعظم إمبراطورية سجلها التاريخ .لكنها من أقذر وأقبح المدن الأوربية والأكثر تلوثا بالدخان .
الآن بدأت أتساءل : ثم ماذا بعد يا صوص ؟ عقلي يرفض فكرة العودة لباريس ومنها للسودان.إنني أفضل الموت على الرجوع للسودان مجرجرا أذيال الخيبة .
رجعت إلى مقعد الأمس .الآن المحطة بدأت تمتلئ بالركاب المغادرين والقادمين . أعمدة الدخان المتصاعدة من القطارات ذكرتني بمدينتي الحبيبة عطبرة . جلست أتسلى بالنظر إلى سيقان الإنجليزيات الممتلئة . المرأة عندنا ممتلئة من أعلى الركبتين والسيقان نحيلة كالعصي . أما هنا .. فيا سبحان الله !. الإنجليزيات هنا أنيقات وجذابات على عكس اللائى نراهن في السودان .
رأيت لوحة إعلانية على أحد المكاتب مكتوبا عليها : ( مطلوب عمال لهيئة السكة حديد ) . تقدمت نحو المكتب . قال لي المسئول : ( هناك شواغر لأربعة حمالين ، سوف نستدعيك بعد أسبوعين.. أترك لنا عنوانك ) كبريائي منعني أن أقول بأنني من غير عنوان . قلت : ( سوف أراجعك بنفسي ) قال لي بعد تردد : (رأيتك تجلس ما يقارب الأربعة وعشرون ساعة على ذلك المقعد . إنك شخص غريب . هل أنت أسباني ؟ قلت نعم ثم أمسكت . قال والشفقة بادية على عينيه : ( تعال بعد يومين لألحقك بالنوبة المسائية)
هذا الأمل قد رفع من روحي المعنوية . فتوارت فكرة الرجوع إلى باريس إلى الأبد .سألت عن إجراءات استرداد تذكرة العودة ، فعلمت أنها تحتاج لأسبوعين وسوف يخصم منها مبلغ خمسة شلنات مقابل الرسوم الإدارية . بمرور الزمن أصبحت مذعورا بأمر السكن . في الساعة الثامنة مساء عادت عاهرة الأمس وجلست بجانبي وسألتني : ( إنك لم تراوح مكانك ؟ لابد أنك من غير مأوى ، أليس كذلك؟ إن هناك الكثير من الوظائف لشخص وسيم مثلك … هل أنت إيطالي …هل تتزوجني !؟) في هذا الأثناء وقف أمامي نفس أعضاء جيش الخلاص : ( هل قضيت الثلاثين ساعة الماضية هنا ؟ يبدو أن مأزقك كبيرا .أين ستقضي الليلة ؟ تعال معنا وسوف نتكلم لاحقا ) أخذت حقيبتي وسرت بينهم تجاه الحافلة المليئة بالدهماء والرعاع .الروائح النتنة تنبعث من الرئات المخمورة والأجسام التي لم ترَ الماء منذ زمن .قلت في نفسي : ( تكارين إنجليز !! أنا تكروني في بلاد الإنجليز .) الفكرة بدأت لي مسلية .. ابتسمت إلى نفسي سخرية من الوضع الذي أنا فيه .أنزلنا في فندق ومنحنا إفطارا مكونا من شايٍ وخبزٍ ومربى . دعاني الخلاصي إلى الحمام قائلا : ( الحمام الدافئ متوفر يا مستر … ) قلت مذكرا : ( اسمي صوص أيوب ) .
الزوجان اللذان انتشلاني من المحطة – مستر ومسز بيرنز –بدأ عليهما الفضول تجاهي ، لذا أخذا وقتا طويلا في توجيه الأسئلة إلي.مما جعل نفسي تنقبض . ولكن تبسطهما معي قد نجح في تهدئتي وأجبت على كل أسئلتهم .( إذن أنت سوداني … لم يسبق لنا أن استضفنا سودانيا هنا . هل ممكن أن تتبعنا ؟) تبعتهم إلى أحد الغرف حيث يجلس شيخ سبعيني وقور إلى طاولة صغيرة . رحب بي الشيخ وطلب مني الجلوس وقدم لي مزيدا من الشاي . ابتدر الشيخ حديثه قائلا :
- أنت لست إنجليزيا ولا حتى فرنسيا ! من أين أتيت ؟
- من السودان يا سيدي .
- السودان !! لقد كنت أعمل هناك لعدة سنوات . هل تعرف أم درمان؟
- نعم سيادتك .. لقد أتيت من المسالمة .. لقد عشت معظم عمري في عطبرة ، ولكنني مولود في ود مدني .
نظر الشيخ إلي في دهشة ، ثم طلب من مسز بيرنز أن تأتيه بكوب من الشاي . أخذ يشرب الشاي ولكنه لم يرفع عينيه الزرقاوين عن وجهي .شرب من الشاي حتى نصفه ثم استأنف حواره :
- قلت لي إنك ولدت في ود مدني السني ، على النيل الأزرق … كم شجرة لالوب أمام منزلكم ؟
- كانت ثلاثة والآن بقيت واحدة .. كيف عرفت هذا ؟
- وماذا جاء بك إلى بريطانيا العظمى ؟
- أرغب في أن أكمل دراستي الثانوية ، ثم التحق بالجامعة لأحصل على شهادة في الاقتصاد أو الإحصاء .
- ألم ترغب من قبل أن تكون مهندسا ميكانيكيا ؟
- نعم سيدي ، وما زلت أرغب في ذلك ، ولكن كيف عرفت ذلك ؟
- كم من النقود معك ؟
- ثلاثة شلنات نقدا ، ولكن استرداد قيمة تذكرة العودة قد يجلب لي جنيهان أو ثلاثة .
- ما اسمك ؟
- صوص … صوص أيوب .
- اسم والدك أيوب .. هل كان يعمل بهيئة السكة حديد ؟
- نعم صحيح .
- وأمك وردة بنت خالد مكوجي ..
كان يقودني في أسئلته كأنني منوما مغنطيسيا ، ولم تترك لي أسئلته وقتا لأندهش .ولكن عند وصوله هذا الحد اتسعت الدهشة ، وصرت انظر إليه باستغراب شديد .كان الرجل ينظر إلى وجهي كأنه يقيس كل بوصة فيه . تذكرت بأنني لم أجب على سؤاله الأخير ، فقلت بحلق جاف :
- نعم ..
- هل خالاك لبيب وجاد الرب ما زالا على قيد الحياة ؟
- نعم
أخذ الشيخ يدي بكلتي يديه قائلا :
- أنا القس هورن .. لقد زوجت أمك وردة لأيوب في كنيسة البعثة في أم درمان في عام 1914م … يا لعظمة المسيح إنه اليوم كما كان بالأمس كما يكون دائما … هو الذي جمعنا )
نظرت إليه وذهني يكاد لا يستوعب ما يجري . تبسم في وجهي قائلا : ( كل ثروتك جنيهان وثلاثة شلنات وتريد أن تكون مهندسا ميكانيكيا ) ثم قال بالعربية : ( الله يرشدك …إن قوته المطلقة تعيننا عند الضعف ).








النهاية

أبو عدى
08-06-2009, 12:25 AM
لك الود والتية اخى الكريم منتصر على هذه القصة الرائعة

بارك الله فيك وفى انتظار المذيد من تلكم القصص والكتابات الجميلة


احترامى و تقديرى لك

kgool
08-06-2009, 07:55 AM
قصة في منتهي الجمال والروعة في انتظار المزيد

منتصر
08-07-2009, 01:21 AM
اخوتي عاصم وكجووول اشكركم علي المرور المميز
واتمني ان تنالاعجاب الجميع
دمتم بكل خير

مصطفى
12-05-2010, 08:23 PM
السلام عليكم جميعا
تسجلت اليوم ... جابني ليكم عمكم جوجل
أعتدت من آن لآخر أن أتتبع مواضيعي عن طريق محركات البحث والتي دلتني على أن أحد رواياتي المترجمة قد وجدت طريقها لهذا المنتدى الأنيق
شكرا أخي منتصر فقد حفظت للآخرين حقهم بذكر اسمائهم في ثنايا البوست وليتك لو ذكرت المنتدى المنقول منه
الشكر للقائمين على هذا المنتدى وأخص بالشكر مؤسس الموقع الأخ عاصم

مصطفى
03-03-2012, 01:09 PM
السلام عليكم جميعا
تسجلت اليوم ... جابني ليكم عمكم جوجل
أعتدت من آن لآخر أن أتتبع مواضيعي عن طريق محركات البحث والتي دلتني على أن أحد رواياتي المترجمة قد وجدت طريقها لهذا المنتدى الأنيق
شكرا أخي منتصر فقد حفظت للآخرين حقهم بذكر اسمائهم في ثنايا البوست وليتك لو ذكرت المنتدى المنقول منه
الشكر للقائمين على هذا المنتدى وأخص بالشكر مؤسس الموقع الأخ عاصم


يا جماعة كتب هذه المشاركة قبل 16 شهر ولا تعليق
الآن أعود لها لأطلب من الإدارة حذف هذه الرواية من المنتدى لأنها الآن تحت الطبع وقد أشترط الناشر حذفها من المنتديات
أرجو الرد ولا داعي للصهينة